خفايا السياسة الأمريكية

خفايا السياسة الأمريكية معتصم السنوي الكتاب الذي يحمل عنوان (ديمقراطية للقِلَّة) من تأليف (مايكل بارنتي) وترجمة (حصة المنيف) وتقديم (ممدوح عدوان)، ومن أصدار المجلس الأعلى للثقافة (المشروع القومي للترجمة (القاهرة) عام (2005).. عدد صحائفه (572) وتتكون محتوياته من (18) فصلاً. يصف في مقدمته (جيمي كارتر) رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق، السياسية بأنها: ثاني أقدم مهنة في التاريخ، ويعلق بأن الكاتب السياسي يلعب الدور نفسه الذي تلعبه (العاهرة) بإستغلال كل منهما للمظاهر والوعود من أجل تسويق النفس).. وفي هذا الكلام ربط ظريف بين السياسة والاقتصاد، ولكن التشبيه يصبح أكثر طرافة حين تصل إلى أن (السياسي يعمل في خدمة الاقتصاد). والاقتصادي الناجح هو الذي يجعل الآخرين يعملون من أجله لكي (يزيد ثروته ويحقق مصالحه)، وهذه المصالح لا تكون (دائماً وطنية).. ودراسة أمور السياسة هي في حد ذاتها عمل من أعمال السياسة، حيث أنها نادراً ما تعبّر عن وجهات نظر محايدة، قد نتفق جميعاً على حقائق محايدة معينة حول تركيبة الحكومة ونحو ذلك من الأمور، ولكن كتاباً لا يغامر لولوج إلى ما بعد هذا الوصف قد لا يزعج ويجرح مشاعر القراء، ولكنه لن يكون ممتعاً إلا (لقلة) منهم، إن أي محاولة لتحري كيف تحدث الأمور وسبب حدوثها لابّد لها من أن تجرنّا إلى مناطق من شأنها أن تثير الجدل. ومن الملاحظ أن الكثير من الكتب الدراسية تدَّعي (حياداً) في المعالجة، ولكنه حياد ليس فيها في واقع الأمر فهي، وإن كانت تدعي (الموضوعية)، فإنها لا تعدو أن تعبر عن آراء تقليدية تتصف بالمراوغة والتملّص حيث تتجاهل المسائل الأكثر سواداً في الحياة السياسية).. وكرد فعل على الاتجاه السائد في السياسة الأمريكية يحاول تصوير كل(رذيلة) على أنها (فضيلة) ويشعر المنتقدون (الراديكاليون) للوضع الراهن أن عليهم أن يحولّوا بدورهم كل (فضيلة) إلى (رذيلة)، وعلى ذلك فهم يجادلون بأن الكفاح من أجل أنتخاب ممثليهم هو (كفاح بلا معنى)، وأن حرياتنا المدنية هي مجرد (تمثيلية)، وان البرامج التي تنفذها الحكومة الفيدرالية لمساعدة المحتاجين هي برامج عديمة القيمة، وأن الإصلاحات هي في جلِّها مجرد محاولات (لتهدئة المضطهدين)، وأن الاتحادات العمالية تمالئ وتتعاون مع مديري العمل. شكل هؤلاء المنتقدون في الواقع (ترياقاً)، تتطلبه الحاجة الملّحة للإجابة على أولئك الذين (يرسمون صورة جميلة للواقع المظلم)، غير أنهم إنما يرتكبون خطأً عندما ينكرون أننا حققنا أية انتصارات، أو أننا ظفرنا بتحقيق أي تقدم (حقيقي) في الكفاح الديمقراطي الذي خضناه… يحاول كتاب (ديمقراطية للقلة) رسم صورة متوازنة، فهو يسعى لتبيان حقيقة أن (الديمقراطية تتنافي مع الرأسمالية على نحو مستمر)، كما يبيّن الكتاب في نفس الوقت كيف تسعى القوى الشعبية لمتابعة كفاحها المضاد، وكيف أنها تحقق نجاحاً في هذا الصدد في بعض الأحيان ويجادل المدافعون عن الاتجاه السائد في أمريكا بأن استبعاد وجود أحزاب ثالثة (إلى جانب الحزبين الأمريكيين الرئيسيين (الديمقراطي والجمهوري)، هو أمر في مصلحة البلاد نظراً لأن وجود الكثير من الأحزاب إنما يؤدي إلى تشتت النظام السياسي وزعزعته، علاوة على ذلك فإن الحزبين الرئيسيين (في زعمهم) إنما يجمعان في صفوفهما وجهات نظر الأحزاب الصغيرة – وهو ما يثير دهشة (الأشتراكيين) أو أية أحزاب إصلاحية ممن ظلت وجهات نظرها مهمشة لأجيال عديدة وما زالت!! يتوصل (المؤلف) من خلال تجربته النظرية والعملية في الشؤون السياسية والاقتصادية الأمريكية، من أن هناك أفراد يعتقدون مع الأسف أن تحليلاً هيكلياً يتطلب منا معالجة (المؤامرات) على أنها مجرد أمور من نسيج الخيال، وأن الجهود الداعية التي يقوم بها بنو البشر لا تؤدي إلى نتائج ذات بال، وهم يذهبون إلى حد المجادلة بأننا منقسمون الآن إلى معسكرين أثنين يطلقون عليهما (الهيكليين) والتآمريين وفي هذا الكتاب تعد المؤامرات (ويعني معظم الناس بالمؤامرات أنها (برامج سرية) تم التخطيط لها عن وعي من قبل أناس يحتلون مراكز مرموقة)، جزءاً من ترسانة الحكم الهيكلي، وأن أي تركيب هيكلي أو نظام لا يمكن أن يوجد دون وجود سلطة بشرية، ولا بدّ للعناصر الحاكمة من أن تجاهد بوعي للإبقاء على أوضاع حكمها المهيمن والعمل على تقدم وتنامي هذه الشروط فالتشكيلات الاجتماعية الأكبر والقوى الأوسع لا تعمل وكأنها مجرد كيانات غامضة غير ملموسة، بل يوجهها أشخاص يسعون عامدين لتحقيق أهداف معينة مستخدمين أشكال أساليب السلطة كافةً بما فيها الدعاية، والإقناع، والانتخابات، والخداع، والأكاذيب، والتخويف، والتحريض، والإكراه، والتنازلات، بل إنهم قد يلجأون إلى السرية وإلى العنف المدبّر وغير ذلك من الألاعيب الإجرامية، أن قضيتي (ووترجيت) و(إيران كونترا) هما مجرد مثالين ذاع صيتها لهذا النوع من المؤامرات التي تنسج على أعلى المستويات بهدف خدمة مصالح (هيكلية)، وبدلاً من النظر إلى المؤامرة والتركيبات على أنهما مقصوران على جماعة معينة فقد يكون من الأجدر أن نعتبر المؤامرة أحدى الأدوات التي تلجأ إليها تلك التركيبات الهيكلية بعض (المؤامرات هي نسيج الخيال)، ولكن بعضها الآخر (حقيقي) وهذا البعض الأخير إنما هو جزء من التركيبة الهيكلية القائمة وليس الاستثناء منها.. وهناك أفكار وتفسيرات لأمور كثيرة يتم نقدها وتحليلها، ولابّد هنا للقارئ أن يأخذ دوره في متابعات المسارات التي أتخذها الكاتب ليكتشف الحقائق التي قد لا تراها الكثير من الشعوب على حقيقتها، ودعوة لكل مثقف أن يطلع على محتويات الكتاب ويتابع المفاهيم التي توصل اليها الكاتب الكبير (مايكل بارنتي) بعد عناء كبير من خلال رحلته المضنية في خفايا السياسة الأمريكية، ودعوة للسياسي الذي دخل بحر السياسية بعد عام 2003 أن يستفاد من الأفكار الحكيمة والنصائح القيمة، التي يقدمها المؤلف على طبق من الذهب ومن دونما مقابل وعسى أن يفهموا ولا شيئاً قليلاً مما ذهب إليه ليعيدوا النظر في الأخطاء الكبيرة التي ارتكبوها بحق الشعب الذي وثق بهم في غفلة من الزمن!!