قبر هيكل.. ثقافة الموت

مفارقات بين المعجبين والكارهين قبر هيكل.. ثقافة الموت فيصل عبد الحسن جاء خبر من مصر فيه روح المفارقة، وخفة الدم، وروح الفكاهة معروفة عند المصريين، لكن الخبر للأسف هذه المرة حمل صفات المفارقة السوداء وخفة الدم الثقيلة، وروح الفكاهة السمجة. يحكي الخبر عن رفض محافظة 6 أكتوبر في مصر طلب قدمه الصحفي والكاتب المصري المعروف محمد حسنين هيكل قبل ثلاث سنوات للسماح له لبناء قبره داخل بيته. ويبدو أن الطلب قد تأخر البت فيه لظروف مصر في السنوات الأخيرة، وحالما تم رفضه رسميا، حتى ظهرت تعليقات طريفة على الخبر، الذي ظهر في عدد من الصحف المصرية، وقد ذيل قرار الرفض بتعليقات مؤيدة وأخرى رافضة. من تلك التعليقات قول احدهم أن هذا الفعل غير جائز قانونيا، وفق القانون المصري، ويمثل ظاهرة لم تشهدها مصر من قبل، وتساءل هل اصبح هيكل وليا حتى يطلب لنفسه قبرا خاصا في بيته؟ !! وأضاف لم نسمع عن زعيم أو رئيس جمهورية طلب لنفسه قبرا بداخل بيته، فالرئيس جمال عبد الناصر طلب أن يدفن في مسجد، والرئيس محمد أنور السادات دفن بجوار قبر الجندي المجهول، فلماذا يطلب هيكل أن يدفن في بيته ؟ المحبرة والمقبرة أن أقوال كل من انتقد هيكل تصب في باب آخر غير باب الدفاع عن القانون، فالرجل واحد من عمالقة مصر، وهو من طراز نجيب محفوظ، ثروت أباظة، عبد الرحمن الشرقاوي، أحمد شوقي، عباس محمود العقاد، الفنان محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وغيرهم. وهو من زمن مصر، التي كانت تغزو بيوت العرب بفنونها وآدابها، وصحافتها وهيكل من أولئك الذين يعيشون ويموتون، كما وصفهم الإمام الشافعي من المحبرة إلى المقبرة، وقد غرق إلى أذنيه منذ طفولته بثقافة الموت، فمصر لديها ثقافة خاصة بالموت منذ عهود الفراعنة، إلى يومنا الحالي، وأهراماتهم هي أحد أهم رموز هذه الثقافة، التي تمجد الإنسان في حياته وبعد مماته، واكتشف المصريون بفطرتهم النقية، أن الإنسان هذا المخلوق العجيب، الذي كرمه الله تعالى بالعقل، لا يمكن أن يفنى بالموت، وأن الموت ليس إلا بوابة إلى الخلود الأبدي. ولا يظن أحد مجرد الظن أن مصر لا تكرم رجلا في حياته ومماته، ملبية له رغبة، تعد بكل المقاييس أخيرة، وهو في مثل هذا العمر، وقد تعدى سنه الثمانين. ولمثل هذا الرجل من القامة المرتفعة في تأريخ مصر وتأريخ صحافتها، منذ شبابه، عندما كان مراسلا حربيا منتدبا لدى الجيش المصري في حرب عام 1948 ضد القوات الصهيونية، التي احتلت فلسطين، واعلنت إنشاء دولة إسرائيل وحتى طلاته الاعلامية في السنوات الأخيرة من مختلف الفضائيات للحديث عن مصر وثوراتها وحروبها. وايضا، فهو الصحافي الذي صار عنوان عموده (بصراحة) في صحيفة الأهرام أيام زمان، مدخلا لكثير من الصحفيين، فكانوا يختارون عناوين لأعمدتهم تبتدئ بحرف الجر(باء)، الذي اختاره عميد الصحافة المصرية محمد حسنين هيكل، فصارت اعمدتهم، تحمل ذاك الحرف ايضا. فتجدها إلى يومنا الحالي، تحمل ذلك الباء الهيكلي: بوضوح، بلا خجل، بهدوء، بسرعة، وكلها على غرار بصراحة، عنوان عمود هيكل، وغير ذلك فقد جعل الحرف الباء مدخلا لعالم واسع من الكلمات المعبرة، لقد اقترح هيكل هذا الحرف العجيب من قبل ليكون منفذا له، فكان عنوان عموده ذاك، الذي اعطى كل هذه الحيوية لغيره من الصحفيين المصريين خلال العقود الماضية لكتابة العمود الصحافي المؤثر في القراء. الأستاذ ليس كتابته وحدها المتميزة أو من علمت الآخرين بل وطريقته في حكاية التأريخ، فهو الوحيد بين الصحفيين العرب، الذي وجد أن العالم مقسما إلى قسمين، الأول للحكم، وفيهم الشرير ومنهم الخير، والقسم الآخر الأكبر من الإتباع والمريدين، الذين لا صوت لهم ولا تأثير فيما يحدث، وعليهم أن يسمعوا ما يقوله هو لهم، وليروي لهم ما حدث، وعليهم ايضا أن يولوه ثقتهم التامة بما يقول. فكل شيء لدى هذا الرجل موثق، ومكتوب حتى قصاصة الورق، المسودة التي كان يكتب عليها الرؤساء، ورقة مسواق العائلة، حين كانوا مجرد مواطنين، في بلد طويل وعريض، والذين شاءت المصادفات أن يلتقيهم في فترات حياته المختلفة، ويصادقهم ويحتفظ بأوراقهم الخاصة تلك، ولا يحق لأحد أن يتساءل من أين أتى بتلك القصاصات من الورق؟ أو كيف احتفظ بها كل تلك السنوات ومن دون أن تضيع أو تنسى بين الملفات الكثيرة، التي تحتويها مكتبته الضخمة؟ أنها بحق واحدة من عجائب الأستاذ، و”الأستاذ” هو أسمه الذي تعارف عليه الكتاب والصحفيون في مصر والوطن العربي. وكم من الحكام أوجعهم هيكل، بذكر خطاياهم، واخطائهم، فذكرهم بالذي مضى وظن البعض منهم، أو من ورثوا منهم أن ما حدث مضى وانقضى، فلا كاشف له غير الله تعالى يوم يقوم الحساب، فأرجعهم الأستاذ إلى حساب الدنيا، وقضائها. أراد الرئيس محمد أنور السادات منه أن يكون وزيرا للإعلام في عهده، لكنه لم يكن مقتنعا بسياسة الرجل التصالحية مع إسرائيل، ولا بطريقته في الحكم، فتشبث بكرسي الصحفية، واعتبره أهم من كرسي الوزير، في ظل رئيس لا يقتنع بطريقة سياسته للأمور، فكان مصيره السجن. وللرجل معجبون كما له كارهون، أولئك الذين كرهوا عهد عبد الناصر وكرهوا هيكل بسببه، لأنهم اعتبروه موظفا من موظفي عبد الناصر، واعتبره البعض مقصرا في قضية إتهام “مصطفى أمين” مؤسس مؤسسة أخبار اليوم المصرية للصحافة بالتجسس لأمريكا، وسجنه. وكان بإمكان هيكل، التدخل لدى عبد الناصر، ليطلق سراح زميله وصديقه، الصحفي المعروف، الذي كان صديقا مقربا من جمال عبد الناصر لمدة 13 عاما قبل أن يسجنه بتهمة التجسس لصالح الأمريكان، وقلبت له الدنيا ظهر المجن. ومن بين الذين اتهموا هيكل بعدم الوفاء للصداقة، مصطفى أمين، وعلي أمين -الأخ التوأم لمصطفى أمين وأحد مؤسسي الصحافة المصرية الحديثة- ومهما تحدثنا عن حسنات الأستاذ التي يمتدحه بها اصدقاؤه وسيئاته التي يتهمه بها اعداؤه، فلا يجب أن تضن مصر على هيكل بقبر يتمناه، حتى لو كان ذلك القبر يقع في بيته، فهذا جزء من ثقافة الموت، التي تربى عليها الناس في مصر. { كاتب مقيم في المغرب [email protected]