شخصيات من بلادي.. محمد مهدي الجواهري

شخصيات من بلادي.. محمد مهدي الجواهري

شاعر العرب الأكبر إحتلّ الوطن موقع القلب في شعره

صالح رضا

حين يُذكر الشعر العربي في العصر الحديث، يتقدم اسم الجواهري بوصفه أحد أعمدته الراسخة، وقامةً إبداعيةً جعلت من القصيدة موقفًا حيًا، ومن الكلمة سلاحًا في وجه القهر والتحولات العاصفة التي شهدها العراق والعالم العربي.

وُلد محمد مهدي الجواهري في النجف، في بيئة علمية دينية عميقة، فنهل من علوم العربية والبلاغة، ما منحه قدرة استثنائية على تطويع اللغة وصياغة الشعر في أبهى صوره. غير أن هذه النشأة لم تُقيده، بل كانت منطلقًا نحو أفق شعري واسع، ارتبط فيه الفن بالحياة، والقصيدة بالإنسان.

تميّز منجز الجواهري بغزارته وقوته، فقد خلّف ديوانًا شعريًا ضخمًا يُعد من أبرز ما كُتب في القرن العشرين، إلى جانب حضوره الفاعل في الصحافة والعمل الثقافي. ولم يكن شاعرًا تقليديًا، بل مجددًا داخل العمود الشعري، أعاد له ألقه، ومنحه طاقة تعبيرية معاصرة دون أن يفقده أصالته.وقد ارتبطت تجربته بعدد من القصائد التي أصبحت علامات بارزة في الشعر العربي، من أبرزها:

“يا دجلة الخير”: قصيدة الحنين الكبرى، التي كتبها في المنفى، فكانت مرآةً للوجع العراقي، وصورةً نابضةً للذاكرة والاشتياق.

(أخي جعفر): واحدة من أعظم قصائد الرثاء في العصر الحديث، تحولت فيها الفاجعة الشخصية إلى صرخة ضد الظلم، وصوت إنساني عابر للزمن.

(أنا العراق): قصيدة تمثل ذروة التماهي بين الشاعر ووطنه، حيث يذوب الصوت الفردي في هوية جماعية واسعة. (تنويمة الجياع): نصٌّ شديد التأثير، يعبّر عن معاناة الفقراء بلغةٍ صادقة ومباشرة، تكشف حسه الاجتماعي العميق.

(يا غريب الدار): قصيدة وجدانية تحمل بُعدًا إنسانيًا وتأمليًا، وتعكس حساسيته تجاه الغربة والاغتراب.

(باقٍ وأعمار الطغاة قصار): من قصائده السياسية الشهيرة التي جسّدت تحديه للسلطة وتمسكه بالحق.

في هذه الأعمال وغيرها، تتجلى سمات الجواهري الكبرى: قوة اللغة، ووضوح الصورة، وصدق العاطفة، والقدرة على الجمع بين الجزالة الكلاسيكية وروح العصر. احتلّ الوطن موقع القلب في شعره، فكان العراق حاضرًا في كل تحولاته، ليس كجغرافيا فحسب، بل كقضية وهوية. كما حملت قصائده همّ الإنسان في كل مكان، فدافعت عن الحرية والكرامة، وواجهت الاستبداد بجرأة نادرة.

عاش الجواهري تجربة المنفى، متنقلًا بين مدن عدة، منها بغداد وبراغ، غير أن الغربة لم تُضعف صوته، بل زادته عمقًا واحتدامًا، فكانت قصائده جسورًا تمتد بين الذاكرة والمكان.

لقد استحق الجواهري لقب (شاعر العرب الأكبر) بما قدّمه من منجز شعري ثري، وبما تركه من أثرٍ عميقٍ في مسيرة الشعر العربي. فهو لم يكن شاعر مرحلة، بل صوتًا ممتدًا، تتردد أصداؤه في كل زمن يُبحث فيه عن الكلمة الصادقة.وهكذا، يبقى الجواهري حاضرًا، لا

 في دواوينه فحسب، بل في الوجدان العربي، بوصفه شاعرًا كتب الوطن، وكتب الإنسان، وكتب نفسه في ذاكرة .