فضاء الشيوعية وهواء الصندوق

فضاء الشيوعية وهواء الصندوق

4-4

أنحني إعتزازاً لشهداء بشتاشان الذين هم مصدر عزّ ولكن كان إلى جانبهم جبناء ومتخاذلون

عبد الحسين شعبان

بيروت

أثار كتاب عامر عبدالله ” النار ومرارة الأمل- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية” اهتماماً كبيراً وجدلاً واسعاً لدى أوساط مختلفة، احتفت بصدوره، بل أن بعضها كتب خواطر عن عامر عبدالله لمناسبة صدور الكتاب ومن وحيه، حتى قبل أن يصدر وذلك لمجرد الإعلان عنه، وخصوصاً بعد حوار الصحافي زيد الحلّي معي عند زيارتي الأخيرة إلى بغداد وعشيّة صدور الكتاب الذي كان قيد الطبع.

تتطرق المذكرة إلى عقلية وإجراءات ” التمييز القومي” داخل الحزب وتقلّص ” دور القادة والعناصر العربية تدريجياً” وتعتبر ذلك ظاهرة مستمرة وبلغت ذروتها في المؤتمر الرابع وما بعده. وتدعو الرسالة إلى تعديل موقف الحزب من الحرب العراقية – الإيرانية، التي ” اتخذت طابعاً عدوانياً توسعياً من جانب إيران”.

وتنقل الرسالة ما قاله الرفيق عزيز محمد ” إننا اجتمعنا لكي بلغي نصفنا النصف الآخر” وتصف الإجراءات تلك بالإنقلاب الفوقي، حيث جرت التهيئة له بحملات الدس والإساءة ضد عدد كبير من الرفاق القياديين داخل منظمات الحزب والصحافة والخليج وقبرص وغيرهما قبل ثلاث شهور من عقد المؤتمر، بوسائل تبعث على الارتياب حيث تسلل إليها هذا التأليب المغرض …وطالبت الرسالة “وضع حد لأساليب التجسس والوشاية والتأليب داخل الحزب والتطاول على الشرعية الحزبية وانتهاك قواعد النظام الداخلي وتصفية مظاهر التسلط والبيروقراطية والقيادة الفردية”.

واتخذت مذكرة أخرى باسم عدد من قادة وكوادر الحزب كتبها عامر عبدالله وحملت توقيع نوري عبد الرزاق، وتحدثت باسم باقر ابراهيم وحسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا ومهدي الحافظ وخالد السلام وأحمد كريم وكاتب السطور، وعبّرت عن مجموعة واسعة من كوادر الحزب وأعضائه وطالبت بإعادة الحزب إلى ساحة عمله الرئيسي داخل الوطن ومعالجة الموقف من الحرب مع إيران في ظروف الاجتياح العسكري والتهديد المعلن بغزو العراق ومن أسلوب الكفاح المسلح وإضعاف استقلالية الحزب وتفشي الظواهر الغريبة في حياته واتخاذ إجراءات جائرة ضد عناصر قيادية كفوءة، ودعت إلى حلول ومعالجات منها: تكوين هيئة عمل مؤقتة ووضع وثيقة سياسية مركّزة حول الأهداف والمهمّات وتدارس أوضاع ما بعد الحرب وحل القضية الكردية ومسائل الحريات الديمقراطية وإعادة البناء.

كما دعت المذكرة جميع الأطراف لوقف النشر واستعادة مركزية الإعلام وإناطته بعناصر كفوءة وإعادة النظر بقرارات الفصل والاقصاء وتدارس إمكانية عقد كونفرنس على أساس تطبيع العلاقات ووقف الطعون المتبادلة ومعالجة الظاهرات المتفاقمة للنزعات القومية وترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية وتصفية مظاهر التملّق والمسايرة والتخضّع والتكيّف والولاءات الشخصية والدينية والطائفية ونزعات الارتزاق والوصولية والتخلص من مظاهر الاستعلاء والغطرسة والضغائن وميول الانفتاح وتصفية الحسابات.

وبغضّ النظر عن بعض جوانب التظلّم في المذكرتين (الأولى العام 1986 والثانية 1989)، فإن الحزب كان بحاجة إلى تجديد طاقمه القيادي، لكن الأجواء التي سادت لم تكن صحيّة، حيث شهدت أعمالاً كيدية وتصفية حسابات، ولهذا فإن الكثير من الطعون واجهها المؤتمر الرابع قبل انعقاده، وكانت النتائج معروفة سلفاً، بل إن بعض من لم يحصل على الأصوات الكافية جرى ضمّه إلى القيادة وأصبح بعضهم لاحقاً في م.س، مثلما تم ضم عشرة رفاق دون ذكر اسمائهم بزعم ظروف العمل السري وأنيطت المسؤولية بعزيز محمد في سابقة غير معهودة في الحزب (وسمّيوا الرفاق العشرة المبشرين بالجنة)…

أقول بغض النظر عمّا ورد في المذكرتين من وجهات نظر، إضافة إلى وجهات نظر القيادة الرسمية، فإن المؤتمر الرابع طرح، أزمة الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية، التي لا تزال مستفحلة على نحو شديد، ولعلّ مجرد صدور كتاب عن عامر عبدالله، أثار لدى الجهة المحدّدة مثل هذا القدر من الإساءة والتشويه، حتى بعد مرور نحو ثلاثة عقود من الزمان على ما حصل، وعلى ما كتبه عامر عبدالله.

الأجدر والأجدى هو البحث عن حلول ومعالجات لأزمة الحزب، سواء ما يتعلق بتلك الفترة أم ما بعد الاحتلال، خصوصاً تحالفات الحزب، سواءً في انتخابات العام 2005 أم 2010 أم 2014، ولماذا تدهور رصيد حزب تاريخي إلى هذه الدرجة؟ وبالطبع فإن مثل هذا الأمر يحزّ في نفوسنا، وقد منحنا صوتنا ومن حولنا ومن سألنا من الأهل والأصدقاء إلى رفاقنا وأصدقائنا، على الرغم من كل الجفاء وسوء الظن، لكن الاختلاف واضح في التفكير وأول ما بدر إلى ذهني عقب إعلان النتائج هو ما السبيل لمعالجة مثل هذا الوضع؟

وأعدت السؤال: أليس هناك ضرورة لأعادة النظر بسياستنا، وبموقع الأمين العام وحتى لو كان الموضوع حساساً لأنه يأتي من طرفي، لكن هناك مطالبات عديدة دعت الرفيق الأمين العام حميد مجيد موسى لأن يقدم استقالته، وحين ندعو للتداولية والتناوبية ونرفض ولاية ثالثة لرئيس الوزراء، لماذا لا نتحدث عن أنفسنا؟ ولماذا لا يتخلّى الأمين العام طوعاً عن ولايته الرابعة ويبادر إلى اتخاذ قرار شجاع يقول فيه لقد فشلنا ولذلك سأترك المسؤولية لغيري، عسى أن يفلح في تقديم رؤية أخرى ويتخذ إجراءات مختلفة؟

ألم نفشل؟ أليست تلك هزيمة علينا الإقرار بها بشرف وشجاعة وتحمّل المسؤولية؟ ثم كيف نعطي قوة المثل؟ أم أن أحزابنا صارت بالجملة تسير بعضها وفقاً للوراثة: أحزاباً إسلامية وكردية، وبعضها الآخر يتم التمسك بالأمانة العامة لعقدين وما يزيد من الزمان، بل إن بعض هذه الأحزاب، لم يبق الاّ الأمين العام، الذي يرتب أمانة عامة على مقاساته.

آن الأوان للتشجيع على ثقافة الاستقالة والتداولية، وشخصياً كنت قد تمنيت للصديق العزيز حميد مجيد موسى البياتي، الصحة والسعادة وأن يكمل مشوار حياته بكل ما هو مثمر ومفيد، وأن يبقى شيوعياً حتى الرمق الأخير كما يرغب، ولكن بصفة استشارية أو أية صفة أخرى غير تنفيذية، وعليه أن يترك موقع الأمين العام بعد الفشل المريع الذي تعرّضنا له. لا أظن أن في ذلك تحاملاً على أحد وليس انتقاصاً من دور أحد وليس لديّ أية مصلحة شخصية، ولعلّ شعوري بالمسؤولية وواجبي يدفعني لمثل هذه المطالبة العلنية، فقد اخترت منذ حين التعاطي مع السياسة من خلال النقد دون الاستغراق في قنواتها المسلكية والروتينية، وانكببت على بعض الأنشطة الحقوقية، والكتابة من خلال مراجعات عديدة، لكن دون نسيان الواجبات الوطنية والاجتماعية، ضمن اجتهادي، الذي قد يكون مصيباً وقد تكون مخطئاً، وإذا كان صحيحاً فقد ينفع الغير، وإن كان خاطئاً فأنا وحدي مسؤول عنه.

كنت ولا أزال في ذلك الخضم وعصف التجارب والأخطاء العامة والخاصة، لا أتردد من نقد مواقفنا وأخطائنا ممسكاً باتجاه البوصلة، دون أن يمنعني ذلك من نقد بعض آرائي ومواقفي السياسية والفكرية، ولا أذيع سرًّا إذا قلت أن مشاعر بعضنا تبلّدت الى حدود غير قليلة، وبدلاً من رحاب الشيوعية حيث الجمال والنور والبحث عن الحقيقة والسعي لمساواة البشر ورفاههم والوقوف ضد الاستغلال، فقد تحوّل بعضهم، ولاسيّما من شيوعي الصندوق إلى أقرب الموظفين، ولاسيّما في البحث عن “الغنائم” .

وقد قلت في حوار مع الرفيق كاظم الموسوي وأعدّه بكتاب صدر بعنوان ” عبد الحسين شعبان- الصوت والصدى” حوارات في السياسة والثقافة: إن ذلك لا يمنعني من نقد بعض آرائي ومواقفي السياسية والفكرية، ولاسيّما إذا أثبتت الحياة عدم صحتها أو تجاوزها الزمن، أو أن معطيات ومعلومات جديدة توفرت لدّي، وما توفّر لدينا من معارف يختلف عما كان عندنا قبل خمسة أو أربعة عقود من الزمان، الأمر الذي بحاجة الى إعادة نظر بالكثير من الاستنتاجات والمواقف.

وعلينا أن نتحلّى بالشجاعة لنقول ذلك على المستوى الشخصي أو العام، فالنقد لا يطهّر النفس حسب، بل يجعلها تقف بمسؤولية إزاء المستقبل، وتحسب كل خطوة بشكل أدق وأكثر رهافة، حتى وأن وقعت في الخطأ مرة ثانية وثالثة، المهم أن لا تكون تلك الأخطاء جسيمة أو فادحة، تتعلق بالشرف الشخصي أو الوطنية أو النزاهة الاخلاقية، أما إذا أخفقنا في التقدير أو دخلنا تحالفات خاطئة أو اصطففنا مع توجهات، ثم اكتشفنا أننا لسنا في الموقع الصحيح، أو اتخذنا بعض المواقف بناءً على معلومات خاطئة أو تقديرات غير سليمة فهذه هي السياسة، وعلى من يعمل فيها أن يلبس جلد تمساح، لأنه سيكون عرضة للنقد العام، وعليه هو أن يقدّم أولاً وقبل غيره على نقد نفسه.

أما الذين لا يتغيرون  أو لا يخطأون فهم لا يفعلون شيئاً وقد يتحولون الى أصنام متحجرة ولا يتأثرون بالحياة المتحرّكة، والإنسان الذي لا تغيّره أو تغنيه التجارب سيتكلس ويصاب بالصدأ، والسياسة في نهاية المطاف، بل والحياة كلّها في جميع جوانبها، تجارب متواصلة، فيها الخطأ وفيها الصواب، وعلينا طالما نستمر في الحياة أن نجرّب.

لا يهمّ إن غيّر المرء رأيه، فهو لا يغيّر قوميته أو يستبدل وطنه أو لغته، بل من الضروري أن يغيّر الانسان مواقفه وآراءه ويتراجع عنها إذا اكتشف خطأها وعليه أن ينتقد نفسه، فالحياة فيها الكثير من التضاريس والمنعرجات، ولا تستمر بخط مستقيم ومن يقول لك أنه لم يخطئ فإنه لا يريد الاعتراف بأخطائه، لكي لا يضطر إلى نقد نفسه مأخوذاً بالعزة بالإثم، حتى ولو ارتكب المعاصي، سواءً كان شخصاً أم حزباً، وهكذا ترى البعض يدافع عن الأخطاء لدرجة يعتبرها مكاسب تاريخية.

أشعر دائما ” بالتطهر” كلما قيّمت تجربتي وأتوقف دائما عند بعض المحطات منها، لاسيّما التي كان خياري فيها خاطئاً، وأكون شديد الاعتزاز بنفسي حين أكون قد أقدمت على تصحيح ذلك الخطأ وبالسرعة الممكنة ، إذ لا أريد إخفاءها وكما يقول الجواهري الكبير :

أأنت تخاف من أحدٍ

أنت مُصانع أحدا

أتخشى الناس أشجعهم

يخافك مُغضباً حردا

ولا يعلوك خيرهمُ

ولست بخيرهم أبدا

كنت قد قلت كان من المشرّف والأخلاقي إعلان رأيي بشأن ما اتخذ من إجراءات قمعية في الثمانينات، ولعلّ تقييمي لتجربة المنبر الشيوعي الذي ساهمت في تأسيسه وضم نخبة متميّزة من المثقفين كان أحد وجوهها إيجابياً، وساهم في إثارة النقاش حول أزمة الحزب المستفحلة وخصوصاً بشأن الحرب العراقية – الإيرانية والتحالفات وأساليب الكفاح، لكن التجربة وصلت إلى طريق مسدود بعد أن استنفدت أغراضها ووقعت في أخطاء وممارسات سلبية، وهي لا تختلف في بعضها عن أخطاء القيادة الرسمية التي انتقدتها.

ولذلك لم يكن من الحكمة الاستمرار فيها، وهو ما اخترته بعد حين، حيث افترقت الخيارات، وعندما تمت دعوتي من جانب كوادر أساسية في المنبر لقيادته، كنت قد قررت التوقف عند هذا الحد، مبرّراً ذلك أن لديّ الكثير من الأخطاء ولا أريد تحمّل أخطاء الآخرين. ورغم ابتعادي عن العمل السياسي اليومي، فقد أثرت بالطبع عدم السكوت عن قضاياوطنية كبرى مثل: الاحتلال وجرائمه وكذلك نقد الدستور وتسفيه ما جاء فيه من زرع بذرة الطائفية باسم ” المكوّنات”، ولذلك أصدرت كتابين عنه الأول عن “قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية”، صدر عن مؤسسة الأهرام في القاهرة والثاني بعنوان: “الدولة والدستور: من الاحتلال إلى الإحتلال” وصدر في القاهرة أيضاً.

كما كتبت كتابين عن الاتفاقية العراقية – الأمريكية ” من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي” وصدر هذا الكتاب عن مركز عراقي في عمان، والثاني صدر عن مركز عراقي في بغداد بعنوان “أية مقايضة للاحتلال العسكري ؟” وكنت قد أدركت خطر الطائفية، فاقترحت قانونا ” لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة” وأثار اهتمام أوساط حكومية وبرلمانية وحزبية ومؤسسات مجتمع مدني وجمعيات حقوقية، وقد نشرته في كتاب بعنوان ” جدل الهويّات في العراق: المواطنة والدولة” وأعدت لاحقاً تكييفه ضمن القوانين العراقية.

أقول ذلك وأدرك الفرق بين الرأي السياسي وبين الانخراط في العمل السياسي، فقد كنت منذ زمن أتبرم من العمل البيروقراطي والأوامرية التراتبية، وكنت قد صارحت محاوري كاظم الموسوي من إن استمراري منذ أواسط السبعينات في الحزب الشيوعي دون قناعة تُذكر، لم يكن له مبرّر، الاّ اعتبار أخلاقي، ولعدم رغبتي في تركه وهو في ظرف صعب، ولاسيّما بعد الهجوم الشرس عليه 1978 -1979. لقد تأخرت في الخروج من الصندوق على الرغم من تمردّاتي الكثيرة، وهو ما اعتبرته واحد من أخطائي التي قلتها علناً، ولكن كلّما ابتعدت عن الصندوق ازددت ماركسية ” مادية جدلية”.

في زيارة لميشيل فوكو إلى ألتوسير في مصحة الامراض العقلية بضاحية سانت آن سأله :” هل ما زلت ماركسياً؟ ” أجابه ألتوسير: ومن تكون أنت بغيرها؟ لقد قرأت ماركس، كقارئ، تم ككاتب، ثم قراءته كمتن ونص، وأخيراً من رؤية نقدية، وهو ما جعلني أنظر إليه بحرية أكبر وباعجاب أكبر، لاسيّما لمنهجه الذي ما زال صحيحاً، وللاسف نحن تركنا المنهج وتمسكنا بالتعاليم التي كانت تصلح لعهده وليس لعهدنا، الأمر الذي نحتاج فيه لمعرفة قوانين عصرنا ودراسة ماركسية القرن الحادي والعشرين، وهذا يتطلب الوقوف عند الكثير من المتغيرات التي حصلت بفعل العولمة وما بعد الحداثة حول مفهوم الطبقة العاملة ودورها ودور فئات الجيولوجيين والمهندسين ومدراء ومسؤولي الحقول المعدنية وغيرهم  ومفهوم الاغتراب الجديد وعلاقة البلدان الرأسمالية المتقدمة بالبلدان النامية، لاسيّما مرحلة ما بعد الاستعمار.

عندما يهيم الانسان بالحقيقة ويبحث عن العدل، يكون مسكوناً بالهّم الإنساني حتى وإن كان حالماً، والحلم هو جزء من حقيقة متجسّدة في إطار مستقبلي أو مثالي نظل ” نلهث” ونمنّي النفس للوصول إليه، لنكتشف أن أحلاماً جديدة متراكبة، نبقى  نركض وراءها أو نقترب منها دون الامساك بها. لعلّ في ذلك جزء من التصالح مع النفس، بل عهداً وصداقة معها، وقد تكون تلك الصداقة هي أقسى أنواع الصداقات وأكثرها شقاءً حسب الفيلسوف الاغريقي ” أفلاطون”، لأنها تتطلب نوعاً من التماهي بين المعلن والمستتر، والظاهر والباطن، والقول والفعل، الأمر الذي بحاجة إلى رياضة نفسية وروحية طويلة الأمد وعلى درجة عالية من النقد والنقد الذاتي، انطلاقاً من الثقة بالنفس أولاً ومن الجرأة في قول الحق حتى ولو على نفسك ثانياً، وقد يكون في الأمر ثمة نوع من ” التطهّر” الروحي والأخلاقي ثالثاً.

هذه الصداقة بامكانها حماية النفس من الرذيلة والكراهية والظلم، فلا يستطيع المرء أن يكون عادلاً وباحثاً عن الحقيقة والمشترك الانساني، إنْ كان متهاوناً إزاء الشرف الشخصي أو الأمانة الوطنية والشخصية أو الذمة المالية، لاسيّما ما يتعلق بالنزاهة الاخلاقية، وبقدر كونه قوياً وصلباً إزاء ذلك، فعليه أن يكون متسامحاً، ولا ينبغي ان يحمل الكراهية في قلبه أو يدعها تسلّل إلى سلوكه، حتى إزاء من يسيئون له، فالتسامح قيمة إنسانية عليا راقية، والتسامح لا يعني التهاون إزاء الظلم والظالمين، بل البحث عن طريق للحق والعدل والحقيقة وعلى أساس الحقوق الانسانية غير القابلة للتجزئة، وحسب فيلسوف وقائد الهند العظيم المهاتما غاندي: : أنا لا أحبّ التسامح، لكني لم أجد شيئاً أفضل منه، وبما أنه لا يوجد هذا الشيء، فإني أفضّل التسامح، الذي أصبح قيمة بحد ذاته.

صداقتي مع نفسي منحتني هذا القدر من المراجعة والنقد الذاتي، لأنني كنت الأقرب إلى نفسي وإلى مونولوجي الداخلي ومعرفتي بمكامن الخطأ والتقصير، وإسراعي لتصحيح وتصويب ما ادركته أو تأكدت منه، انه لم يكن صائباً أو صحيحاً في العلاقات الشخصية أو في العمل السياسي والثقافي. ربّما نجد في هذه الحوارات فواصلاً مهمة في حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية، وهي تعبير عن أفكار وآراء، وسعيت من خلالها للبوح والمكاشفة والنقد، بشفافية عالية ودون اكتراث حتى عندما أشخص أخطائي ونواقصي، وأنا سعيد بها لأنها جزء مني، وهو ما أحاول بسعي وجدّية إكتشافه ومراجعته علناً، لاسيّما بنشر المقابلات والمقاربات التاريخية على مدى أكثر من ربع قرن، وهو ما فعلته مع محاوري كاظم الموسوي.

عندما أحاور نفسي وغالباً ما أفعل بكل الصراحة والنقد، فأنا أدخل في حوار مع الآخر، أتعلّم منه مثلما أفترض إنه والمتلقي يتعلّمان أيضاً، وعليّ أن أعي دوري ووظيفتي الفكرية، وهي النقد، قاعدة للتنوير والمعرفة، وبدون النقد لا يمكن للمثقف أن يكون مثقفاً حقيقياً، وأحياناً أجد نفسي في منافسة بين إرادة الأنا وإرادة الناقد في داخلي وإرادة أو إرادات الآخر، ولذلك أسرع لتدقيق أقوالي ومواقفي وأراجع أفكاري وآرائي، كي لا أكون قد جانبت الحقيقة بناءً على تقديرات خاطئة أو معلومات غير صحيحة، الأمر الذي يقتضي قوله بصدق وصراحة علناً وتحديد المسؤولية بشجاعة، حتى وإن أخطأت!!

لم أتعلّم أن أبلع لساني أو أسكت أو أغض الطرف مثلما يفعل كثيرون، ممن لم يعتادوا على المجاهرة بآرائهم، فقد اعتادت الكثرة الكاثرة على المسايرة والانحناء وقبول ما يقوله أصحاب السطوة والنفوذ في السلطة والمعارضة، ولعلّ السؤال البديهي: هل سيكونون من الجرأة ليتمكنوا من كشف أخطائهم أو التأشير إلى مواطن الخلل في مواقفهم وسلوكهم وتجنيّهم أحياناً على العدل والحقيقة.

لذلك تراهم يفضّلون الصمت أو السير مع القوي ومجاراته، وهناك دائماً من يغطي نفسه بدثار ” الجماعة” لدرجة فقدان صوته وضياع فردانيته لحد الانصهار في إطار المجموع، ولعلّك على مدى عقود من الزمان لا ترى له لوناً أو طعماً أو رائحة، فهو يفضّل البقاء في الصندوق على حساب اتخاذ موقف مستقل حتى لو اختنق، شأنه شأن الذين ظلّوا في الصهريج حسب رواية غسان كنفاني ” رجال تحت الشمس” حتى ماتوا، لأنهم لم يدّقوا جدار الصهريج، خوفاً من إنكشاف أمرهم. بعضهم وأقول بعضهم لأنني أعرف أن الأغلبية الساحقة مخلصة ونبيلة وشجاعة، وكنت قد قلت أنحني اعتزازاً لأبطال بشتاشان الشجعان من الشهداء والأحياء، ولكن بقدر ما كانوا هؤلاء مصدر عزّ وسؤدد، كان إلى جانبهم جبناء ومتخاذلين. لعلّ هؤلاء هم من قرّعهم الجواهري عندما قال:

 ” إن الحياة معاناة وتضحية        حبّ السلامة فيها أرذل السبل”

            عندما اعتبر الفيلسوف اليوناني أرسطو أن أفضل طريق إلى الكرامة يتمثل باتساق بين ما نُظهر وما نُبطن، فلعلّه قصد اقترابنا من الحقيقة، التي هي وحدها تطّهر الروح وتخفف من عبء الأنا بانسجامها موضوعياً مع الأنت، الآخر، باستكمال مشروع التعايش الحضاري والثقافي في إطار المشترك الانساني، وذلك هو ما أدعوه فضاء الشيوعية!

{ باحث ومفكر عربي