
رحل صادق الصائغ – حاكم الشمري
رحيلُ الفنان والخطاط العراقي صادق الصائغ ليس خبراً عابراً في سجل الوفيات، بل هو غيابٌ ليدٍ ظلّت تُجيد رسم الحرف بوصفه روحاً، لا مجرد شكل. رجلٌ من أولئك الذين آمنوا أن الحرف العربي ليس وسيلة كتابة فحسب، بل كيانٌ جمالي وثقافي يختزن هوية أمة كاملة.
تعرفتُ على الراحل في مرحلةٍ كنتُ فيها أشغل منصب مدير إعلام وزارة الثقافة العراقية، وكان قد عاد لتوّه من رحلة اغترابٍ طويلة، حاملاً معه خبرة السنين وحنيناً واضحاً إلى بغداد. لم يكن حضوره عادياً؛ كان هادئاً، عميقاً، ومشحوناً بذلك الشغف الذي لا يخفت رغم قسوة المنافي.
يُعدّ الصائغ من الأسماء التي تركت بصمتها الواضحة في فن الخط العربي المعاصر، إذ جمع بين أصالة المدرسة الكلاسيكية وروح التجديد. ومن أبرز محطاته أنه كان أول من خطّ أيقونة جريدة المدى، تلك الأيقونة التي ما زالت حتى اليوم شاهدة على حسه الفني وقدرته على تحويل الحرف إلى علامة بصرية راسخة.
ولم يكن ذلك الإنجاز الوحيد، فقد شارك معنا في تصميم وكتابة “لوغو” مهرجان المربد، وهو أحد أبرز المهرجانات الثقافية في العراق، حيث أضفى على الشعار روحاً تراثية ممزوجة بلمسة حداثية، جعلته أكثر من مجرد شعار، بل علامة ثقافية تحمل ذاكرة المكان والكلمة.
عمل الراحل أيضاً مستشاراً في وزارة الثقافة، مقدّماً خبرته وتجربته في خدمة المؤسسات الثقافية، إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في أنه لم ينل حقوقه التقاعدية رغم مراجعاته المتكررة. وهذه ليست مجرد قضية فردية، بل مؤشر على خللٍ مؤلم في التعامل مع رموز الثقافة، أولئك الذين يمنحون الوطن أعمارهم، ثم يجدون أنفسهم في نهاية الطريق بلا ضمانٍ أو تقديرٍ يليق بما قدموه.
إن سيرة صادق الصائغ تختصر حكاية جيلٍ كامل من المبدعين الذين تنقلوا بين الوطن والمنفى، بين الحلم والواقع، وبين التكريم والتجاهل. ومع ذلك، ظلّ وفيّاً للحرف، لم يتخلَّ عنه، ولم يساوم على جمالياته.
اليوم، ونحن نودّع هذا الفنان، لا نرثي شخصاً فحسب، بل نرثي مرحلةً من الإخلاص الفني، ونطرح سؤالاً كبيراً: كيف نحفظ حقوق مبدعينا وهم أحياء، قبل أن يتحولوا إلى مجرد ذكريات نكتب عنها بعد الرحيل؟
رحم الله صادق الصائغ، فقد رحل الجسد، وبقي الحرف شاهداً لا يموت.
























