

شعب يشبه القلب… والعراق الذي يتعب ولا ينكسر
هدير الجبوري
المراقب للوضع العراقي من الخارج يرى أرقاماً وأخباراً وتحليلات سياسية، لكنه لا يرى الحقيقة كاملة. أما من يعيش داخل هذا الواقع، من هو جزء من تفاصيله اليومية، فهو وحده من يعرف كم أن هذا الشعب تعب، وكم أنه رغم ذلك ما زال واقفاً.
الشعب العراقي شعب بسيط أكثر مما يظن كثيرون، وعاطفي أكثر مما يتصور البعض، ومتسرع أحيانا نعم، لكنه متسرع بقلب لا بعقل سيئ، ومندفع بطيبة لا بخبث.
يتأثر بسرعة، يفرح بسرعة، يغضب بسرعة، يختلف بسرعة، لكنه أيضا يسامح بسرعة ويعود إلى صفائه كأن شيئا لم يكن.
يكفي أن تفتح مواقع التواصل الاجتماعي لترى صورة مصغرة عن هذا المجتمع.
كل يوم قضية جديدة، وكل يوم حديث يجمع الناس، وكل يوم شخصية تتحول إلى بطل سوبرماني في نظر البعض، ثم إلى موضع خلاف في اليوم التالي. ترتفع الأصوات، تشتد التعليقات، وتصل أحيانا إلى السباب، لكن حين تنكشف الحقيقة يعود كثيرون إلى أصلهم النقي، إلى تلك الفطرة العراقية التي مهما غطاها الغبار تبقى ناصعة.
لا شعب يشبه الشعب العراقي، وهذه ليست مبالغة. ربما لأن كثيرا من الشعوب لم تعش ما عاشه العراقيون.
هذا شعب كلما فتح نافذة فرح، دخلت منها رياح حزن طويلة.
حرب تنتهي لتبدأ أخرى، حصار يرفع ليأتي بعده ضيق جديد، وعود تتكرر ولا تتحقق، وأحلام تمر عليها السنوات وهي ما زالت معلقة بين الانتظار والصبر.
منذ أن وعى العراقي على هذه الحياة، وهو يبحث عن معنى الاستقرار.
أجيال كاملة كبرت وهي تسمع عنه أكثر مما تعيشه. هذا البلد الذي لا يشبهه بلد، مر بما يكفي لأن ينهك أمماً كاملة، لكنه ما زال حياً بأهله، نابضا بأوجاعهم وأملهم معا.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن العراقي لم يكن طماعاً يوماً، ولم يطلب المستحيل.
لم يكن يحلم بقصور ولا برفاهية خارقة.
كان حلمه بسيطا جدا: عيش كريم، راتب مستقر، بيت آمن، ماء لا ينقطع، كهرباء لا تغيب، فرصة عمل تحفظ الكرامة، ومستقبل هادئ لأطفاله.
كل عائلة عراقية كانت تتمنى أن تنال لقمة عيش نظيفة، وأن تؤمن مستلزمات يومها دون إذلال، وأن ترى أبناءها يكبرون في ظروف أفضل منها.
هذه كانت الأحلام الكبرى لشعب عظيم… أحلام تبدو في أماكن أخرى حقوقا بديهية.
العراقي كان دائما يرضى بالقليل، ويفرح بالقليل، ويصنع من أبسط النزهات ذكرى جميلة، ومن أبسط المناسبات عيداً صغيراً.
يبتسم لراتب متواضع إن كان منتظما، ويشكر الحياة على يوم هادئ بلا خوف.
ومن يظن أن هذا الشعب متطلب أو جشع، فهو لم يعرف العراقيين حقا.
العراقي يريد أن يعيش فقط… بكرامة، بلا قلق، بلا انتظار دائم، بلا خوف من الغد.
ويبقى السؤال معلقا في قلوب الملايين:
متى يأتي اليوم الذي يهدأ فيه هذا البلد ..وينال هذا الشعب مايتمناه ؟
متى يستريح العراق من العواصف التي عصفت به طويلا؟
متى يصبح الفرح فيه عادة لا استثناء، والاستقرار واقعا لا أمنية؟
سيأتي ذلك اليوم، لأن بلدا كل هذا الألم مر به ولم يسقط، لا بد أن يأتيه زمن يستحقه.
ولأن شعباً بكل هذا الصبر، لا بد أن يكافأ أخيراً
























