أصدقائي الروبوتات

علي السوداني

وها‭ ‬هيَ‭ ‬حياتنا‭ ‬القائمة‭ ‬الآن‭ ‬تتبدل‭ ‬بسرعةٍ‭ ‬مذهلةٍ‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غزتْها‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬وكشوفات‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬،‭ ‬فصرنا‭ ‬نتلقى‭ ‬من‭ ‬الصحب‭ ‬وردةً‭ ‬ألكترونيةً‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬جميلة‭ ‬المعنى‭ ‬والمقصد‭ ‬والنية‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬أبداً‭ ‬،‭ ‬تلك‭ ‬الزهرة‭ ‬العاطرة‭ ‬الندية‭ ‬الحميمة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نقطفها‭ ‬من‭ ‬حديقة‭ ‬الدار‭ ‬،‭ ‬وننزرع‭ ‬معها‭ ‬برأس‭ ‬الزقاق‭ ‬،‭ ‬كأنها‭ ‬أول‭ ‬علامات‭ ‬العشق‭ ‬النبيل‭ .‬

بمصادفةٍ‭ ‬خالصةٍ‭ ‬شاهدتُ‭ ‬البارحةَ‭ ‬فلماً‭ ‬قصيراً‭ ‬عن‭ ‬مختَرَعٍ‭ ‬،‭ ‬سمّاه‭ ‬مترجم‭ ‬الشريط‭ ‬«‭ ‬الجليس‭ ‬الأنيس‭ ‬«‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ذرة‭ ‬صلة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬جلاسنا‭ ‬وصحبنا‭ ‬والندمان‭ ‬أيام‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭ .‬

هو‭ ‬يتحدث‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬ونيسٍ‭ ‬الكتروني‭ ‬يابس‭ ‬معمول‭ ‬من‭ ‬حديد‭ ‬،‭ ‬ومصنوع‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬إنسان‭ ‬ذكر‭ ‬أو‭ ‬أنثى‭ ‬،‭ ‬وحسب‭ ‬طلبات‭ ‬الزبائن‭ ‬الذين‭ ‬لديهم‭ ‬الليلةَ‭ ‬،‭ ‬شعور‭ ‬مروع‭ ‬بالوحشة‭ ‬والوحدة‭ ‬والكآبة‭ ‬السوداء‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬زرع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العواطف‭ ‬والأغنيات‭ ‬والأجوبة‭ ‬المشهورة‭ ‬بدماغ‭ ‬الروبوت‭ ‬المضحك‭ ‬المبكي‭ ‬،‭ ‬وبقلبه‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬قلب‭ ‬له‭ ‬،‭ ‬فصار‭ ‬بمقدور‭ ‬المشتري‭ ‬وحيد‭ ‬الدار‭ ‬،‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭ ‬هذه‭ ‬الحديدة‭ ‬المتحركة‭ ‬المؤدبة‭ ‬المهذبة‭ ‬،‭ ‬عن‭ ‬صحته‭ ‬ونوع‭ ‬الأكل‭ ‬الذي‭ ‬يحبه‭ ‬،‭ ‬وهل‭ ‬بمقدوره‭ ‬أن‭ ‬يسمعه‭ ‬أغنية‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬يرسم‭ ‬له‭ ‬لوحة‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬ينتج‭ ‬على‭ ‬مائدته‭ ‬الحزينة‭ ‬قصيدة‭ ‬حبٍّ‭ ‬ممكنة‭ ‬،‭ ‬وأشياء‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬اصدار‭ ‬أمر‭ ‬مستعجل‭ ‬للروبوت‭ ‬المسكين‭ ‬،‭ ‬بالذهاب‭ ‬مسرعاً‭ ‬الى‭ ‬المطبخ‭ ‬،‭ ‬ليأتي‭ ‬لصديقه‭ ‬المنتظر‭ ‬السهران‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬من‭ ‬أثاث‭ ‬الثلاجة‭ ‬الصالح‭ ‬لقضاء‭ ‬سهرة‭ ‬تلفزيونية‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬فرجة‭ ‬مجانية‭ ‬على‭ ‬فلمٍ‭ ‬عتيق‭ ‬،‭ ‬سينبش‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجسد‭ ‬الحقيقي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬ليل‭ ‬الشوق‭ ‬والفقد‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬ينتج‭ ‬ابتسامةً‭ ‬واضحةً‭ ‬حتى‭ ‬فوق‭ ‬وجه‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬الآلي‭ ‬المطيع‭ ‬!!

في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬إضاءاته‭ ‬البديعة‭ ‬،‭ ‬يقول‭ ‬الممثل‭ ‬المدهش‭ ‬آل‭ ‬باتشينو‭ ‬معنى‭ ‬وزبدة‭ ‬،‭ ‬إنَّ‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬الذي‭ ‬حجمه‭ ‬حجم‭ ‬اصبع‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬يمتلك‭ ‬امكانيات‭ ‬تقنية‭ ‬وفنية‭ ‬هائلة‭ ‬تنتج‭ ‬البهجة‭ ‬،‭ ‬وتنتزع‭ ‬الإعجاب‭ ‬من‭ ‬الناظرين‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬لن‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬التمثيل‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بذل‭ ‬المشاهد‭ ‬جهداً‭ ‬فكرياً‭ ‬عظيماً‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬إزاحة‭ ‬المخيلة‭ ‬وتدوير‭ ‬المعنى‭ ‬وعكسه‭ ‬على‭ ‬البشري‭ ‬المخلوق‭ ‬من‭ ‬دم‭ ‬ولحم‭ ‬وجبل‭ ‬عواطف‭ .‬

سأهجر‭ ‬نعمة‭ ‬العلم‭ ‬وعجائب‭ ‬الإختراع‭ ‬،‭ ‬وأذهب‭ ‬مذهباً‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬سوداوياً‭ ‬تيئيسياً‭ ‬غير‭ ‬مقصود‭ ‬حتماً‭ ‬،‭ ‬وأكتب‭ ‬أن‭ ‬الضرر‭ ‬قد‭ ‬أصاب‭ ‬العاطفة‭ ‬البشرية‭ ‬بمقتلٍ‭ ‬أكيد‭ ‬،‭ ‬وضربت‭ ‬الغزوة‭ ‬الألكترونية‭ ‬الكالحة‭ ‬،‭ ‬كلَّ‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬الطيبة‭ ‬المسالمة‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬ينجُ‭ ‬من‭ ‬المنظر‭ ‬حتى‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬،‭ ‬فهذا‭ ‬روبوت‭ ‬يرسم‭ ‬،‭ ‬وذاك‭ ‬يغنّي‭ ‬،‭ ‬وثالث‭ ‬يكتب‭ ‬الشعر‭ ‬والنثر‭ ‬،‭ ‬ورابعٌ‭ ‬يترجم‭ ‬لك‭ ‬قصيدةٍ‭ ‬من‭ ‬بودلير‭ ‬ولوركا‭ ‬،‭ ‬وقصةً‭ ‬من‭ ‬بورخيس‭ ‬وغونتر‭ ‬غراس‭ ‬،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الترجمة‭ ‬ستظهر‭ ‬يابسةً‭ ‬ناشفةً‭ ‬جافةً‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬اللائبة‭ ‬المتحركة‭ ‬النقية‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬عليها‭ ‬يوم‭ ‬ترجمها‭ ‬صالح‭ ‬علماني‭ ‬أو‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬اليوسفي‭ ‬أو‭ ‬مرة‭ ‬!!