
لا تنازل – هدى جاسم
تسارعت نبضات قلبها وهي تهم بمغادرة المكان الذي عاشت معه فيه اكثر من عشرين عاما ، كانت في تلك المرحلة الزمنية تخشى من اشتداد وطأة الاحداث على قلبها المفعم بالمحبة لكل من حولها ، تخشى الاعتراف انها قد اخطأت الطريق والاختيار وان ماحصل كان بفعل تنازلاتها المتواصلة وانها لم تتبن تبادل الادوار بل اصبحت مع الوقت سيدة وسيد الدار في ان واحد ، ضعفت حيلتها وتهاوى جسدها مرضا وهما الذي اغتال ماتبقى لها من مقاومة فقررت الرحيل بصمت بعيدا دون ان تترك اثرا لطريقها ،حاولت طيلة العشرين عاما ان تقول شيئا لكل من حولها لكن هدوئها غلب الرغبة في الصراخ بوجه الظلم الذي تعرضت له ، وهمست لقلبها ان يصمت هو الاخر عل الايام تغير الحال ، كانت تشعر بمرارة الكلام الموجه لها يختلط به وجعا من نوع لم يمر عليها من قبل .
كانت تتحدث الى نفسها كثيرا بانها ستتخذ القرار بعد ان اكتشفت مع الايام انه ابدا لم يكن رجل احلامها ولا يقضتها ، كان اقسى مما تخيلت ، فهو لم يمنح لها حرية ان تكون سيدة الحب الذي قررته قبل ان ترتبط به ، منحها حرية ان تحقق احلامه فقط وتتبنى مايقول حتى وان كان على خطأ ،كانت كل يوم تقول غدا افضل حتما وسيتغير مع الايام . مرت السنوات لتنظر الى مراة روحها ووجدت عجوزا ترك القهر عليها علامات لاتمحى وخطوطا لحكيات يومية لا ابتسامة فيها ولا احلام ، نهضت من مكانها وصرخت باعلى صوتها المكبوت بانها لن تمض ماتبقى من حياة في هذا المكان وستدفع ثمن خوفها وحرمانها واشتراطات البقاء المبهمة معه خطوات قادمة لتعيش بسلام وطمأنينة في بيت طفولتها حيث لا احد يبتزها ويحيل ايامها الى ساعات مسروقة بلا رحمة . ركضت بكل ما تبقى لها من قوة ورغم مرضها وعجز اصابعها من التلويح لسنواتها الباقية الا انها تخطت الطريق الموحش الذي سلكته واعتذرت لكل ايامها وسنواتها التي ضاعت بلا مبرر واضح ، قالت سأنام بهدوء دون ان توقظني سياط الكوابيس التي مرت وماكان يمكن ان يمر ، ومع الوقت تلاشى الخوف وعادت الى طفولتها وطوت صفحات تهرئت محترقة بنيران قلبها فالحياة تستحق ان نعيد الحسابات مجددا حتى وان كانت اخر الفرص للعيش بهدوء على اقل تقدير منا . استفاقت من ارتجاف جسدها الضعيف من المرض لترمم احلامها مجددا وتكتب قرارها عبر صفحات منحتها بعض استحقاقها الذي ضيعته في الماضي وكانت تعتقد انه بداية الطريق ونهايته ، اما هو فقد بقي ينتظر عودتها وهو يحمل عصا التأنيب وسيل الكلمات الموجعة عند طرف الطريق الذي غادرته بلا عودة .






















