أمتنا بين صراع الوجود وتشتت الإرادات – مقالات – طارق الجبوري
لم يعد الحديث عن الامة بشكلها الجمعي يحتل مكان الصدارة بعد موجة انحسار كبيرة للتيارات القومية التي عجزت عن استثمار المد القومي العروبي الذي تصاعد ليبلغ اعلى مستوياته آبان الخمسينات من القرن الماضي وترجمته الجماهير بتظاهرات وانتفاضات ضد كل ما يهدد وجودها وتجلت بعض مظاهرها في ثورة تموز في مصر 1952 والتظاهرات الشعبية ضد العدوان الثلاثي على مصر في 1956 وما اعقب ذلك من ثورات وانتفاضات في العراق تموز1958 وانطلاق شرارة الثورة في اليمن عام 1962 من دون ان ننسى تدشين اول انقلاب عسكري في سوريا عام 1949 احتجاجاً على هزيمة الجيوش العربية في فلسطين عام 1948 برغم انه كان فاتحة تدخل العسكر بالسياسة في اوطاننا التي بقيت اسيرة العقليات التأمرية الرافضة لكل ديمقراطية .. كان المواطن العربي برغم كل الظروف الصعبة التي مرت به منذ آفول نجم الدولة العربية وسقوطها يعيش مراحل ظلام وتراجع في كل شيء الا في قيمه التي حرص على الاحتفاظ بها وتغذيتها للاجيال اللاحقة املاً في بزوغ فجر كان يتأمل قدومه .. ضحى وقدم الكثير ونشأت حركات وتيارات رفعت شعارات تجسد تطلعاته لكنها بالمقابل اي هذه الحر كات ففي الغالب لم ترتق بادائها الى مستوى اهداف الامة وما تواجهه من تحديات خطرة .. وخلق الاستقلال بغض النظر عن مظهريته نوعاً آخر من التحدي ، حيث فرض دويلات قطرية وواقعاً مجزءاً وكأننا كما اشار احد الكتاب ( قايضنا هدف الوحدة العربية باستقلال شكلي) .. بل وصل الامر الى تصفيات للشخصيات الوطنية والقومية وغياب لغة الحوار فكل حزب يعد طروحاته هو الوحيد من يمتلك الحقيقة وانه من يمثل خلاصة حاجات الامة وكل ما ما عداه يدخل في خانة الخيانة التي تسوغ تصفية الآخر من اجل السلطة وليس سواها .. ظل المواطنون برغم كل هذا متمسكون بامل وهم يعيشون اوضاعاً ماساوية وخيبات مستمرة وهزائم تترى فلا خبز ولاحريات ولا حقوق ولاحتى انتصارات قومية او وطنية وبات يصحو وينام على شعارات وحروب وجوع وقهر وسلب للكرامة من دون ان يكون له حق الاعتراض .. لان المعركة مع العدو خطيرة وتتطلب التضحية .. هذا هو الشعار الذي كان يبرر به الحكام ممارساتهم القمعية رافضين ادراك حقيقة ان الديمقراطية بمفهومها الحقيقي هي الضمان لتحصين المواطن من اي اتجاهات اخرى وان هنالك فرقاً شاسعاً بين مظاهرالولاء الزائفة المفروضة بالقمع والخوف وبين الولاء الحقيقي الذي يصنعه الايمان والحب .. هذه الحقيقة ظلت غائبة ويرفض الاستماع الى صداها الحكام .. فكان ان وجدوا انفسهم يواجهون ما صنعت ايديهم وتعرض النظام العربي برمته وما زال الى هزات عنيفة تهاوت على اثرها انظمة والاخرى تعيش اوضاعاً لاتحسد عليها ..لم نأت بشيء جديد اذا قلنا ان من الاحتلال الاميركي المتعدد الاوجه للعراق وبالطريقة المعروفة كشف عورات نظامنا العربي برمته وكان من احد اسبابه المباشرة الامعان في ترويض المواطن العربي على قبول واقع مر صار فيه الاحتلال تحريراً والمحتل فاتحاً فاي تراجع نعيش ونحن نبتعد من حلم تكوين قاعدة انطلاق لنهضة شاملة لهذه الامة بعد عقود من الظلام والتبعية للاجنبي ، لذا فلا غرابة ولا هو تجذيف القول بان ما يشهده الوطن العربي من حالات تراجع وانحدار هو نتيجة لهذا الاحتلال ومحصلة حتمية لمخطط تأمري ضد الامة من خلال العراق .. ولان امتنا ولودة بطبيعتها لمضحين من طراز خاص لايرضون الخنوع فقد كانت ثورات الربيع العربي بطبيعتها الشعبية حدثاً كان من شأنه ان يغير معادلة التحالف المعادي لوحدتنا ووجودنا لولا ان تم تغيير مسارات رياحها باتجاهات متقاطعة مع ارادة الملايين التي ثارت ضد الظلم والتبعية وانتهاك الحقوق الذي مارسته انظمة تعسفية جائرة ..فقد ادركت الجماهير بحسها الفطري غير الملوث ،و بعد ان اتضح زيف دعاوى الاحتلال الاميركي للعراق ، بان مصيرها كامة يتعرض الى خطر التصفية النهائية وبصيغ مختلفة ومن قبل دول ومنظمات قد تتناقض في الظاهر لكنها متفقة على عدائها للعرب ووحدته، فاتخذت الهجمة ضد امتنا اقنعة الديمقراطية وحقوق الانسان وغيرذلك من الافتراءات والاضاليل وابتدعت الادارة الاميركية فرية المحاصصة واخطرها الطائفية لتستهدف بكل ذلك صميم قوة امتنا العربية المتمثل بهدف الوحدة الذي شوهته صراعات الحركات القومية وعجزها هي عن توحيد نفسها فما بالك بالوطن العربي . وكلنا يتذكر ما سبق الاحتلال الاميركي للعراق من حملات اعلامية جندت لها كل وسائل الاتصال والمعلوماتية لهز الوجدان العربي الشعبي وايمانه العميق والمتجذر بوحدته وقيمه العروبية .. واسهمت الانظمة العربية من خلال ممارساتها المناقضة لتطلعات الجماهير بتمرير هذا المخطط الشرير لايصال الشعب الى حالة اليأس.. كانت هنالك حملات لترويض الجماهير العربية وفرض الامر الواقع عليها وتسويغ الاستقواء بالاجنبي وتصفية ومطاردة كل صوت وطني عروبي قومي وما زاد الامر تعقيداً حالة التشرذم والضعف التي كانت وما زالت تعيشها الحركات الوطنية والقومية خاصة بعد الاحتلال الامريكي للعراق وما تلاه من هيمنة خارجية على مقدراته حتى وصل الامر للاستهانة بدماء الشهداء في معارك العرب القومية وتضحيات الشعب ومواجهته للمد المعادي لقوميته ووجوده الذي تلفع بعباءة الدين والمذهب لينخر في جسد امتنا . وما يؤسف له ان الانظمة وحتى الكثير من الحركات القومية لم تستفد من تجارب الهزائم والخيبات وبقيت وسائلها شعاراتية لاتغني ولاتسمن من جوع على محمل الجد .. فكانت النتيجة ما يسمى بالفوضى ” الخلاقة ” التي كان من نتائجها ما حصل في السودان وسوريا واليمن وتونس وماتتعرض له مصر من مخاطر وتهديدات وما حصل ويحصل في البحرين والكويت والسعودية والامارات وغيرها من نشاطات تشترك فيها كل قوى الشرلتقويض ما تبقى من وجود قومي عربي..ما زال حجم التأمر كبير وخطر لاستهداف القيم العروبية وما زالت بعض التيارات والانظمة سادرة في غيها وترفض اتخاذ موقف شجاع تراجع فيه برامجها وتنتقد سلوكياتها التي افقدتها الكثير من قاعدتها الشعبية ..وهنا وفي ضوء كل التحديات التي تواجهنا فان مسؤولية القوى الوطنية القومية تتسع لاستنباط صيغ تتناسب وطبيعة التحدي الذي تجابهه امتنا واول خطوة بهذا الاتجاه تبدأ بمراجعة شجاعة مع النفس .. نحتاج الى مراجعة جريئة نستلهم من خلالها تضحيات شعبنا وتاريخه الطويل وتطلعاته ..وقفة نقدية نسأل فيها ماذا قدمنا لهذه الامة لنقترب من بعض احلام المواطنين ونكون اهلاً لثقتهم علنا نصحح بعض الاخطاء التي ضيعت فرصاً كبيرة على طريق نهضة الامة .. فهل تتمكن الحركات الوطنية والقومية من رسم برنامج عمل تنجح فيه بوقف حالات الانحسار ؟ ام تراها تبقى تراوح في مكانها تتجاذبها الاهواء ؟! هذا ما ستجيب عليه الايام والاشهر المقبلة .. اخيراً لن ندعي اننا اوفينا هذا الموضوع حقه من البحث لكننا حسبنا ان يكون ما كتبناه اسهامة قد تشجع الاخرين من قيادات التيار الوطني القومي او من المهتمين من اغنائه بعمق التجربة والملاحظة ..وواثق بان هنالك قصور في معالجة واقعنا القومي يفترض الانتباه اليه فليس من الصحيح الانسياق وراء ما يروج له البعض من ان عصر الفكر القومي قد مات ربما انكفأ وضمر لكنه لن يموت باذن الله واخلاص المؤمنين .

















