
ذاكرة الظل – سعد العبيدي
مع سقوط الدولة في نيسان 2003، وتصاعد موجات السفر خارج العراق، وقف محمود بين أصدقائه، يضحك ضحكةً حادّة أقرب إلى الهستيريا، يعلن بعدها: لن أبقى هنا… في أرضٍ يسكنها أبي.
مرّت عبارته على مسامعهم كثرثرة سكرٍ عابر، لكن القرار لم يكن طارئًا؛ كان وكأنه يتكوّن في داخله منذ الطفولةٍ المثقلة بعداوةٍ الأب القاسية، ظلّت آثارها تنمو في داخله بصمت.
في اليوم التالي، يتخلّى عن حياته دفعة واحدة: يطلّق الزوجة، يُخفي المال في جيبٍ سرّي، ويغادر دون أن يلتفت. عمّان كانت محطته الأولى، معبرًا لا أكثر. ضاقت به سريعًا، فاختار المغرب؛ بلدًا بعيدًا بما يكفي ليبدأ بلا ماضٍ يلاحقه. وحين وصلها، استقبلته بوجهٍ لم يعتده: دفءٌ بسيط، وثقةٌ تُمنح بلا حذر.
في إحدى مدارسها، وجد فرصته مدرسًا للغة العربية؛ عالمٌ جديد بملامح هادئة. لم ينشغل به، بقدر انشغاله بمراقبة الطالبات المراهقات، كأن عينيه تبحثان عن شيءٍ آخر، أعمق من المعرفة. فتح شقته للدروس الخصوصية، ووضع قواعده للتسديد: تقرّبٌ أكثر، واستجابةٌ رخيصة لرغباتٍ أخذت تتشكّل في داخله بصمت.
رفض الانكسار
خديجة إحدى الطالبات، إبنة الخامسة عشرة، حادة، ترفض الانكسار. يختارها بعناية، كأنها اختبار. يغريها بالدرجات، ثم يمسك ذراعها. تقاوم، فيضيق صدره، وكأن شيئا بدائيا قد استيقظ في داخله، لا يعرف التراجع. يقيّدها. يُسكت صوتها، ويشاهدها كما لو كانت صورة. حين ينتهي، يشعر بفراغ بارد. يضع الدفتر الامتحاني فوق جسدها، كأن الفعل صفقة، لا جريمة.
ارتمت الفتاة في حضن أمها، تصرخ، فيما كانت الشرطة تدوّن أقوالها ببرودٍ. لكن محمود كان قد سبق الجميع؛ غادر البلاد دون أثر، بارعًا في تبديل الأمكنة كما تبدّل الأفاعي جلودها.. تنقّل بين أمريكا وكندا، حتى استقر في إسبانيا، وجد زوجة تكبره بعشر سنوات، وهويةً جديدة باسم أوروبي: ديڤد، ووظيفة في شركة مرموقة. تتبدّل أسماؤه وتتغيّر وجوهه، وهو باق كما هو، يحمل طفولته المعنفّة معه أينما مضى.
مرّت السنوات في إسبانيا ، لكن المغرب ظلّ عالقًا في ذاكرته كفراغٍ لم يُملأ؛ وشعور في العبث والانفلات. ومع الوقت، تحوّل ذلك الشعور إلى رغبةٍ ملحّة في العودة، كإدمانٍ قديم لا يهدأ. عاد كمن يعود إلى مسرحٍ يعرف زواياه جيدًا. يحمل معه أرشيفًا خفيًا من صورٍ التقطها لأطفال بوضعيات شاذة في رحلاته السابقة، احتفظ بها كما يحتفظ المرء بأسراره الأكثر ظلمة. استوقفته الشرطة عند الحدود، فاختلق رواية لتلك الصور، مرّرت الحكاية بحكمٍ خفيف لم يمسّ جوهره.
في القنيطرة، عاش بهدوءٍ مصطنع يتقنه كما يتقن أدواره الأخرى. نسج علاقة مع جارٍ وقور، غرس فيه الطمأنينة كما يغرس نباتاته في أوعية مرتّبة. ترك لديه مفاتيح شقته، وشاركه سهراتٍ عابرة، مؤديًا دور الرجل الموثوق بإتقان. ويوم ضاق عليه الخناق واقتربت يد القانون، اتصل به طالبًا إتلاف أقراصٍ مخبأة في درج المكتب. راود الشكُّ ذاك الجارَ، فاستسلم لفضولٍ ثقيل. فتح الأقراص واحدًا تلو الآخر؛ فهاله ما رأى: مشاهد تقشعرّ لها الروح. ثم تجمّد في مكانه حين لمح بينها وجه ابنه. داهمه دوارٌ حاد، كاد يُفقده الوعي، تماسك أخيرًا، وجمع الأقراص، ومضى بها إلى الشرطة.
في المحكمة، انهار القناع سريعًا؛ تكاثرت الأدلة، وتوالت الشهادات، فصدر الحكم: ثلاثون عامًا من السجن الثقيل. لم يثنه ذلك عن المراوغة والبحث عن منفذ، حتى التقط فرصته عبر عفوٍ شمل الإسبان المحكومين في المغرب بطلبٍ من الملك، وقبل أن يستقرّ العفو واقعًا، خرج الأب المنكوب إلى الشارع، يصرخ بما رأى وما انكسر فيه. التقطت الأصوات صرخته، وتكاثرت من حوله حتى تحوّلت إلى موجةٍ لا يمكن تجاهلها،
فأُلغِي العفو قبل أن يكتمل.
يدخل عليه السجّان ليبلّغه بإلغاء العفو، فيضحك ضحكةً باهتة، لا تمتّ لدهشةٍ أو خيبة. يرفع عينيه ببرودٍ غريب، كأن الخبر لا يعنيه، أو كأنه توقّعه منذ البداية. يتركه السجان وفي داخله قناعة من إنه لا يُشبه البشر؛ كائنٌ يتقن ارتداء الوجوه، ويعيش بين الناس وحشٍ تعلّم أن يسير على قدمين.























