مفكر ماركسي لاينسى خصوصيته القومية
محطات في المنظومة الفكرية لكغرامشي
نجاح هادي كبه
ولد المفكر الايطالي انطونيو غرامشي عام 1891 م في بلدة آليس Alesالصغيرة في سردينيا ، نشأ غرامشي في عائلة فقيرة لكن لأم متعلمة في وقت كانت ايطاليا تزخر بالأميين ، وزيادة على فقر عائلته كان عليلا ، لكن غرامشي كان موهوبا ، وكان لأساتذة جامعة تورين تأثير كبير فيه في اثناء دراسته فيها .
، وغرامشي لينيني – وهو اول لينيني ايطالي على حد قول صديقه تولياتي Togliatti nوغرامشي مؤسس الحزب العمالي اللينيني في ايطاليا “P.C.L” اودعه الفاشستيون السجن لكن على الرغم من اعتلال صحته وندرة المصادر التي تصل اليه في السجن فانه كتب ” دفاتر السجن” مبينا وجهة نظره حول النظرية الماركسية مع ايمانه بها ، وطرح مسائل تتعلق بقضايا المجتمع المدني ودور النقابات والمدارس في المجتمع وعلاقة البنية التحتية بالبنية الفوقية والفرق بين النظري والعملي وضرورة اكساب الواقعي النواحي الوجدانية والى غرامشي يعود مصطلح ” المثقف العضوي ” الذي هو على الضد من مصطلح ” المثقف التقليدي ” او ” المهمش ” الذي يقع عليه دور تذويب الفوارق بين طبقات المجتمع جميعها .
رأى غرامشي ان الماركسية ليست مذهبية او ما اصطلح عليه تجوزا ارثوذوكسية ” أي صاحبة رأي صلد وحتمي لكنها في رأيه عفوية لان ماركس نفسه لم يجعل الماركسية مشخصة كما يرى غرامشي فالتعريف المألوف للماركسية يرفضه غرامشي بوصفها المادية الجدلية فيقترح تعريفا آخر للفلسفة الماركسية هو ” التاريخية المطلقة ” وأيضا ” فلسفة البراكسيس ” الممارسة ” . فالفلسفة الماركسية هي نظرية والنظرية قابلة للتطور والصيرورة فهي عنده مجرد نظرية في التاريخ والسياسة وهي علم اجتماعي وضعي وبذلك تكون غير موجودة صراحة لكنها ضمنية وهي بذلك تحتاج الى تطور وتحسين باستمرار مادام ان الفلسفة في عملية نمو مستمرة واكتشاف جديد فالفلسفة هي المعرفة وهي التاريخ لكن غرامشي يؤكد أصالة الفلسفة الماركسية كنظرية وهي غير مقتبسة من الفلسفات الاخرى أي بعبارة اخرى انها ليست تجمعية لتيارات حاضرة او ماضية متباينة ، والنقطة الاساسية عند غرامشي ان الفلسفة الماركسية ليست نظرية اقتصادية محض او يوصفها من نوع مصالح ” يهودي قذر” او ربوي لان هذه الطريقة لاتأخذ بالحسبان التكوينات الاقتصادية الطبقية بما فيها من جزئيات داخلية تتضافر لبناء البنية الكلية للمجتمع حينئذ تكون الماركسية غير مصلحية ، وبناء على ذلك فان غرامشي طرح فكرة ” المثقف العضوي ” الذي هو بالضرورة نقيض ” للمثقف التقليدي ” او ” المهمش ” ، وطالب بمنح حرية فكرية لشرائح المجتمع المدني كمجالس العمال والمدارس وما الى ذلك حتى لاتكون الدولة منظومة بوليسية تسّير الافراد بارادتها اذ تخضع البنية التحتية للبنية الفوقية بالقوة والعنف فحين تنتشر الثقافة في صفوف المجتمع تجعله يستوعب نظرية الحكم اذ تنطلق ارادته فيتطور تفكيره لصالح المركز لذلك وصف نظام حكم ستالين انه قيصري تقدمي ، وفلسفة غرامشي نابعة من ان الانسان كائن يتفاعل مع ظروفه الانية التي تواجهه في المجتمع وان هناك مستجدات لايمكن فيها تطبيق النظرية الماركسية تاريخية بل كعفوية حين يأخذ ” المثقف العضوي دوره في العمل والبناء حتى لاتكون البنية التحتية مسخرة لآراء المركز فقط وبذلك فان غرامشي رفض كتلة الدولة المفصَّلَة على البنية التحتية وأعطى دورا للجماعة الاجتماعية التي تخلق في ممارساتها شريحة أو أكثر من المثقفين التي تمنحها انسجاما داخليا ووعيا بوظيفتها ليس في المجال الاقتصادي فحسب وإنما في المجال الاجتماعي والسياسي ، فغرامشي رأى ان من المتعذر معرفة البنية في كل موقف سكوني كصورة فوتوغرافية آنية لان السياسة يجب ان تكون انعكاسا لدينامية نمو البنية ويضرب غرامشي مثالا ” ان فعلا معينا يمكن ان يكون ناشئا عن خطأ في الحساب عند ذوي الامر في الطبقات الحاكمة ، وهو خطأ يصححه ويتخطاه التطور التاريخي ، عبر ” ألازمات ” والبرلمانية لحكم هذه الطبقات : في حين ان المادية التاريخية الآلية لاتعير لمكان الخطأ شأنا ، بل ” تعد ” كل فعل سياسي تقوم به محددا في البنية بل انعكاسا لتبدل حقيقي ودائم ” أي مكتسب ” في البنية ، ان مبدأ ” الخطأ ” معقد : فقد يكون اندفاعه فردية ناجمة عن خطأ حسابي ، او عن محاولات قامت بها زمر او زميرات غايتها الاستيلاء على الزعامة ” .
لذلك أكد غرامشي إيجاد الشروط الموضوعية والواقعية لدراسة واقع المجتمع لامكانية تحقيق المرامي المطلوبة ، فأفكار غرامشي نابعة من فهمه ان الفلسفة هي المعرفة وهي التاريخ وانهما في تجدد وتبدل وتطور وتحسين وأكد غرامشي ان الفكرة العضوية والمتانة الثقافية لاتتحققان الا بالوحدة والانسجام بين أصحاب الفكر والبسطاء من الناس بشرط ان يكون أصحاب الفكر مثقفين عضويين ينشرون الوعي بين الجماهير وذلك بدورهم الفاعل باستيعاب ماتثيره الجماهير من نشاط عملي ومن ثم تكون لهم القدرة على تاسيس كتلة ثقافية اجتماعية ، فغرامشي ينظر الى دور المثقف العضوي في اقامة التجانس داخل طبقات المجتمع ولايعد المثقفين كتلة موحدة وانما هم منتشرون في كل الاوساط المجتمعية المختلفة ودورهم يقوم على التقليل من الفروق النسبية بين البنية الفوقية والتحتية في الحزب والذي يقوم بذلك المثقف العضوي او الانسان المجتمعي فكل عمل لابد فيه من بلوغ وحدة ثقافية اجتماعية تجعل عددا كبيرا من الارادات المبعثرة اللامتجانسة الأهداف تستطيع تحقيق مراميها المطلوبة على اساس تصور عام وخاص للعالم عن طريق النواحي الوجدانية ” بواسطة الانفعال ” او الدائمة فتجعل الإنسان متماهيا مع القاعدة الثقافية بحب وهوي تلقائيا ، فالمثقف العضوي يجعل العلاقة متبادلة الأدوار في المجتمع فيصبح المعلم تلميذا والتلميذ معلما والقائد جندياً والجندي قائداً ، فهذا التجانس في صحة الفكر يحول المجتمع الى ارادة واحدة لاتشوبه الطبقية فالطبقية في نظر غرامشي موجودة في قطاعات المجتمع كافة وتذويب هذه الطبقية سياسيا واجتماعيا وثقافيا وليس اقتصاديا فحسب ، ويقع ذلك على عاتق حملة أصحاب الفكر المتخصصين مع الحسبان ان ذلك التجانس بين أفراد المجتمع قد يشوبه التقدم او التقهقر ولكن المهم هو الوصول الى النجاح في خلق الإنسان المثقف العضوي وغير التقليدي او المهمش او الآلي فيكون دوره فاعلا في حركة التغيير والتطور وذلك يتحقق بالابتعاد عن الجدل التاريخي النظري عن طريق المعرفة والا يفقد المثقف الاتصال الوجداني بالشعب ومتما فقد هذا الاتصال انفصلت علاقة الفكر بالشعب nالامة وتتحول تلك العلاقة الى مجرد علاقات بيروقراطيةnصورية يتحول اهل الفكر الى طبقة مستقلة او كطائفة من الكهنة يطلق عليها اسم المركزية العضوية ، وعند غرامشي فان النواحي الواقعية لاتتعارض مع النواحي الوجدانية بل هي مكملة لدورها في بناء المجتمع في الافادة من الماضي لبناء الحاضر اذ تتفاعل الثقافة الاصلية المبتكرة مع الثقافة التي اكتشفت لغة معيارية من قبل . وغرامش لاينسى خصوصيته القومية الايطالية ويرى ان في اللغة والادب طريقا لبناء المثقف العضوي وقد نظر غرامشي الى تفاوت اللهجات المحلية كعوق في نشر الثقافة في أوساط المجتمع الايطالي وان ذلك يحدث خللا في التطور التاريخي وكان يطمح الى لغة معيارية في المجتمع الايطالي لانه ادرك ان اللغة والأدب وسيلة للقضاء على الحروب الثقافية وتوحيد المجتمع فالتقدم يشوشه وجود رواسب بدائية من اللهجات لذلك رأى في المحلية خطر يجب تجاوزه ، وموقف غرامشي هذا يتعارض مع موقف فردينان دي سوسور الذي رأى اللغة المحلية لغة طبيعية وكذلك مع الرأي السائد اليوم بامكانية معايشة العامية مع اللغة المعيارية وفي الوقت نفسه رحب غرامشي بالعلاقات الادبية مع شعوب من خارج ايطاليا لانه يعتقد بضرورة تخصيب الفكر وتلقيحه بعيدا عن الهوية المتزمته ” ولكن غرامشي تبنى موقفا معاديا من لغة عالمية لانه كان يرى ان شروطها التاريخية غير واردة وان لغة ” الاسبرانتو ” ليست دعوة أممية وانما تشكيل اصطناعي لايرتكز على تفاعل اجتماعي” ، ولابد من الإشارة الى ان لغة الاسبرانتو هي محاولة للتوفيق والجمع بين لغات عالمية لتكوين لغة عالمية موحدة ولكنها فشلت لاصطدامها بالهوية القومية للشعوب ولابد من الاشارة أيضا الى ان ماركسيين آخرين نقدوا الماركسية التاريخية الحتمية امثال روجبه عارودي الذي نقد التيسير الذاتي في الماركسية التاريخية الحتمية وماركوز الذي دعا الى احتضان شريحة الطلبة . اما المدرسة السريالية فعلى الرغم من ايمانها باللاوعي في ضوء نظرية فرويد الا انها حاولت ان تفيد من الماركسية قريبا من افكار غرامشي وتخالفها في الوقت نفسه فاما افادتها من الماركسية فهي تؤمن بالتناقض ولكن التناقض بين الوعي واللاوعي وتحاول ان توحد بينهما للوصول من الواقع الى مافوق الواقع الذي دعت اليه الماركسية واما مخالفتها للماركسية فهي تتفق مع غرامشي بايمانها بالحلم والحب والحرية وان ديالكتيكها ليس ميكانيكيا لان الماركسية في نظرها ارادت قلب العالم من دون حساب لهذه الاتجاهات .
المصادر :
1- استطلاعات شخصية .
2- تكسية ، جاك ، غرامشي دراسة ومختارات ، ترجمة : ميخائيل ابراهيم مخول ، دمشق ، 1972 ، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي .
3- سميث ، جيوفري نويل وكينتين هور ، ندوة القاهرة ، مجموعة من الباحثين ترجمة : فاضل جتكز ، ط:1 ، 1991م .
























