ذكرياتي -9-
من هنا بدأت أعظم قصة حب في حياتي
عبدالرزاق عبد الواحد
في الصف الرابع الادبي (أ) كان رشيد ياسين ، ونزار الملائكة ـ أخو الشاعرة نازك الملائكة ـ بالمناسبة نحن كان استاذنا في اللغة العربية الاستاذ صادق الملائكة ، والدها ، كان رشيد يصدر نشرة المدرسة الجدارية . يقوم فيها بجهده لوحده رسماً وخطاً وتصميماً واختياراً للمواضيع وكتابتها أحياناً !. أما نزار الملائكة فكان وهو في الصف الرابع الأدبي يتقن ست لغات كلاماً وكتابة منها اللغة اللاتينية ! أنا في قسم اللغة العربية، ونزار في قسم اللغة الانكليزية ، وأكرم فهمي في كلية الشرطة وأصبح واحداً من مشاهيرها !.. أما رشيد فلم يدخل في أي كلية لضعف معدله ولهذا سافر ألى البصرة وعمل فيها معلماً ، وهناك تورط بحب ٍّ عجيب !.
ربما سأكرر بعض ماكتبته .. لابأس .. لكي تأخذ كتابتي تسلسلها الزمني سأفعل .أول من استقبلني في دار المعلمين العالية ابنة خالي لميعة عباس عمارة ، وقدمتني إلى الشاعر بدر شاكر السياب الذي احتفى بي حفاوةً بالغة ، فكان استقباله لي من قبيل :
وأقسم أني لو أرى نسباً لها
ذئاب الفلا حُبَّتْ إليَّ ذئابها !
أفضل مافي هذا الأستقبال أن بدراً ، وقد اخترت مكاني إلى جانبه في القسم الداخلي ، أخذني معه ذات يوم ليعّرفني بشعراء الطليعة من أصدقائه ، وكانوا رشيد ياسين وبلند الحيدري وأكرم الوتري ، وكان يلازمهم دائما الأستاذ جبرا ابراهيم جبرا العائد حديثاً من جامعة كمبرج … وسبق أن ذكرت كيف أنتبهت على بدر وهو يدخل رأسه في الخزانة ليضع له شارباً بقلم الفحم !
أحببت فيك عشراً ماأحّبوني !!
رحم الله بدراً . كانت تجلس معه الفتاة التي يعبدها ، وقد أشرفت هي على صنع تمثاله بعد موته ، كانا يجلسان على مسطبة في حديقة دار المعلمين العالية .. تعطيه ظهرها وهو يقرأ لها الشعر في حّبها !. حتى أن صديقاتها لُمنَها على ذلك ، قالت لاأستطيع النظر إليه ! كان بدر ـ مع الإعتذار لشاعريته العظيمة ـ دميماً حدَّ اللعنة !…نحيفاً حَّد أن لاشيء يفصل بين جلده وعظمه ! يوماً ما ، في إحدى التظاهرات في ساحة القشلة ، صعد فوق سطح سيارةٍ صالون وأنشد :
بسمة النور في ثغور الجراحِ
أنتِ قبلَ الصباح ، نجم الصباحِ
كلَّما لُحتِ في خيالِ الطواغيتِ
وألهبتِ حرقة السَّفاحِ
ذابُ قيدٌ على اللظى وتراختْ
قَّبضاتٌ على طعام الشلاحِ !
لحظتها خفت على بدر أن ينزلق من سطح السيارة فأمسكته من ساقيه … ياألله كانت يدي وهي صغيرة ، تلتقي أصابعها حول ساقه وبنطلونه معاً!!
أول تكريم لي في دار المعلمين العالية أن الدكتور عبد الستار الجواري ، وكان أستاذنا في النحو ، قد سمع قصيدةً لي كنت طالباً في الصفّ الأول ، وكانت الساعة العاشرة من كّل يوم خميس ساعة نشاط لاصفّي في الدار فطلب مني الدكتور الجواري أن ألقي القصيدة ، وأن يلقي هو بحثاً نقدياً عنها :
أترى الحياة كما أراها
قضَّت مضاجعها رؤاها
للنوم والأجفان معتركٌ
فتُصَرع مقلتاها
حتى تنام، فتملأ الأش
باح ثانيةً كراها
…
أنظر إلدنيا … إلى
غدها … إلى مرقى عُلاها
أنظر إليها لاخلا
ل وخابها بل في سناها
ياإخوتي لاتيأسوا
هي خطوةٌ او خطوتان
ويبلغi العاني مداها!
………………….
بالمناسبة أنا أكتب الأن هذه الذكريات لأنني أبقى مستيقظاً حتى الصباح بسبب وعكة الدماغ التي ألمّت بي فصرت لاأستطيع النوم.قد يكون ماسأكتبه معاداً في حديثٍ سابق . ولكن السياق الزمني لكتابتي الأن يقتضيني أن أعيده.
في دار المعلمين العالية شغفت بفتاةٍ في الصف الثاني من قسم اللغة العربية إسمها ناهدة أسعد القاسم ، وكان حبي لها أعظم حبًّ وأنقى حبًّ في حياتي كنت أدخل إلى النادي خلف السدّة لمجرّد أن أراقبها … وأحسّت هي بذلك فصارت تضحك صديقاتها وهنّ يتغامزن عليَّ !وصار مهرجان دار المعلمين العالية الشعري . شاركت أنا بقصيدةٍ عنوانها (السّاري) وكنت في الصف الثاني وشاركت لميعة بقصيدة عنوانها (التائهة) وهي طالبة في الصف الثالث. كان الوزير الشيخ محمد رضا الشبيبي حاضراً عندما انتهى الطلاب من قراءة قصائدهم قررت اللجنة أن أكون أنا الفائز الأول ، ولكن الشيخ الشبيبي قال :(لا… لميعة هي الفائزة الأولى) … ولم يستطيعوا مخالفته !في اليوم التالي كانت قصيدتانا مكتوبتين على جميع سبورات الصفوف ، وكلَّما دخل أحد أعضاء اللجنة من الأساتذة كانت تثور عليه ثائرة الطلاب !.كان من الحاضرين في المهرجان الشيخ الخاقاني صاحب مجلة (البيان) النجفية … أخذ القصيدتين ونشرهما في مجلّته واستفتى جميع الأدباء العرب في نتيجة التحكيم فكانت النتيجة أن حصلت أنا على 147 صوتاً وحصلت لميعة على 63 صوتاً !.كنت في الصباح الذي أعقب يوم المهرجان ذاهباً مع بعض الأصدقاء إلى مقهى عرب ، وكنا عائدين في نهاية الدوام إلى الكلية . بالمناسبة … ناهدة لم تكن قد حضرت المهرجان ، ولكنها سمعت الضجّة التي ثارت حوله … ولم تعرف من هو عبد الرزاق عبد الواحد الذي ثار حوله كل ذلك الجّدل .
كانت تنتظر قرب باص الكلّية الذي ينقلهم كل يوم إلى الأعظمية حين كنت عائداً إلى الكلية من مقهى عرب الذي كنت فيه مع بعض أصدقائي ، فأشارت اللواتي كنّ سيركبن معها في الباص إليّ.. هذا عبد الرزاق ..فجأةً انتبهت إلى ناهدة وهي تتراجع وتتكّيء على الحائط وهي تنظر ذاهلةً إليّ .. وسمعتها تقول لصديقتها :(عواطف :أخذي كتبي وياج لبيتنه وقولي لأهلي تأخَرتْ لأن عندها درس إضافي) ، ثم ركضت خلفي إلى النادي خلف السدّة . من هنا بدأت أعظم قصة حبًّ في حياتي !كانت ناهدة أجمل فتاة في دار المعلمين العالية .. كل العيون تلاحقها حتى عيون بعض أساتذتها فقد روت لي يوماً أن مدرس اللغة الفرنسية وضع يده على يدها في الصف وهي تكتب !.. وأوشكت أن أذهب لأهينه لولا أن هدّدتني بأنها ستترك الكلية إذا أنا فعلت هذا.يوما ما قرعت باب الصف الثاني لغة عربية الذي هي فيه وكان لديهم درسً في اللغة الأنكليزية ، وكان مدرسّهم فيها انكليزياً .. كلمَّا صادفنا معاً يقول لي : (هَي.. يوأند يور براون كَرل ) (أنت وفتاتك السمراء).























