

مروان ياسين الدليمي
1
في الحافلة
يتدلى التاريخ من أكتاف العابرين
كحقائب جلدية
محشوة بصور الأجداد
بخناجر لم تصدأ رغم الغبار
وبرائحة مدن تُقصف من الذاكرة.
كل يشير إلى شظاياه
كأنها أوسمة
يتكلمون عن المجد
بفم مضرّج بالخرائط المهترئة
كأن الطين الذي غمَرَ النوافذ
كان انتصارا مؤجلا.
المنكوب
يمضغ الهزيمة كعلكة بلا طعم
ينتظر انكسار إشارة المرور
ليعبر نحو معركة أخرى
حافيا
إلا من حلم يتعثر بخوذ الصبية.

المدينة
تعيد طلاء الواجهات كل صباح
كي لا يرى أحد الدم على الإسفلت
تشغل موسيقى خلفية في المصاعد
كي لا يُسمع صوت الصمت حين يرتفع.
في المقاهي
يجلسون بملابس الأوطان القديمة
يحملون أسماء معلبة
يكتبون رسائل إلى “المستقبل”
بأحرف مبتورة من حرب لم تُكتب بعد.
اللغة… حقل ألغام
ينبت فيه “التحرير” و”الاجتياح” و”الثأر”
كأزهار بلا رائحة
كل حرف ينظر إلى الآخر بخوف قبلي.
أنا
أقيس الزمن بساعات الحريق
أعلق روحي على مشجب الضوء
وأراقب ظلي ينكمش تحت صرير الدبابة.
وحدهم ينفخون في الرماد
كمن يصنع من دخان السجائر وطنا
ويحرسون مقبرة أفكارهم بنشيد وطني…
لا أحد يسمعه.
2
في نشرات المساء
يمشطون رؤوسهم بالكلمات:
“صمود، شرف، ملحمة”،
ثم يذهبون للنوم
تحت بطانيات مرقطة بالحروب.
يتركون الأطفال
يرسمون الدبابات بطباشير المدرسة
يتركون العصافير تنزف
فوق الأسلاك المكهربة للحدود.
كل شيء محاصر
حتى الهواء
يمر عبر نقاط تفتيش الهوية
يرفع يديه
ويُفتَّش عن النية في الزفير.
السماء أيضا
تخاف أن تمطر
أن تبكي فيُحسب عليها موقف.
من نافذتي
أعد الخسائر في وجوه المارين
مقاهٍ تغسل فناجينها من طعم الحنين
وشبابيك تخلع ستائرها
لتغتسل باليأس.
هؤلاء الذين خسروا الحرب
يحلمون باستعادتها
كما يُستعاد مفتاح قديم لباب لم يعد موجودا
يحدقون في الخرائط
كأنها مرايا مشققة
يريدون منها أن تعيد وجوههم قبل التشظي.
أما المنتصرون
فيسيرون كتماثيل بلا أعين
يخافون أن ينظروا إلى الغد
فيختل التوازن.
أنا
أحمل قلبا على شكل علبة صفيح
داخله تصدأ الأغاني الوطنية
ويئن صوت أمي
وهي تطفئ التلفاز
كلما بدأت صفارات البداية.

3
كل مساء
أفتح خريطة لا تؤدي إلى أي مكان
وأضع إصبعي على فراغ ما
كأنني أوقع على نفيي.
في المصعد
يهمس أحدهم باسمي القديم
كأنه ينفض الغبار عن قبر
أدير وجهي
ولا أجد غير مرآة تعيدني أكثر غربة.
هذا الشارع الذي عبرته ألف مرة
ما زال لا يعرفني
كل الأرصفة تشبه جنودا ينتظرون أمر العودة
من حرب لا أحد أعلن بدايتها.
أوراق الهوية محشوة بحبر لا ينتمي لي
واللغة تخرج من فمي
كسعال مريض بالماضي.
المنكوبون ينامون بأحذية مشدّدة
كأنهم سيستدعون في الحلم لجبهة أخرى
كأن الكارثة لا تكتمل
إلا إذا حملت رقمك الوطني.
والمجد مبنى مهجور
يسكنه صوت أجش
يردد نشيدا غير واضح
ويطفئ النور قبل أن تكتمل الجملة.
أحمل ظلي ككيس بلاستيك يتقاذفه هواء الشوارع
أجلس في المقاهي بجوار الأرواح التي فاتَها القطار
وأراقب شاشة الهاتف كأنها نافذة مطلة على معنى.
لم تعد لدي رغبة في كتابة اسم قبيلتي بالحروف الكبيرة
لم تعد المدينة تهمس لي
صارت تعبر عن نفسها بالإنذارات.
هكذا أعيش
في حاشية الهامش
أراقب العالم
وهو يطوى كجريدة صباحية
في يد مقاتل متعب
ما زال يحلم بأن يقاتل.
4
في آخر الحكاية
لا موسيقى
فقط حفيف أوراق لم تقرأ
وأنفاس تتسلل من ثقوب الذاكرة
كالعفن.
المدينة تطفئ أنوارها باكرا كمن لا يريد أن يرى
العالم يطوى على عجل كقميص لم يكمل كيّه أحد
والتاريخ…
ورقة تسحب من طابعة معطلة
بلا حبر
بلا توقيع.
من بعيد
أسمع ضحكة تشبه إطلاق النار
ورجلا يشرح لابنه كيف يحمل السلاح
كأنها لعبة فيديو
أو طقس مسائي.
وأنا
أرتب وحدتي على رفوف قابلة للغبار
أرش الماء على زهرة اصطناعية
وأكتب أسماء أصدقائي الذين تآكلوا من الداخل
في دفتر مواعيد انتهت تواريخه.
لم أعد أبحث عن وطن
صرت أبحث عن مقعد لا يُقصف
عن حلم لا يعاد تأهيله في معسكر
عن نافذة لا تطل على القبر الجماعي.
كل شيء قابل للتأجيل إلا الجرح
ينمو يوما بعد آخر
مثل نبتة شيطانية تزهر في العتمة.
المجد… مرآة صدئة في غرفة الانتظار.
والهوية ملصق باهت على حقيبة ضائعة
في مطار لا يعرف أحد وجهته.
أنا فقط أود أن أعيش
كأنني لم أولد من سلالة تحارب ظلها
كأنني ظل…
نسي كيف يعود إلى الجدار.

5
أعيش الآن
كمن يمشي في مبنى مهجور
يرتدي خوذة عامل
لكن لا حريق
لا ترميم
لا شيء سوى الغبار
يضع جدول أعماله كل صباح.
الزمن
ليس عقارب ساعة
بل صوتها وهي تخطئ الايقاع
رجع ارتطام قديم بين خطوة وخيبة.
في البريد
ما زالت تصلني رسائل من جنود لم يولدوا
ومن أمهات ينتظرن صور الشهداء
كأنهن ينتظرن خبز الفجر.
كل الطرق معبدة بالأمل…
لكن إلى الخلف
المستقبل يتثاءب في الرفوف
بين كتاب مخلوغ الغلاف
وصورة ممزقة
لصف مدرسي اختفى في القصف.
لا أحد يطرق الباب إلا الهواء
ولا أحد يصدق أنك ما زلت هنا
إلا صدى أنفاسك
حين تسند ظهرك للفراغ.
أعرف وجهي جيدا
مر عليه شتاء كثير
وغسلته شاشات الأخبار
حتى صار بلا ملامح
كأنه اعلان حكومي عن نهاية غير مؤكدة.
أعبر الشارع
كمن يتفادى قنصا محتمل
أشتري قهوة
وأضع حول الطاولة مقعدا إضافيا
لفكرة لم تأت.
في المساء
أغلق النافذة على الظل كي لا يهرب
وأكتب على الجدار بعود ثقاب:
” أنا هنا… لكن ليس كما يجب ” .
6
كلما نظرت في المرآة
رأيت شخصًا يحاول الخروج من وجهي
يمد يده لا ليصافحني…
بل ليَمْسَح ما تبقى مني.
في داخلي حيّز صغير يشبه غرفة الانتظار
فيه مقعدان:
أحدهما لي
والآخر لذلك الذي لم أكنه
ولم أجرؤ على أن أكونه.
أحمل اسمي
ككلمة مرور منسية
يتلعثم لساني حين أنطق به
كأنني أفصِّلُ هوية على جسد لا أملكه.
الوجوه التي أحببتها
تاكلت في مرايا الآخرين
لم يبق منها سوى شتائم قديمة
وأغلفة حلوى بنكهة الوطن المزور.
من أنا ؟
سؤال كرَصاصة مرتدة
كلما طرحته نزفت أكثر.
أنا الذي صوَّت ضد الحرب ثم غفا تحت صوتها
أنا الذي لوَّح للسلام من نافذة قطار لم يتوقف أبدًا.
في المحفظة صورتي بين بطاقتين:
واحدة أخرجها للسلطات
وأخرى… أخفيها عن نفسي.
كل اسم كتبته على جدار
محته الريح بعد قليل
كأن اللغة نفسها ترفض اعترافي.
حتى الله حين أناديه
أشعر أنه يشرد عني قليلًا
ينظر في وجهي ثم يسأل في داخله:
” من هذا ؟ ” .
7
لم أعد أحتاج إلى الكلام
الضوء وحده يكفي لقول أشياء
نسيتها اللغة.
أمشي داخل يومي
كأنني أطفئه خطوة بخطوة
لا رغبة في الوصول
ولا خوف من الضياع.
أراقب الغبار يستقر على الكتب المهجورة
وأشعر به يرتب أفكاري القديمة نيابة عني.
الوجوه التي عبرتني
صارت أسماء على هاتف لا يرنّ
والأحلام ملفّات تالفة يرفض النظام فتحها.
أستيقظ أحيانًا
لأطمئن أنني ما زلت لم أكتب وصيتي
ليس لأنني باقٍ
بل لأن لا أحد يعرف ما يرثه منّي.
الحياد لم يكن خيارًا
بل قميصًا أرتديه حين لا أجد جلدًا يليق بي.
كُل ما تبقى مني ينام في كوب الشاي
يذوب مع كل رشفة
ويترك أثرا يشبه ظل بلا جسد .
أنا هنا…
لكن دون اسم
دون قضية
دون ندم
مجرد مرور خفيف
في النص
في الحياة
في الصمت .
8
أستيقظ
لا لأبدأ يوما
بل لأتحقق أن النافذة لم تتعلم الصراخ بعد.
أغسل وجهي
بماء بلا ذاكرة
وأعيد ترتيب صمتي
كوشاح مناسب لكل الطقوس .
في الطريق إلى المخبز
أختار الخبز لا لأنّه ضروري
بل لأنّه الشيء الوحيد
الذي لم يُحمّل خطابا قوميا بعد .
السيارات تمضي
كأن لا أحد مات في المكان
الكلب عند الزاوية ينظر إلي بلا أسئلة
وهذا يريحني .
أشتري جريدة لا لأقرأها
بل لأطويها
وأجعل منها شيئا يمتص البلل في رأسي .
أجلس في المقهى
كمَنْ ينتظر أحدا لا يأتي
لكنّي أعرف أن الذي لا يأتي
هو الشيء الوحيد الذي يجعل الانتظار ممكنا .
يمر رجل
بمعطف يشبه معاطف الشتاء القديمة
كأن الذاكرة تمشي على الرصيف
ولا تريد أن تسلم على أحد .
كل شيء مؤقت
الكرسي
الرغبة
التاريخ
المعنى…
وأنا فقط أجرب أن أتنفس
دون أن أفسّر ذلك .



















