المؤرخ ذنون الطائي لـ الزمان مكان الحدث وزمانه عنصران في متن التاريخ
أجرى الحوار عمر عبد الغفور
إن مناقشة أفكار المؤرخين ومنهجيتهم تساعد القارئ على فهم أفضل للتاريخ. الزمان زرت الأستاذ الدكتور ذنون الطائي في مكتبه بمركز دراسات الموصل وأجرت معه هذا الحوار حول كتابه الاخير التحفة اللامعة من مؤرخي الجامعة الذي يناقش طروحات عدد من مؤرخي الموصل كلا حسب اختصاصه.
كان التنوع مصدر قوة عبر التاريخ للإمبراطوريات والدول العظمى فما الذي جعل التنوع سببا لتفتت الدولة الواحدة ؟
في البدء أرى أن الإسلام لم يبلغ شأوه عبر الفتوحات الإسلامية التي وصلت ألى الصين والهند واسبانيا، ألا عبر مادته ومادة الإسلام العرب بتنوعهم، مضافاً أليهم الداخلين في الإسلام من شتى الثقافات واختلاف الألسن، والذين وحدّهم الإسلام بالقرآن الكريم واللغة العربية، وتأثيراتها على مجمل الشعوب المنضوية تحت راية الإسلام، فكان الانصهار في بوتقة واحدة لكل الأعراق والاثنيات والأجناس، والذي مثّل دفعاً قوياً وزخماً معنوياً هائلاً لاستكمال المشروع الإسلامي بالفتوحات الإسلامية، وبناء دولة الإسلام الموحدة القوية المبنية على أساس ثابت، مضافاً أليها التراث العربي والثقافة العربية وكل معطيات وانجازات العقل العربي في مجال العلوم والموروثات، حيث التحرر من النزاعات الطائفية والانقسامات الاجتماعية، وانبعاث الفكر العربي عبر معطيات الإسلام نحو أفق أرحب.
غير ان ذلك التنوع والاختلاف في أوربا والبقاع الأخرى، لم يؤتِ ذات الأثر الذي أحدثه العرب المسلمون في بقاع متعددة من العالم، والسبب هو أن الغرب وأوربا في اختلاف أعراقهم ومشاربهم نسجوا تاريخهم القائم على النصر والاحتلال لم ينتج عنه غير سيطرة الغالب على المغلوب، وتحين الفرصة للآخر بالثأر ولم يولد وحدة أوربا مجتمعة، كما هو شأن العرب في الإسلام، ذلك أن الإسلام هو دين وحدة وقيم وفكر وزخم روحي نهل منه الغرب عموماً وبخاصة في معطياته المعرفية.
فهكذا كان التنوع سبباً مضافاً لانجاز العرب في إيصال حضارتهم وتراثهم، عبر التلاقح الحضاري والفكري والثقافي، مع كل الشعوب من خلال الدولة العربية الإسلامية الخلافة الراشدة، الأموية، العباسية .
عالم جليل ومؤرخ كبير
كيف يرى ا.د. ذنون الطائي فلسفة ا.د. عماد الدين خليل في معالجة علم التاريخ ؟
حينما تسألني عن فلسفة ا.د.عماد الدين خليل أقول إنه عالم جليل ومؤرخ كبير وناقد نحرير، وهو يؤسس فلسفته للتاريخ على أساس، أن التاريخ هو محاولة للبحث عن الذات للعثور على الهوية الضائعة في هذا العالم، للتجذر في الخصائص وتعميق الملامح والخصوصيات، انه بشكل من الإشكال محاولة لوضع اليد على نقاط التألق والمعطيات الإنسانية والرصيد الحضاري، ويفصح العلامة الدكتور عماد الدين خليل على اثر الإسلام في أعادة صياغة العقل والوجدان والوقائع التاريخية، بتأكيده على أن تاريخنا بالذات أكثر صدقاً لتأثيرات الإسلام ولقدرة هذا الدين على إعادة صياغة العقل والوجدان. إذ أن التعامل القرآني مع التاريخ يأخذ صيغاً تندرج بين العرض المباشر والسرد القصصي، لتجارب عدد من الجماعات البشرية وبين استخلاص يتميز بالتركيز والكثافة للسنن التاريخية، التي تحكم حركة الإنسان في الزمكان.
وإنني أتماثل مع طروحات عالمنا الكبير في التحليل التاريخي الإسلامي، بأنه ليس قالباً جامداً ولا معياراً ثابتاً يصلح للتعامل مع تواريخ الأمم والشعوب كلها على تغاير الأماكن والأزمان، لاسيما أن هناك بالتأكيد بعض الثوابت المنهجية التي تمثل قاسماً مشتركاً للدراسات التاريخية، أيا كان الموضوع الذي نتعامل معه. أننا هنا بإزاء آليات أو تقنيات للبحث في التاريخ لابد من اعتمادها، إذ أردنا الوصول ألى مقاربة الحقيقة التاريخية، ألا أن هناك فيما وراء هذه الثوابت المحايدة أذا صح التعبير هامشاً واسعاً للمتغيرات المنهجية، حيث أن ما يصلح لدراسة التاريخ الأوربي أو الأمريكي مثلاً، لا يصلح لدراسة تاريخ الإسلام. كون كل امة لها خصائصها وهكذا تاريخها.
هل نجح أساتذة التاريخ في الاستفادة من دراسة التاريخ المقارن وإسقاط ما درسوه على الأوضاع السياسية الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها مجتمعاتنا عبر الحقب المختلفة ؟
إنني أرى بأن لا يمكن بأي حال من الأحوال إسقاط الماضي بأحداثه وتجلياته وفعل شخصياته على الحاضر بكل تفصيلاته وتطوراته الحديثة والتقنيات العلمية المبتكرة، فان لكل عصر سماته وغاياته ورجالاته ومشكلاته الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، التي قد تعصف بعرى النسيج الاجتماعي، أو تحدث تبدلاً في الأوضاع السياسية التي تفضي ألى تطورات مهمة على صعيد البناء الحضاري للمجتمع.
في ذات السياق من الخطأ الفادح إسقاط المؤثرات المعاصرة على تفسير الحدث التاريخي في الحقب الماضية، أو بعبارة أخرى محاكمة الماضي وفق آليات وتصورات ومفاهيم الوقت الحالي، عند ذاك سنقع بالوهم والتفسير الخاطئ للحدث التاريخي بكل أبعاده مرتكزاً على المرجعيات التاريخية المختلفة.
فإذن دراسة التاريخ المقارن هو ليس إسقاط نتائج الماضي على معطيات الحاضر، بل دراسة الأسباب المؤدية ألى تلك النتائج سلباً كانت أم إيجابا، والوقوف عندها ملياً من حيث الاستدلال والاستنتاج والتحليل، المفضي إلى الفهم العميق للحدث التاريخي، والاستفادة في تأطير وقائع الحاضر واستشراف المستقبل. فالتاريخ بكل جزئياته هو حلقات في سلسلة واحدة عبر الأزمان المتعاقبة. سواء على صعيد الفعل التاريخي المحلي، أو القومي وحتى العالمي ولمجتمعات متعددة الثقافات واللغات والحضارات. والتي تتمظهر فيه شخصية الإنسان ثم المجتمع.
وعليه فان أ.د. هاشم الملاح يرى بان التاريخ المقارن هو احد المجالات البحثية الواعدة بوصفه علم يهتم بالظواهر العامة، وهو احد إشكال الكتابة التاريخية التي تستهدف دراسة التاريخ استناداً إلى مواضيع عامة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وهو في دراسته لهذه الظواهر أو أحداها يحرص على تتبع الحالة موضع الدراسة، على أوسع مدى ممكن من اجل المقارنة بين صورها وأوضاعها في شتى المجتمعات والأزمان.
قدم ا.د, عبد الواحد ذنون رؤية عن الصفات الأساسية للمؤرخ فكيف يمكن أن يلخصها لنا ا.د. ذنون الطائي؟
من خلال قراءاتي ومتابعاتي لانجازاته البحثية ومؤلفاته العلمية، وجدته في منهجه يؤكد، على أهمية الجد والمثابرة في البحث والعمل وحب المادة التاريخية مهما كانت الصعوبات والمشاق، التي تقف أمام الباحث في التاريخ، ويرى بان ندرة المصادر او غموض الوقائع الحقائق التاريخية، واختلاطها واضطرابها، لا يجوز ان تكون عائقاً أمام رغبته الجامحة في البحث عن الحقيقة. ويؤمن بأن على الباحث أن لا يستسلم لرواية محددة أو أحاديه التفسير بل على الباحث الشك ونقد النص ليصل إلى جل الحقيقة كما وقعت و يجب أن تتوافر للمؤرخ رؤية الشك والنقد، فلا يجوز له أن يقبل كل كلام أو يصدق كل رواية أو أي وثيقة أو مصدر دون درس وفحص واستقراء.
وعلى الباحث أيضاً أن لا يتبع هواه وينحاز لهذا أو ذاك الطرف المشارك بالحدث التاريخي وبذلك يفقد مهمته الأساسية كباحث في التاريخ وإلى ذلك يشير باحثنا ومن المزايا والصفات الأساسية للمؤرخ، عدم التحيز والتجرد، وهي مطلوبة في كل علم ومفروضة على كل باحث ولكنه يقدر صعوبة التجرد حينما يتعلق الأمر بالحضارة التي ينتسب إليها الباحث فيقول فليس من اليسر على المؤرخ أن يتجرد عندما ينظر إلى ماضي أمته ونصيبها من الحضارة وما حققته من إنجازات أو ما أصابها من وهن وإنتكاسات .
ويؤكد على أهمية أن يشعر المؤرخ بالمسؤولية ويتصف بالتواضع إزاء ما يقوم به من أعمال، وأن يبتعد عن حب الشهرة والظهور، وإلا يكتب من أجل الكسب والحصول على الألقاب والمناصب وأن يكون المؤرخ ذا عقل واع ومترتب ومنتظم، وأن يتصف بالترو وعدم مهاجمة الآخرين وتصيد أخطاءهم وأن يكون أسلوب الرد مبين لهم بالحقائق المنهجية والعلمية وهو يدعو إلى الاهتمام بالمخطوطات ويقول لا يخفى أن الكثير من كتب التراث بعيدة عن متناول الباحثين لصعوبة الوصول إليها، ولكونها ما تزال في عداد المخطوطات، ولهذا فإن الأمة أحوج ما تكون إلى نشر وتحقيق هذه الكنوز كلما وجد أبناؤها إلى ذلك سبيلاً .
نقطة الارتكاز
هل تعتبر الدراسة التاريخية صحيحة أذا لم يتوفر للمؤرخ المصادر والوثائق الأصلية وانعدام الدقة الزمنية والمكانية أيعد ذلك تزوير للتاريخ ؟
في حقيقة الأمر ان ابرز مستلزمات الكتابة التاريخية ومتابعة تفاصيل وتطورات الوقائع التاريخية بشكل عام سواءاً كان في التاريخ الإسلامي أم الحديث، فان حاجة المؤرخ تكون حساسة ونقطة الارتكاز في عمله هي الوثائق الأصلية المنشورة أو المخطوطة فضلاً عن المخطوطات وحتى الصحف في أطار التاريخ المعاصر، فتلك العناصر هي الوعاء الذي يحدد من خلاله أبعاد الفعل الإنساني، والتعبير عن تطور الوعي لدى الإنسان. والتفاعل المجتمعي في مفاصله المتعددة على صعيد الإعمال والأفكار والمشكلات والتطورات المتلاحقة.
فعندما نتحدث عن واقعة تاريخية لابد من وجود المكان الذي وقع فيه الحدث، والمكان هنا بكل تضاريس الأرض وبمختلف الأماكن والقارات، فالقاعدة تقول دوماً الجغرافية هي مسرح الإحداث التاريخية.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال معرفة أسباب الحدث دون توفر الزمان ووقت حدوث الفعل التاريخي للإنسان، أو فئة من المجتمع على صعيد الفرد أم العمل الجمعي، فالزمان هنا هو الإطار الذي يكمل الواقع التاريخي بما يطلق عليه الزمكان فكيف يمكننا استدلال هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة ألى المدينة، دون تحديد الزمان والى جانب المكان، وكذلك الإحداث الكبرى في المجتمعات الأوربية كالثورة الصناعية، أو تأسيس الدولة العراقية الحديثة أو ارخنة سنوات الانقلابات أو الثورات أو الكوارث الطبيعية أو البيئية.
وعليه فان الأمانة العلمية تحتم على الباحث في التاريخ، أن يلتزم بشروط الكتابة التاريخية من حيث تحديد الزمان والمكان ودراسة الأسباب والمسببات، وربط الجزئيات بعضها مع البعض الأخر، وصولاً للكليات ولفهم واسع لطبيعة الحدث التاريخي، وان يكون عامل الشك حاضراً أمامه بموجب نظرية ديكارت الشك أساس اليقين أي بالاعتماد على المنهج العلمي التحليلي وصولاً للحقائق التاريخية. وبدون ذلك فلا تاريخ بدون سنوات وإلا غدى أساطير وخرافات.
هل استطاع المؤرخون على مر العصور كتابة التاريخ السياسي بواقعية أم أن التاريخ السياسي يكتب دائما بوجهة نظر المنتصر؟
هذا الأمر يقودنا ألى إيضاح ما ذهب إليه المفكر الياباني فرانسيس فوكو ياما الذي اصدر كتابه نهاية التاريخ في أوائل تسعينيات القرن العشرين، والذي يؤكد على أهمية سيادة القطب الواحد بعد زوال قوة الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها القوة المنتصرة في صراعها المرير مع المعسكر الاشتراكي، ولعقود طويلة، وتمكنها من تأسيس فكرة العولمة وسعيها الحثيث لنشرها على الأصعدة المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقد اعتقد بأن القوة المنتصرة بان على الأخر تمثل الرضوخ والقبول بالنظام الجديد بكل تداعياته والالتزام بالتطبيقات الليبرالية والممارسات الديموقراطية، التي يتباها بها الأميركيون، فهم يجدون بان الليبرالية او الرأسمالية هي الخيار الأفضل لقيادة عالم خالٍ من الدكتاتوريات، ولكن التاريخ لدى فوكوياما لا ينتهي ببروز قوة المنتصر. والقوة الأوحد، بل هي إذان بنهاية الصراع الإيديولوجي، وهذه النظرة وذاك التفسير للوقائع التاريخية المتعاقبة، قد تتعارض مع طروحات صموئيل هنتكتون المؤرخ الصهيوني الأمريكي المعاصر له والذي كتب مقالة صراع الحضارات متزامناً مع صدور كتاب نهاية التاريخ بسنة واحدة 1993 والذي، يشير بان، الصراعات القديمة تبقى خامدة ولابد أن تستعر، وهو يرى بأن العالم يتكون من ثمان حضارات مهيئة للتصادم والصراع في قابل الأيام، والتي تقوم في أساسها على المعتقد الديني العقائدي، ويرى بأن تحالف الحضارات القديمة يشكل خطراً داهماً على أمريكا وأوربا، وبخاصة التحالف بين الحضارتين الإسلامية والصينية بوصفهما أقدم الحضارات، وقد روج لهذه الأفكار ووجدت آذاناً صاغية لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة وتعمل على هداها حتى الوقت الحاضر في تعاملهم مع المسلمين والعرب.
احذروا المستشرقين
هل يجب إغفال ما كتبه المستشرقين عن التاريخ الإسلامي لعدم توفر شروط الكاتب للتاريخ الإسلامي فيهم ؟
ليس بمقدورنا أن نعد كل كتابات المستشرقين موجهة ضد الحضارة العربية الإسلامية، في أطار تناول المستشرقون لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بدراساتهم ومؤلفاتهم، وعلى الرغم من الكتابات السوداء التي اتسمت بها نظرة جل المستشرقين الأجانب نحو تاريخنا العظيم وبشكل خاص، تاريخ السيرة النبوية وسعيهم الدؤوب للدس والافتراء والتقليل من شأن القادة العرب العظام ومسيرة الإسلام والفتوحات الإسلامية، والحضارة العربية الإسلامية على أنها نتاج لحضارات سابقة مثل الاغريقية والرومانية، وهذا افتراء محض.
غير أن ثمة كتاب مستشرقين لا يمكن تجاهل آراءهم وكتاباتهم وتحليلاتهم الموضوعية، واستنتاجاتهم العميقة والمنصفة التي اتسمت بالدقة ومن ابرز هؤلاء هاملتون جب، الذي يعد من ابرز المستشرقين الذين قدموا دراسات مستفيضة عن التاريخ الإسلامي بواقعية علمية وابرز كتبه المجتمع الإسلامي والغرب واعتمدت مصدراً مهماً لدراسة تاريخ الحضارات الإسلامية، وهناك غيره، مثل ليفي بروفنسال المستشرق الفرنسي المعروف الذي وفق إلى حد بعيد في دراسته تاريخ المسلمين في اسبانيا والذي أنصف المسلمون ودورهم الريادي والقيادي في الأندلس. وعلى الرغم من تركيزه على الصراع القبلي القائم بين البربر والعرب في عموم المغرب العربي. بل تمنى البعض منهم لو وصل العرب المسلمين إلى أوربا نفسها ليحدثوا فيها ما حدث في اسبانيا. فقد تمنى غوستاف لوبون، لو سيطر المسلمون على باريس لجعلوا منها مركزاً علمياً يشع بأنواره على عموم الدنيا. مع تأكيدنا هنا على أن حركة التاريخ حركة دائبة غير ساكنة، والحضارات المتعاقبة تتفاعل مع بعضها البعض في الأخذ والعطاء والتأثير والتأثر. فأوربا أخذت منا الكثير من المعارف والعلوم والمبتكرات وبالمقابل استفاد العرب فيما بعد من المدنية الأوربية وإفرازاتها على عموم المجتمعات.
وعلى أية حال فعلينا الحذر من كتابات المستشرقين ومحاولاتهم للافتراء على تاريخنا الإسلامي العظيم بعباراتهم المبطنة، وأساليبهم الكتابية الخادعة، التي تنطوي على فهم كامل لمعطيات المسيرة التاريخية، غير أنهم يلوون الحقائق كيفما يشاؤون خدمة لإغراضهم الاستشراقية المعروفة. فالذاكرة الغربية تعرف جيداً ان الشرق مصدر للحضارة والعلوم والثقافات والأديان.
يؤكد أ.د. ذنون الطائي على عدم تسييس الفعل التاريخي وادلجته ففي ذلك يجانب ويخالف الباحث ضميره في أيراد الوقائع التاريخية ويعمل على تشويهها بل عليه أن يمسك كل الإطراف المشاركة في صياغة الحدث التاريخي بكل دقة وأمانة ؟
إنني اؤمن بأهمية صياغة المشهد التاريخي وفق الظروف الزمكانية بالاعتماد على الوثائق المتاحة في التاريخ الحديث والمعاصر، دون الاستسلام والوقوع في أسر التفسير الأحادي للحدث التاريخي، ذلك أن للتاريخ عينان أولهما للسلطة وتعمل على تمجيد وتبرير أفعالها، وثانيهما للمؤرخ الحيادي الذي يسجل الإحداث التاريخية بنظرة حيادية وفق منظوره ومحيط عمله. وعليه فليس كل ما يكتب من كلا الطرفين يمثل حقيقة الحدث التاريخي بصيغته النهائية. ووفق هذه النظرة فان الضرورة والأمانة العلمية تحتم على المؤرخ إن ينوع في استقرائه للمشهد التاريخي وفق تعدد المصادر لتكتمل لديه صورة الواقعة التاريخية بكل شخوصها وظروفها وأسبابها.
وأدعو المؤرخ الباحث في التاريخ أن لا يكون طرفاً سلبياً أو ناقلاً للحدث فقط، بل أن يركن إلى استخدام معطيات الحدث التاريخي، وهنا يكمن دوره في التفسير والتعليل والتحليل والاستنتاج، وبذلك يكون قد أدى دوره العلمي على أن لا يتسربل الهوى إلى نفسه فيميل ميلاً إلى هذا الطرف أو ذاك من أطراف تشكيل الفعل التاريخي، وبذلك يفقد حياديته المرجوة وأمانته في نقل وتشكيل الواقعة وفق شروطها. ومن الأهمية الإمساك برقبة الإحداث الماضية وفق الرؤية المستندة إلى العمق المعرفي والإحاطة التامة بكل المعطيات التاريخية. لان عمل الباحث في التاريخ ينطوي على إيصال الحقائق بكل أمانة إلى الجيل الأخر البعيد عن الحدث.
وعلى الباحث في التاريخ أن لا ينطلق وفق رؤى مسبقة في التفسير التاريخي فيقع في الخطأ الفادح في التفسير والاستنتاج ويغمط ربما حق رموز المساهمين بصياغة الفعل التاريخي في حينه.
وأؤكد على عدم تسييس الفعل التاريخي وادلجته، ففي ذلك يجانب ويخالف الباحث ضميره في إيراد الوقائع التاريخية، ويعمل على تشويهها بل عليه أن يمسك كل الأطراف المشاركة في صياغة الحدث التاريخي بكل دقة وأمانة.
كما أؤمن ان في بطون تاريخ العراق والموصل الحديث والمعاصر بشكل خاص، كنوزاً من المواقف والصفات المجيدة بحاجة إلى البحث والتنقيب والتحري، وتسليط مزيداً من الضوء على المواقف الرائدة ومنها بطولية وشجاعة، فضلاً عن الآراء والاتجاهات الفكرية المتعددة الداعية إلى النهوض والإصلاح.
وفيما يتعلق بكتابة تاريخ العراق المعاصر، أرى أن العراق قد شهد خلال تاريخه المعاصر، أحداثا سياسية وتحولات اقتصادية واجتماعية هامة، كان من ابرز مظاهرها بناء المؤسسات الحكومية، وسن القوانين والتشريعات الحكومية، والسعي لإرساء دعائم تجربة برلمانية وحزبية، وتلمس الحياة الديموقراطية، بالانتخابات الشعبية، منذ تأسيس الحكم الوطني سنة 1921. وكيان الدولة العراقية العتيدة، من خلال رجالاتها التكنوقراط في مجال الإدارة العسكرية والمدنية والقضاء والصناعة والزراعة، مع بروز فئات عريضة من المبدعين في الأدب والفنون وتفرعاتهما المعروفة، إنها إرهاصات وجلبة بناء الدولة العراقية المدنية، والصراع المحتدم بين أصحاب العرش العراقي، والحركة الوطنية من جهة، والوجود البريطاني وما يمثله من املاءات على أصحاب القرار السياسي من جهة أخرى.
وكان نتاج ذلك تجارب عديدة ومتنوعة على صعيد البناء الداخلي والعلاقات العربية والإقليمية والدولية، بتشابكاتها وتعقيدات المصالح المتداخلة لما هو وطني أو قومي أو دولي، استمرت حتى بعد إنهاء حقبة العهد الملكي، وما تلاه من العهد الجمهوري بتطوراته السياسية المتلاحقة، وبروز دور الجيش العراقي بضباطه في انغماسهم في السياسة منذ سنة 1936 و 1958 و 1959..
إن هذه الصفحات العراقية ذات التنوع الأخاذ في آثارها على التحولات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية والديموغرافية، وصعود فئات وهبوط أخرى. قد رسمت ملامح المشهد العراقي الوطني خلال العهدين الملكي والجمهوري.
وهنا كان لابد مّن يؤرخ كل تلك التطورات المتلاحقة بتشظيها، فظهرت فئات ممن أحبوا الكتابة التاريخية منهم ما أطلق عليهم بالهواة وقد كتبوا بموضوعية كونهم عاصروا الإحداث، وفي طليعتهم المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني وهو حجر الزاوية لمؤرخي تاريخ العراق المعاصر ، وسواه، وآخرين كتبوا للسلطة بما يبرر أفعالها ويلتمس لها العذر، وغيرهم جامل على حساب الحقائق الموضوعية والوقائع المعروفة. وفئة مؤدلجة في معاملتها مع الكتابة التاريخية، وأخرى اشتركت بالعمل السياسي وكتبت بموضوعية كما هو الحال مع الدكتور عبد الرحمن البزاز، وكتاب عسكريون وآخرون يساريون وتقدميون وليبراليون، وجاءت كتابات البعض متسرعة في أحكامها متشنجة في طروحاتها.
وتبقى فئة المؤرخين الأكاديميين الذين اعتمدوا في كتاباتهم على أدق الوثائق والحقائق واعتمادهم النهج العلمي في التحليل والاستنباط والاستنتاج، هم مّن تصدوا فيما بعد لارخنة، كل التطورات المتلاحقة في إفرازاتها المتعددة، وأصدروا أحكامهم على الإحداث وشخوصه بموضوعية، خلال فترة التاريخ المعاصر منذ تأسيس الدولة العراقية والفترات اللاحقة في العهدين الملكي والجمهوري.
AZP09
























