الآلة والأداة بين الرصافي والرشودي إنتباه مبكر لحاجة العربية إلى المصطلحات الحديثة بغداد- الزمان جمع كتاب (الالة والاداة) بين معروف الرصافي وبين عبد الامير الرشودي، فهو من تاليف الشاعر معروف الرصافي وتحقيق وتعليق عبد الحميد الرشودي، والكتاب ليس سيرة ذاتية، وليس توثيقا لتجربة اجتماعية او سياسية او ثقافية وانما هو كتاب لغة، ولكنه مع ذلك يمكن ان يقدم لنا ما يقع ضمن التجارب فالمؤلف الرصافي بادر الى تاليف هذا الكتاب انتصارا للغة العربية التي اتهمت بالعجز، لانها غير قادرة على رفد المخترعات والمستجدات العلمية الحديثة بالتسميات المناسبة لها، ولانها حسب اراء البعض لا تستطيع ان تجاري لغة من لغات الامم الراقية. وهذه المبادرة التي يقدمها الشاعر معروف الرصافي مفيدة ومهمة لانها لم تنظر الى هذا العجز على انه صفة لازمة للغة العربية، وانما لان اللغة تابعة في اطوارها الى اطوار اهلها المتكلمين بها، فاذا كان اهلها قد ارتقوا في العلوم الفنون كانت لغتهم بالضرورة مشتملة على مصطلحات تلك العلوم، واذا كان اهلها راقين في الصنائع كانت لغتهم مشتملة على كل ما يتعلق بتلك الصنائع من الكلمات. ومع ان اهل اللغة العربية في وضع مختلف ومتدهور الا ان الرصافي استطاع ان يرجع الى موروثها، وان يقدم من خلاله، ومن خلال حاضرها معجما يضم الكثير من المصطلحات والكلمات التي يصلح بعضها للمخترعات والمستجدات الحديثة، دالا بذلك على ان اللغة العربية تظل محافظة على قدراتها وحيويتها، ومنفتحة على كل من يستطيع تفجير واطلاق هذه القدرات، وقد مضى على اللغة العربية زمان كانت فيه سيدة اللغات، اذ كان اهلها سادة الناس وقادتهم الى المعالي، وكانت بيدهم ازمة النهضة الاسلامية وكان الملك ملكهم، الحكم حكمهم، حيث قاموا باعباء تلك النهضة ، ففتحوا البلاد، ووطدوا المهاجر، فاندمج فيهم خــــلق كثير من الامم الاخــــرى، فانتحلوا نحلتهم، او تكلموا لغتهم وتقمصوا جنسيتهم ولم ينتحلوا نحلتهم، فاتسع بذلك نطاق الافكار وراجت العلوم وكثرت الصنائع، وتوفرت اسباب الحضارة والعمران وكان ذلك من اسباب ارتقاء لغتهم ايضا حتى اصبحت في ذلك العهد من اغنى لغات البشــــر واغزرها مادة، فكان يلجأ اليها في بيانه كل كاتب وشاعر، ويعول عليها فيما يصنعه كل عــــــــالم متبحر، ويفزع اليها فيما يدعــــــيه كل فيلسوف متفكر. وهذا الراي الذي يقدمه الرصافي بعكس عمق وقوة ثقته بالعربية معززا ذلك بتقديم معجم يضم المفردات والمصطلحات التي تطلق على الادوات وما يتبعها من الملابس والمرافق والهنات. ونحتاج في هذه الايام التي مازالت تعاني من اتهامات العربية بالعجز عن مجاراة العلوم والفنون الى شخصيات ومؤسسات لها موقف الرصافي من اللغة العربية ولها مبادرته في مواجهة ما تواجه اللغة العربية من تحديات وثقافة في اللغة ايضاً. اذ ان الرصافي في انجازه هذا الكتاب لم ينجز بحثا عاديا، وانما عبر في انجازه عن شعوره بمسؤوليته الكبيرة تجاه ما تواجهه العربية من اتهامات وتحديات ولاسيما انه كان قد تنبه الى هذا الكتاب وضرورته واهميته في وقت مبكر، وقد يكون رائداً في هذا المجال رغم وجود مؤسسات عربية معنية بوضع التسميات المناسبة للاختراعات والمستجدات العلمية. المحقق والكتاب واذ ناتي الى محقق الكتاب الاديب الباحث عبد الحميد الرشودي فانه رغم ادراكه لمكانة الرصافي واهمية كتابه (الالة والاداة) وما يتبعهما من الملابس والمرافق والهنات فانه لا يجامل ولا يخرج الموضوع عن اطاره، كما انه يضع هذا الكتاب في اطار ما عرف العرب من معاجم، فهم (عرفوا التاليف المعجمي المتخصص منذ عهد مبكر، فظهرت جمهرة من الكتب والرسائل ذوات الموضوع الواحد حتى شملت النبات والكرم والنخل والانواء والامطار والرياح والازمنة والامكنة والحشرات والوحوش والطير والابل والشاه والنخيل الى غير ذلك من الموضوعات التي وصل الينا منها القليل وضاع الكثير وقد تلا هذا النمط من التاليف المعجمي نمط ثان هو معجمات المعاني مثل كتاب (الالفاظ لابن السكيت 186 n 244) والالفاظ الكتابية للهمذاني (ت 327 هـ) ومبادئ اللغة للاسكافي (321) وفقه اللغة وسحر البلاغة وسر البراعة للثعالبي 250 439 هـ) والمخصص لابن صيدة 45 هـ). ويذكر الاديب والباحث عبد الامير الرشودي ظهور نمط ثالث من المعجمات العامة الشاملة الرامية الى شرح معاني الالفاظ معززة بالشواهد مثل معجم (العين) للخليل بن احمد الفراهيدي وظهور المعجمات العامة، كما يذكر طائفة من المعجمات التي تزامنت مع النهضة كمعجم محيط المحيط، ومعجم اقرب الموارد في فصح العربية والشواهد لسعيد الخوري الشرتوني اللبناني والمنجد للويس معلوف، والبستان لعبد الله البستاني، ومعجم الطالب في المالوف من متن العربية الاصطلاحات العلمية والعصرية لجرجيس همام الشويري والمعتمد لجرجي شاهين والمساعد للاب انستانس ماري الكرملي ومعجم اللغة العربية في القاهرة. ومع ان المحقق لم يتطرق الى المعلجمات التي حاولت ابراز مواكبة العربية للتطورات العلمية الحديثة، الا انه يذكر ان المحقق الحجة محمد بهجت الاثري كان قد انجز بحثا بعنوان (الالة والاداة) كما يذكر ان كتاب (الالة والاداة) يعد اهم ما كتب الرصافي في حقل اللغة، كما يذكر له اعتماده على معجم سعيد الخوري اللبناني وتكراره كلمات في اكثر من موضع، ومعاجلة الالفاظ العامية الى جانب الالفاظ الفصاح، وذلك حسب رأيه (ليس بدعا في التاليف المعجمي فقد نحا هذا النحو السيد مرتضى الزبيدي في تاج العروس فاضاف طائفة من الفاظ العامية المصرية الى معجمه). وقال ان كان ثمة ما يؤاخذ عليه المؤلف في هذه السبيل فهو انه جنح بالفاظ العامية الى الفصحى، ولم يحكها عنها مما قد يبعدها عن المعاني التي وضعت لها في الاساس فكلام العامة يجب ان يورد كما تنطقه السنتهم وان كان محلونا او معدولا عن جهته، او مصروفا عن حقه وان اعراب كلامهم معيب كما يعيب اللحن كلام البلغاء والانبياء على السواء، وهو ما ذهب اليه الجاحظ وقرره في كتابه (البيان والتبيين) وثمة ملاحظة اخرى على رسم المؤلف هي انه لا يحقق الهمزة الوسطى، بل يسهلها فيكتب (فاس، راس، كاس) كما انه يقارب بين رسمي الغين والفاء عندما يتوسطان الكلمة، وقد جانب الصواب في رسم بعض الالفاظ فقمنا بتصحيحها في مضانها واشرنا الى صورة الاصل في الهوامش للامانة وابراءاً للذمة). وعلى اساس ذلك فان الرشودي لم يتعامل مع كتاب (الالة والاداة) على انه كتاب شاعر وليس عالما لغويا، او انه من المنجزات الاولى في هذا المضمار، وانما لانه معجم يقف الى جانب المعجمات الاخرى، وينبغي ان يكون متوفرا على افضل الخصائص، وان يكون محفزا على تاليف معجمات اخرى، من شأنه تحفيز وتفعيل مواكبـــــــــة اللغة العربية للعلوم والفنون والتطورات الحديثة. وقد جاء تعليق وتحقيق الرشدوي للكتاب معززا من اهميته وفوائده، ومن علاقته بالمعجمات الاخرى واستفادته منها، اذ احتوت الهوامش على الكثير من التعليقات والمعلومات، وكانت مهمة وضرورية في التعريف على معاني ودلالات المفردات.
























