ثلاثة لا تسألوا عنها رجاء – جليل وادي

كلام أبيض

ثلاثة لا تسألوا عنها رجاء – جليل وادي

بعد أن  أخذت الدنيا من الجسد ربيعه، واقترب العمر من السبعين، وبدأت الأشياء تفقد بريقها في العيون، وصلت الى قناعة لا يساورها شك ان ثلاثة أشياء في بلادنا لا قيمة لها، وتسألوني ما هذه الأشياء؟، وأقول لكم والقلب يعتصر، والدمع ينهمر، والعقل يندحر، فليس سهلا أن أقولها، بل من العيب الاشارة اليها، فهل يُعقل أن نكون هكذا، على عكس خلق الله. قل يا رجل ما تُريد، يستعجلني بعضكم، وأحاول التهرب من قول الحقيقة، ولطالما ترددت في الاعلان عنها، فمن الحقائق ما هو مر كالعلقم، وقاس كالفراق، ومظلم كليل كانون، ولذلك المرء يُحار، ولكني مجبر على قولها بعد طول تردد من أن يكون قولي فيه الكثير من الاحباط، بينما تمنيت ان أكون مشيعا للأمل في النفوس، ودافعا بالعجلة الى أمام، فمن لا يضع المستقبل نصب عينيه ، تأكد انه هائم على وجهه بلا هدف.

متحسرا تدور الكلمات في رأسي، فتصل الأشياء الثلاثة الى شفتي، فتخرج بعض حروفها وأعود لبلعها، فلا يليق بمن كان تاريخه كشمس آب أن لا تكون فيه قيمة للانسان والوقت والعلم، هذه هي الاشياء التي لا قيمة لها عندنا، وماذا بقي في حياتنا عندما لا تكون لهذه الأشياء قيمة، فلا أظن معنى للحياة بدونها، ولكم الدليل :

لقد فقدنا على مدى نصف قرن على أقل تقدير كما هائلا من ثروتنا البشرية، بمختلف أسباب الموت وفي عز الشباب، وطواها النسيان، ولم نلتفت الى الخلف لنتأمل، ولم نتوقف لحظة لنقول ان الانسان قيمة مقدسة، وما يجب أن تهدر بهذه الطريقة البشعة، ولم نتخذ من الاجراءات شديدها لوقف هذا الهدر، ولولا الموت المجاني لأصبح تعدادنا أضعاف ما نحن عليه، والبشر ثروة كما تعرفون، وللأسف تُبعثر هذه الثروة بأيدي المتخلفين والمجرمين ومن لا يعنيه سوى نفسه،  وما زال دولاب الهدر البشري متواصل الدوران من دون توقف.

وعلى مدى نصف القرن نفسه كم ذهب من الوقت سُدى، العالم من حولنا وصل الى آفاق بعيدة، وما زلنا نراوح في مكاننا، لا شيء واضح قد تحقق، بل بتنا نكابد ما يعد من بديهيات الحاجات الأساسية، نعاني من تعثر الكهرباء وشح المياه ونقص النفط والغاز مع ان بلادنا تطفوا على بحيرات منهما، ولن أتحدث عن الزراعة والصناعة والنقل والثقافة وغيرها. الوقت ثمين للمتطلعين للمستقبل، لكنه رخيص لمن لا يبصر أبعد من قدميه. علميا لست بحاجة لدليل لكي أثبت التراجع المريع الذي نمر به، الشعوب تتقدم، القريبة منها والبعيدة، ونحن نتراجع الى الخلف، والبون بينهم وبيننا شاسع، وردم هذه الفجوة بات من المستحيلات، وصرنا مستسلمين لأقدارنا، ويا لها من أقدار، يمكن لأي عدو العبث بمصيرنا، لماذا؟ لأن العلم صار من المهملات، ولا ثمن له ولأصحابه الحقيقيين، وليس لأولئك الذين تحصلوا على شهاداته مجانا، صار ضابط أمن بسيط او نائب مغامر أهم من عالم جليل في مجالسنا وفي دوائرنا، ويتبوأ غير العارفين صدارة مؤسساتنا، بينما العلماء والمفكرون يهمشون، مع انهم رفدوا المكتبات بعصارة فكرهم، وأنفقوا عليها من قوت عيالهم، ولم يتلقوا من الدولة ما يستحقون ماديا او حتى معنويا، مع ان لا قيمة للمعنوي ان لم يعزز بما هو مادي، كما لا يتلقون سوى أبخس المبالغ ازاء ما يقومون به من جهد علمي، وربما تستغربون ان حدثتكم بالتفاصيل، لم يحدث أن تذوق المبدعون بهجة احتفال بلادهم بهم في حياتهم، مع انهم محل فخارها بعد مماتهم.

وكثيرا ما يتشدق من أسموا أنفسهم بالقيادات وحملة راية التغيير بهذه الأشياء الثلاثة : الانسان والوقت والعلم، وقالوا بملء الفم منذ أبصرنا الدنيا ان الارتقاء بالبلاد وتحقيق رفاهية أبنائها أول ما يجهدون لأجله، وتبين ان ما قالوه ليس سوى شعارات، وعبارات انشائية للاستهلاك السياسي، ووسيلة لبلوغ العالي من الكراسي، وفي النهاية وجدنا أنفسنا في مؤخرة الركب، نتحسر على أبسط الخدمات، ومحل تندر الآخرين الذين كانوا في نظرنا متخلفين رجعيين، يوم كنا نوصف بالتقدميين، وفي خضم فوضانا اختلطت المعاني، فما عاد من تمييز واضح وصريح بين الرجعي والتقدمي، الوطني والعميل، المقاوم والمستسلم.

[email protected]