
كيف نبني إقتصاداً يقلّل الفساد؟ (3)
من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة .. ثلاثية كسر الإستقرار السلبي – أسامة أبو شعير
إذا كانت الحلقة الأولى قد ناقشت تصميم حكومة مختلفة، والحلقة الثانية قد تناولت كيفية حمايتها عبر إعادة ضبط موازين القوة، فإن السؤال الحاسم الآن لا يتعلق بكيف نُصلح، بل بما الذي سنبنيه بعد الإصلاح. لأن تفكيك شبكات الحماية—مهما كان ذكيًا—لن يكون كافيًا إذا بقي الاقتصاد نفسه قادرًا على إعادة إنتاجها. المشكلة في العراق لم تكن يومًا في غياب الرقابة فقط، بل في طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يجعل الوصول إلى المال العام هو المسار الأسرع للثروة، ويحوّل الدولة من إطار تنظيم إلى مصدر رئيسي للفرص.
فالعراق ما يزال يعتمد على النفط في نحو 85–90 بالمئة من إيراداته، فيما يذهب ما يقارب 60–70 بالمئة من الإنفاق العام إلى الرواتب والتقاعد والدعم. في مثل هذا النموذج، لا يكون الفساد استثناءً، بل نتيجة منطقية، لأن المنافسة لا تدور حول من ينتج، بل حول من يصل. ولهذا، فإن الانتقال إلى ما بعد المحاصصة لا يبدأ بإلغاء التوازنات السياسية، بل بإضعاف الحاجة الاقتصادية إليها، عبر خلق مسارات نجاح خارج الدولة.
إصلاح عميق
لكن هذا التحول لا يتحقق بإجراءات جزئية. ورغم التقدم في توسيع الدفع الإلكتروني، فإن أثره يبقى محدودًا إذا لم يترافق مع إصلاح عميق للنظام المصرفي. فالمشكلة ليست في وسيلة الدفع، بل في وظيفة المصرف. نظام مصرفي يتركّز في إدارة السيولة أكثر من تمويل الإنتاج، لا يمكن أن يخلق قطاعًا خاصًا تنافسيًا. ولهذا، فإن التحول الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف دور المصارف، لتصبح أدوات تمويل واستثمار، تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتربط الائتمان بالبيانات الاقتصادية، لا بالعلاقات.
ومن هنا، يصبح بناء قطاع خاص تنافسي ليس خيارًا، بل شرطًا لتفكيك الاقتصاد الريعي نفسه. لكن هذا القطاع لا ينمو في فراغ، بل يحتاج إلى بيئة تتكامل فيها ثلاثة عناصر: التعليم، السوق، والتكنولوجيا.
فالعراق اليوم يواجه فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، واقتصاد رقمي ناشئ لا يجد قاعدة بشرية كافية. ولهذا، فإن أي خارطة تنموية للعشر سنوات القادمة يجب أن تعيد ربط هذه الدوائر، بحيث يتحول التعليم إلى منتج للمهارات، والسوق إلى مساحة تنافس، والتكنولوجيا إلى أداة إنتاج.
وخلال هذا الأفق الزمني، لا يكفي الحديث عن التنويع بشكل عام، بل يجب تحديد مسار واقعي. يمكن للعراق أن يستهدف رفع مساهمة القطاعات غير النفطية تدريجيًا من مستوياتها الحالية إلى ما يقارب 40–50 بالمئة من الناتج المحلي خلال عشر سنوات، ليس عبر القفز، بل عبر نمو تراكمي في قطاعات مثل الزراعة الحديثة، الصناعة الخفيفة، الخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي. هذا الهدف ليس طموحًا مفرطًا، بل قابل للتحقق إذا تم ربطه بسياسات واضحة: مناطق اقتصادية حقيقية، تشريعات مرنة، بنية رقمية داعمة، وتمويل إنتاجي فعّال.
وهنا يبرز دور المؤسسات الدولية ليس كجهات تمويل فقط، بل كشركاء في إعادة هيكلة الاقتصاد. فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب مؤسسات مالية أوروبية، يمكن أن يلعبوا دورًا محوريًا في دعم هذا التحول، ليس عبر القروض التقليدية، بل عبر برامج إصلاح مرتبطة بمؤشرات أداء، ونقل خبرات من تجارب ناجحة في دول مثل إندونيسيا ورواندا وجورجيا. هذه الدول لم تخرج من أزماتها عبر زيادة الإنفاق فقط، بل عبر بناء مؤسسات قادرة على ضبط القواعد الاقتصادية، وهو ما يحتاجه العراق اليوم.
لكن الاستفادة من هذه المؤسسات لا تعني نقل النماذج كما هي، بل توطينها. فالإصلاح لا يُستورد، بل يُعاد تصميمه وفق السياق المحلي. دور هذه الشراكات هو تقليل كلفة الخطأ، وتسريع التعلم، وتوفير غطاء دولي يعزز ثقة المستثمرين، ويخلق ضغطًا إيجابيًا باتجاه الاستمرارية.
قطاع خاص
ومع ذلك، يبقى التحدي الأهم هو إدارة هذا التحول دون صدمة اجتماعية. لا يمكن الانتقال من اقتصاد يعتمد على الدولة إلى اقتصاد يقوده السوق بشكل مفاجئ، لأن ذلك قد يخلق فراغًا خطيرًا. ولهذا، فإن التحول يجب أن يكون تدريجيًا: إبطاء التوظيف الحكومي بدل إيقافه، إعادة توجيه الدعم نحو الإنتاج، وتحفيز القطاع الخاص عبر أدوات ضريبية وتمويلية واضحة. الهدف ليس تقليص الدولة، بل إعادة تعريف دورها من موزّع للثروة إلى صانع للبيئة التي تُنتج فيها.
وهنا تتكامل الحلقات الثلاث. فالحكومة المختلفة التي طُرحت في البداية تحتاج إلى حماية، وهذه الحماية تحتاج إلى اقتصاد يدعمها. وكلما توسعت مساحة الإنتاج خارج الدولة، تقلصت الحاجة إلى إدارة التوازنات داخلها. الاقتصاد هنا ليس نتيجة للإصلاح، بل شرط لاستدامته.
لكن الخطر، كما في الحلقات السابقة، لا يكمن في الفشل المباشر، بل في النجاح الجزئي. لأن النجاح الجزئي قد يسمح للنظام بامتصاص التغيير وإعادة إنتاجه ضمن قواعده، بحيث يبدو وكأن الدولة تتغير، بينما هي تعيد ترتيب نفسها فقط. ولهذا، فإن معيار النجاح لا يكون في عدد المشاريع أو القوانين، بل في السؤال الأعمق: هل أصبح بإمكان الفرد أن ينجح خارج الدولة؟
في النهاية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، ولا الإصلاح عن بيئته. العراق لا يحتاج فقط إلى حكومة أفضل، أو رقابة أقوى، بل إلى نموذج يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق. نموذج لا يقوم على توزيع الريع، بل على إنتاج القيمة، ولا يعتمد على إدارة الأزمات، بل على تقليل الحاجة إليها. وهنا نعود إلى العنوان الذي بدأنا به: من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة. فالدولة لا تُبنى عندما تتحسن إدارتها فقط، بل عندما تتغير القواعد التي تُدار بها. وعندما يصبح إنتاج القيمة هو الأساس، لا توزيعها، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يخرج من دائرة “الاستقرار السلبي” إلى أفق أكثر استدامة. لأن أخطر ما واجه العراق لم يكن الفشل… بل القدرة على التعايش معه.






















