
الطبيعة الدستورية للمنهاج الوزاري – حسن الياسري
في أعقاب نشر المنهاج الوزاري لرئيس الوزراء المُكلَّف، تسنَّى لي الاطلاع على بعض الآراء التي قيلت بشأن ما ينبغي أن يتضمنه المنهاج الوزاري من مبادئ وتفاصيل.وبالنظر لعدم دقة أو صحة بعض هذه الآراء، ولإيضاح الحقيقة للرأي العام ؛ فسأعمد إلى بيان ما ينبغي أن يتضمنه المنهاج من الناحية الدستورية.وفي هذا المقام سأتطرق إلى بحث المحاور الآتية، بإيجازٍ شديدٍ غير مخلٍّ :
أولاً: ماهيَّة المنهاج الوزاري ؟
ثانياً: الأساس الدستوري للمنهاج الوزاري في العراق.
ثالثاً: ما الذي ينبغي أن يتضمنه المنهاج الوزاري من الناحية الدستورية في التوجُّهات الحديثة ؟
أولاً: ماهيَّة المنهاج الوزاري ؟
يُعد المنهاج الوزاري الوثيقة الدستورية والسياسية التي يترتب عليها منح الثقة للحكومة في الأنظمة البرلمانية. فهو بمثابة «العقد» بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وبمقتضاه يتم مساءلة الحكومة لاحقاً.
إنَّ المنهاج الوزاري في الأنظمة البرلمانية ليس مجرد خطابٍ سياسي، بل هو ــ دستورياً وسياسياً ــ وثيقةٌ تعاقديةٌ بين الحكومة والبرلمان، ومنها تستمد الحكومة شرعيتها السياسية بعد نيل الثقة.وتبدو أهمية المنهاج الوزاري مضاعفةً ؛ لأن مجلس النواب لا يمنح الثقة لرئيس الوزراء فقط، بل يمنحها للحكومة كلها استناداً إلى هذا المنهاج.وبحسب ماهيتهِ وطبيعتهِ، لا يعدُّ المنهاج الوزاري قانوناً، ولا مجرَّد خطابٍ سياسيٍّ رمزي، بل هو أقرب إلى أن يضمَّ بين جوانحهِ المفاهيم الأربعة الآتية :
1- إنه وثيقةٌ دستوريةٌ-سياسيةٌ :
لأنها تُعبِّر عن التوجُّه العام للحكومة.
2- إنَّه يُمثِّل التزاماً برلمانياً :
لأن البرلمان –مجلس النواب- مُلزمٌ دستورياً بالتصويت عليه ؛ بغية الموافقة عليه أو رفضه.وإن الثقة التي يمنحها المجلس للحكومة قد أُشفعت بالموافقة على المنهاج ؛ فباتا وقد غشيتهما الثقة معاً في آنٍ واحد.بل ليس ببعيدٍ القول إنَّ الثقة للحكومة قد مُنحت على أساس المنهاج والرضا به.
3- إنَّه يُمثِّل إطاراً للمساءلة :
إذ يستطيع البرلمان بعد إقرارهِ أن يُسائِل الحكومة عن مدى تنفيذ ما تعهدت به من التزاماتٍ وردت فيه.
4- إنَّه يُمثِّل أداةً للتخطيط العام :
في الأنظمة الحديثة، يتحول المنهاج إلى خطة تنفيذٍ وبرامج أداءٍ ومؤشرات قياسٍ وجداول زمنيةٍ وموازناتٍ مرتبطةٍ بالأهداف.
وإذا كانت المفاهيم الثلاثة الأُول محلَّ اتفاقٍ، ولا تُثير خلافاً، فإن البعض قد يعترض على المفهوم الرابع،بيد أنَّ التوجُّه الحديث يعضده، وبخلافه سيغدو المنهاج مجرَّد خطابٍ سياسي أو عرض نوايا أو قائمةً بالأمنيات السعيدة !!
ثانياً : الأساس الدستوري للمنهاج الوزاري في العراق :
ينصُّ دستور جمهورية العراق الدائم لسنة 2005 في المادة (76/رابعاً) على الآتي :
((يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلَّف أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب، ويُعد حائزاً ثقتها عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري بالأغلبية المطلقة )).
وهذا النصُّ يُعطي الدلالات الآتية :
1.إنَّ المنهاج الوزاري شرطٌ دستوريٌّ لنيل الثقة.
2.إنَّ الثقة تُمنح للمنهاج بقدر ما تُمنح لأعضاء الحكومة –الوزراء-.
3.سيغدو المنهاج أساساً للمساءلة البرلمانية بعد نيل الثقة، وستُحاسَب الحكومة على ما التزمت به قِبل البرلمان.
رؤية سياسية
ثالثاً: ما الذي ينبغي أن يتضمَّنه المنهاج الوزاري من الناحية الدستورية الحديثة؟
يُفترض أن يتضمَّن المنهاج الوزاري المتكامل عدة مستوياتٍ :
المستوى الأول: الرؤية السياسية العامة للدولة :
هذا الجزء بطبيعته يكون عاماً نسبيا، ويتضمَّن ما يأتي :
فلسفة الحكومة السياسية، أولويات المرحلة، تعريف التحديات الوطنية، تصوُّر الحكومة لطبيعة الدولة والاقتصاد والإدارة.مثلاً: ترسيخ الدولة الاتحادية والعلاقة بين المركز والأقاليم والمحافظات،مكافحة الفساد،تعزيز السيادة،الإصلاح الاقتصادي،تنويع مصادر الدخل،إصلاح الخدمات العامة..الخ.
المستوى الثاني: الأولويات الاستراتيجية :
وهنا تبدأ الحكومة بالانتقال من العموميات إلى السياسات التفصيلية القطاعية.مثلاً :
في الاقتصاد : إصلاح النظام الضريبي عبر تحديد خطواتٍ محدَّدةٍ، تقليل الاعتماد على النفط، تشجيع القطاع الخاص عبر تحديد مساراتٍ معينةٍ ومحدَّدةٍ، إصلاح المصارف..
في الطاقة : زيادة إنتاج الكهرباء وتحديد النسبة التقديرية للزيادة المزمع الوصول إليها، تقليل حرق الغاز، التوسع
في الطاقة المتجدِّدة عبر تحديد بعض مصادرها..
في الصحة : التوسع في شمول الضمان الصحي،بناء المستشفيات وتحديد السقف المتوقع لما يمكن بناؤه منها خلال مدةٍ تقديريةٍ..
في التعليم : تطوير المناهج،إصلاح الجامعات وموائمة الجامعات الأهلية لتكون على وفق المعايير العلمية الدولية المنضبطة، التدريب المهني..
فهذا المستوى ينبغي أن يكون أكثر تحديداً.
المستوى الثالث: المناهج (البرامج) التنفيذية :
هنا يصبح المنهاج الوزاري جديَّاً فعلاً ، إذ ينبغي أن يجيب عن الأسئلة الآتية :
ماذا ستفعل الحكومة تحديداً ؟ بأي أدواتٍ ؟ مَنْ هي الجهة المنفذة ؟ ما الإطار الزمني؟ ما الكلفة التقديرية ؟ ما مؤشرات النجاح ؟
وهذا هو المستوى الذي يغيب عنَّا غالباً.
يتبع






















