أية ساعة بديلة عن بيغ بن ستدق الدقات التاريخية في يوم الوداع الأخير؟

لندن‭,‬‭ ‬26-1-2020‭ ‬‭(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬‭ ‬‭-‬‭ ‬تدخل‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬الاثنين‭ ‬أسبوعاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬سيفضي‭ ‬بنهايته‭ ‬الجمعة‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬أول‭ ‬بلد‭ ‬يغادر‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بعد‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬ونصف‭ ‬السنة‭ ‬من‭ ‬مساعٍ‭ ‬مضنية‭ ‬للانفصال‭.‬

البعض‭ ‬يحتفلون،‭ ‬فيما‭ ‬ينتظر‭ ‬آخرون‭ ‬بحزن‭ ‬يوم‭ ‬31‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬‭ ‬يناير‭ ‬2020،‭ ‬الساعة‭ ‬23,00‭ ‬ت‭ ‬غ،‭ ‬موعد‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬أرجئ‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬وكان‭ ‬مصدر‭ ‬انقسام‭ ‬داخلي‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭.‬

لكن‭ ‬الانفصال‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬تامة‭ ‬للمتاعب‭ ‬بين‭ ‬لندن‭ ‬والدول‭ ‬الـ27‭ ‬المتبقية‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يشكل‭ ‬انطلاقة‭ ‬لمفاوضات‭ ‬صعبة‭ ‬ستحدد‭ ‬أسس‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

ولن‭ ‬تدق‭ ‬أجراس‭ ‬ساعة‭ ‬بيغ‭ ‬بن‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬لتصليحات‭ ‬عند‭ ‬موعد‭ ‬الخروج،‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬أكثر‭ ‬المؤيدين‭ ‬حماسةً‭ ‬لبريكست‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬سيجري‭ ‬عدٌّ‭ ‬تنازلي‭ ‬عبر‭ ‬ساعة‭ ‬مضيئة‭ ‬أمام‭ ‬مقر‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬داونينع‭ ‬ستريت‭.‬

وبهذه‭ ‬المناسبة،‭ ‬ستدخل‭ ‬قطعة‭ ‬نقدية‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬50‭ ‬بنس‭ ‬قيد‭ ‬التداول‭. ‬وستطرح‭ ‬قيد‭ ‬التداول‭ ‬بدايةً‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬قطعة،‭ ‬ثم‭ ‬سبعة‭ ‬ملايين‭.‬

ويلقي‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بوريس‭ ‬جونسون‭ ‬المؤيد‭ ‬القوي‭ ‬لبريكست‭ ‬والذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬كشخصية‭ ‬جامعة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬فوزه‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية،‭ ‬خلال‭ ‬الليلة‭ ‬كلمة‭ ‬للأمة‭.‬

وكتب‭ ‬جونسون‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬نشرها‭ ‬حزب‭ ‬المحافظين‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬‮«‬حان‭ ‬لنترك‭ ‬الماضي‭ ‬خلفنا‮»‬‭ ‬و‮»‬لنوحد‭ ‬البلاد‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬مؤيدي‭ ‬ومعارضي‭ ‬بريكست‭ ‬الذي‭ ‬صوّت‭ ‬52%‭ ‬من‭ ‬البريطانيين‭ ‬لصالحه‭ ‬في‭ ‬استفتاء‭ ‬عام‭ ‬2016‭.‬

لكن‭ ‬مهمة‭ ‬توحيد‭ ‬البلاد‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬سهلة‭ ‬أمام‭ ‬جونسون،‭ ‬إذ‭ ‬رفضت‭ ‬مجالس‭ ‬نواب‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬اسكتلندا‭ ‬وويلز‭ ‬وإيرلندا‭ ‬الشمالية‭ ‬قانونه‭ ‬حول‭ ‬بريسكت‭.‬

ونجح‭ ‬بوريس‭ ‬جونسون‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬تموز‭/‬يوليو،‭ ‬حيث‭ ‬فشلت‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬السابقة‭ ‬تيريزا‭ ‬ماي‭. ‬الأخيرة‭ ‬غادرت‭ ‬داونينغ‭ ‬ستريت‭ ‬دامعة‭ ‬العينين‭ ‬بعدما‭ ‬أخفقت‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬البرلمان‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬بريكست‭.‬

وبعدما‭ ‬أعاد‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬مرتين‭ ‬مع‭ ‬بروكسل‭ ‬وحصل‭ ‬على‭ ‬حلّ‭ ‬جديد‭ ‬يمنع‭ ‬إعادة‭ ‬حدود‭ ‬فعلية‭ ‬بين‭ ‬جمهورية‭ ‬إيرلندا‭ ‬وإيرلندا‭ ‬الشمالية،‭ ‬انتزع‭ ‬رئيس‭ ‬بلدية‭ ‬لندن‭ ‬السابق‭ ‬تأييد‭ ‬البرلمان‭ ‬لقانون‭ ‬يتيح‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

ويعود‭ ‬الفضل‭ ‬بذلك‭ ‬للغالبية‭ ‬البرلمانية‭ ‬الساحقة‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر،‭ ‬وهي‭ ‬غالبية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬لحزب‭ ‬المحافظين‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬مارغريت‭ ‬تاتشر‭.‬

مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬صعبة

وقعت‭ ‬الملكة‭ ‬إليزابيث‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬النص‭ ‬المؤلف‭ ‬535‭ ‬صفحة‭ ‬والذي‭ ‬تم‭ ‬التوصل‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬وحوّل‭ ‬اتفاق‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬قانون‭ ‬بريطاني‭.‬

وتبقى‭ ‬هناك‭ ‬خطوة‭ ‬أخيرة‭ ‬قبل‭ ‬النهاية‭ ‬الرسمية‭ ‬لعلاقة‭ ‬دامت‭ ‬47‭ ‬عاماً‭ ‬بين‭ ‬بريطانيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وتتمثل‭ ‬باعتماد‭ ‬البرلمان‭ ‬الأوروبي‭ ‬الأربعاء‭ ‬اتفاق‭ ‬بريكست‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬الجمعة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بروكسل‭ ‬ولندن‭.‬

وعلى‭ ‬ممثلي‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أن‭ ‬يعلنوا‭ ‬موافقتهم‭ ‬كتابياً‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬غداة‭ ‬ذلك،‭ ‬وهي‭ ‬الخطوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬الرسمية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬31‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬موعد‭ ‬رمزي‭ ‬فقط،‭ ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬كثير‭ ‬سيتغير‭ ‬فعلياً‭ ‬ومباشرةً‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭. ‬وينص‭ ‬اتفاق‭ ‬الخروج‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬تمتد‭ ‬حتى‭ ‬31‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2020،‭ ‬على‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬تطبق‭ ‬قواعد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬لكن‭ ‬بدون‭ ‬حقّ‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬قراراته‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬عين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬سفيره‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬البرتغالي‭ ‬جواو‭ ‬فاليه‭ ‬دي‭ ‬ألمييدا،‭ ‬سفيراً‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬يتولى‭ ‬مهامه‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭.‬

وتهدف‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬خصوصاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬لندن‭ ‬وبروكسل‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬علاقتهما‭ ‬المستقبلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التجارة‭. ‬ويريد‭ ‬جونسون‭ ‬أن‭ ‬ينهي‭ ‬هذه‭ ‬المفاوضات‭ ‬الانتقالية‭ ‬خلال‭ ‬وقت‭ ‬قياسي،‭ ‬مستبعداً‭ ‬أي‭ ‬إرجاء‭ ‬لموعدها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭.‬

لكن‭ ‬الأوروبيين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وأنه‭ ‬يجب‭ ‬تحديد‭ ‬الأولويات‭.‬

واعلن‭ ‬جونسون‭ ‬بوضوح‭ ‬أنه‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬مشابه‭ ‬لاتفاق‭ ‬بلاده‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬كندا،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬الالتزام‭ ‬بقواعد‭ ‬التكتل‭ ‬الأوروبي‭.‬

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬تريد‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬اتفاقاتها‭ ‬الخاصة‭ ‬للتبادل‭ ‬التجاري‭ ‬الحر‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬خصوصاً‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إدارة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬توقع‭ ‬اتفاقا‭ ‬تجاريا‭ ‬‮«‬مذهلا‮»‬‭ ‬مع‭ ‬لندن‭.‬

ولن‭ ‬تكون‭ ‬المفاوضات‭ ‬البريطانية‭ ‬الأميركية‭ ‬سهلة‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬لندن‭ ‬أنها‭ ‬ستفرض‭ ‬ضريبة‭ ‬رقمية‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬نيسان‭/‬ابريل،‭ ‬رغم‭ ‬تهديد‭ ‬الأميركيين‭ ‬بتدابير‭ ‬مقابلة‭.‬

ومن‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأميركي‭ ‬مايك‭ ‬بومبيو‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬29‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬للقاء‭ ‬بوريس‭ ‬جونسون،‭ ‬و‮»‬إعادة‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬المميزة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الحليفين‭ ‬و‮»‬مناقشة‭ ‬السبل‭ ‬إلى‭ ‬توسعة‭ ‬وتعميق‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‮»‬‭ ‬بينهما‭ ‬بعد‭ ‬بريكست‭.‬