أثمان تغيير الأنظمة الشمولية – عبد الهادي كاظم الحميري

زمان جديد

أطلق‭ ‬غورباتشوف‭ ‬حملته‭ ‬الإصلاحية‭ ‬الشهيرة‭ ‬بثلاثة‭ ‬مضامين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والشفافية‭ ‬وإعادة‭ ‬البناء‭ ‬(البريسترويكا‭ ‬)‭ ‬وكان‭ ‬هدفه‭ ‬خلافاً‭ ‬لما‭ ‬إعتقده‭ ‬الكثيرون‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬بلده‭ ‬ومن‭ ‬خارج‭ ‬أبناء‭ ‬بلده‭ ‬هو‭ ‬معالجة‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭  ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬البلاد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استهلك‭ ‬النظام‭ ‬السوفيتي‭ ‬الحماس‭ ‬والخوف‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬بناء‭ ‬الصرح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السوفيتي‭  ‬الجبار‭ ‬وميَلان‭ ‬ميزان‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وموازين‭ ‬القوى‭ ‬لغير‭ ‬صالح‭ ‬الإتحاد‭ ‬،‭ ‬وبإختصار‭ ‬أراد‭ ‬غورباتشوف‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬الأقل‭  ‬تجديد‭ ‬جميع‭ ‬أوجه‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬وإعطاء‭ ‬الاشتراكية‭ ‬احدث‭ ‬اشكال‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وخلق‭ ‬مجتمع‭ ‬سوفيتي‭ ‬ديمقراطي‭ ‬شفاف‭ ‬تربطه‭ ‬المصلحة‭ ‬في‭ ‬التقدم‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الرفاه‭ ‬الذي‭ ‬إعتقد‭  ‬بأن‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬ستوفره‭.‬

ما‭ ‬فات‭ ‬غورباتشوف‭ ‬ومنظريه‭ ‬أن‭ ‬حول‭  ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬إقتصادي‭ ‬قائم‭ ‬،‭ ‬تقوم‭ ‬هناك‭ ‬مصالح‭ ‬شخصية‭ ‬وحزبية‭  ‬ومجتمعية‭ ‬مستفيدة‭ ‬مالا‭ ‬وسلطة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭  ‬وإن‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬وهيكلة‭ ‬هكذا‭ ‬نظام‭ ‬ستحبطه‭ ‬القوى‭ ‬المستفيدة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكاسبها‭ ‬وأما‭ ‬الحرية‭ ‬والشفافية‭ ‬فإنها‭ ‬ستسري‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البلاد‭ ‬وطولها‭ ‬سريان‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭  ‬وسترفع‭ ‬غطاء‭ ‬القدر‭ ‬السوفيتي‭ ‬الذي‭ ‬كبح‭ ‬في‭ ‬داخله‭  ‬النعرات‭ ‬القومية‭ ‬والدينية‭ ‬لـسبعين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬وأن‭ ‬تلك‭ ‬النعرات‭ ‬ستنهي‭ ‬عند‭ ‬تحريرها‭  ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭  ‬فعلاً‭ ‬إذ‭ ‬تحول‭ ‬الأمناء‭ ‬العامون‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬السوفيتي‭  ‬في‭ ‬الجمهوريات‭ ‬السوفيتية‭ ‬الى‭ ‬ديمقراطيون‭ ‬قوميون‭ ‬خرجوا‭ ‬بجمهورياتهم‭ ‬منه‭. ‬و‭ ‬تم‭ ‬كبح‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قيادات‭ ‬المعامل‭ ‬والمناطق‭ ‬التي‭ ‬إستأثرت‭ ‬بإنتاجها‭ ‬وأحجمت‭ ‬عن‭ ‬دفع‭ ‬مستحقات‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المعامل‭ ‬عن‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬المجهزة‭ ‬لها‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الشمولي‭ ‬الصدامي‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مطابقا‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬حين‭ ‬رفعت‭ ‬الحرية‭ ‬الجديدة‭ ‬غطاء‭ ‬القدر‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬كبح‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬النعرات‭ ‬الطائفية‭ ‬والعرقية‭ ‬لثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬فانطلقت‭ ‬تحصد‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬ولولا‭ ‬قيام‭ ‬القوة‭ ‬المحتلة‭ ‬بقيادة‭ ‬الجنرال‭ ‬ديفيد‭ ‬بترايوس‭ ‬ومعاونة‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬العراقية‭ ‬المتوفرة‭ ‬والصحوات‭ ‬بسحق‭ ‬القاعدة‭ ‬لتفتت‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬صغره‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬الكبير‭.‬

ولم‭ ‬تكتفي‭ ‬الطائفية‭ ‬بجولة‭ ‬واحدة‭ ‬بل‭ ‬عادت‭ ‬بصيغة‭ ‬داعش‭ ‬ومزقت‭ ‬البلاد‭ ‬ولولا‭ ‬بطولات‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬وأبنائه‭ ‬الأربعة‭ ‬جهاز‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والشرطة‭ ‬الاتحادية‭ ‬والحشد‭ ‬والبيشمركة‭ ‬والتحالف‭ ‬الدولي‭ ‬والأصدقاء‭ ‬لتفتت‭ ‬العراق‭ ‬وتوزع‭ ‬حصصا‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭. 

رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬نجح‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدته‭ ‬و‭ ‬إقامة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬رغم‭ ‬نواقصها‭ ‬وحرية‭ ‬رأي‭ ‬وشفافية‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عربية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬أعجمية‭ ‬ولكنه‭ ‬فشل‭ ‬تماما‭ ‬رغم‭ ‬التضحيات‭ ‬في‭ ‬إزاحة‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬المستفيدة‭ ‬من‭ ‬تأخره‭ ‬وضعفه‭ ‬والتي‭ ‬دجنت‭ ‬شعبه‭ ‬ليعيد‭ ‬تدويرها‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬دورة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬تمنعه‭ ‬من‭   ‬تحقيق‭ ‬الإصلاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬لمواطنيه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فسادها‭ ‬الإداري‭ ‬والمالي‭ ‬وارتباطاتها‭ ‬الخارجية‭.‬

ورغم‭ ‬شعور‭ ‬العراقيين‭ ‬بالتعب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الماراثون‭ ‬المضني‭ ‬نذكرهم‭ ‬بقول‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعي:

ولرب‭ ‬نازلة‭ ‬يضيق‭ ‬بها‭ ‬الفتى‭ ‬ذرعا‭ ‬وعند‭ ‬الله‭ ‬منها‭ ‬المخرج

ضاقت‭ ‬ولما‭ ‬استحكمت‭ ‬حلقاتها‭ ‬فرجت‭ ‬وكنت‭ ‬أضنها‭ ‬لا‭ ‬تفرج

وقول‭ ‬ونستون‭ ‬تشرتشل:‭ ‬الديمقراطية‭ ‬نظام‭ ‬سيء‭ ‬ولكنه‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬غيره‭.‬