أيها الولد الرسالة التاسعة والأربعون – مقالات – ناجي التكريتي
ضع في جنانك قبل كل شيء، ان الانسان وحدة متكاملة قائمة بذاتها، لا تقبل الانقسام والانفصام.
ان كل ما يأتي به الفلاسفة من نظريات مجرد اجتهادات، لان كل فيلسوف هو انسان قبل كل شيء، وان كل انسان محكوم بقوة طبيعية لا يستطيع ان يتجاوزها، سواء اكانت قوة الجسم ام قوة العقل.
العوامل الاجتماعية والتأريخية، وفعل المكان والزمان، كل هذه العوامل مؤثرة في الانسان، قبل ان يبدي وجهة نظره في الكون والحياة.
ايها الولــــد- الحقيقة واحدة ودرب اليقين واضحة معالمه امام السالكين، غير ان اسباب الاختلاف مختلفة ومعقدة ومتشابكة، وهي في النهاية تصب في صالح الحضارة وديمومتها، وتألقها عبر حركة الزمان.
اذا قرأت في كتب الفيلسوف افلاطون انه يقسم النفس الى ثلاث قوى فهو لم يجزئها بشفرة حادة الطرف، بل اراد ان يوضح وظائف النفس وما تفعله وكيف تؤثر في الجسد.
الفيلسوف ارسطو فعل الشيء ذاته، فهو على الرغم من انه قد تأثر باستاذه في هذا الشأن، غير انه يتلاعب بالالفاظ ويضيف بعض القوى او يشطر بعضها الى حاسة ونزوعية وهكذا.
مع ذلك تبقى النفس وحدة واحدة قائمة بذاتها، اكثر من هذا، فان الانسان- في رأيي- جسم ونفس كون واحد، لا يقبل التشطير، يعمل بقوة واحدة اسمها قوة الانسان.
ايها الولد– حين تقرأ ان بعض الفلاسفة يؤمنون بان الحس اساس كل معرفة، وبعضهم الآخر يرون ان العقل هو الذي يدرك وليس الحواس.
كل واحد من الجانبين له براهينه التي يطرحها امام الملأ ان الفيلسوف الذي يؤمن بان الحس اساس كل معرفة، يقول اننا نتلقى كل المعارف والعلوم عن طريق الحواس من سمع وبصر ولمس وشم.
الفيلسوف الذي يؤمن بان العقل هو الذي يدرك المعارف، يأتي بحججه، ليقول ان الحس متغير، وان المعارف التي يدلي بها لا تبقى على حالها في كل الاحوال.
ايها الولدليكن لك رأيك الخاص بك، اطرحه بكل شجاعة جسوراً غير هياب، وانظر الى الانسان نظرة كلية لا يمكن تجزئتها الى جسم ونفس وعقل، وكأنها عوالم قائمة بذاتها.
ايها الولد- اعط رايك وقل حين يدرك الحس حقيقة معرفة مبدئية، هل يدركها كاحساس جسمي فقط، او ان الشعور النفسي يشارك في ذلك والقوة العقلية حاضرة بالمشاركة ايضاً.
وهكذا ترى، ان الحواس وحدها آلات مادية جامدة، لا يمكنها ان تدرك حتى ابسط الاشياء من دون تـــدخل النفس والعقل معاً في الوقت نفسه.
ايها الولد– هل اقتنعت معي اذن، بان الانسان وحدة قائمة بذاتها لا يمكن ان نفصل قوة عن اخرى، ولا ان نجزئها وكأنها كائنات قائمة بذاتها، ان كل (مصطلح) اطلقناه هو من اجتهاد الفلاسفة ليس غير.

















