

بيروت – الزمان
صدر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب بعنوان ” بلاغة النص نماذج من أبي تمام ” للبروفيسور عبد القادر الرباعي. فيما يلي ما يقوله الرباعي عن كتابه:
النص هنا هو القصيدة. والشاعر هو أبو تمام.والعمل فيه تؤلفه محاور ثلاثة:
أولها التحليل البلاغي. ونحن حسب مورتن وايت (Morten White ) – في عصر التحليل. وهو البحث المعمق في الكلمة ومحاورها، والصورة ؛ مصدرها، وتشكيلاتها، والمعنى وأعماقه وصولًا فيه إلى معنى المعنى. وثانتي الأبعاد هو تحليل الإيقاع الموسيقي، ومتابعة طبقاته الثلاث: الأدنى، والأعلى، وبينهما الوسط. ويتم الكشف عن ذلك من خلال رفع الستار عن البحر وتفعيلاته، ثم متابعة تغيرات تلك التفعيلات في ظل الزحافات والعلل الخاصة بالنص، للوصول إلى تطبيق ذلك من حيث تصنيف ويمزات Wimsatt لشكل الإيقاع. الذي وضع مقياس ذلك في نموذجين: البسيط ممثلًا بحرف ( z ) ووصفه ببلاط رصف الشوارع. والمركب ممثلًا بحرف ( w ) ووصفه بشكل الآلة الكاتبة. وبعد تطبيق تفعيلات البحر بأشكالها الجديدة، ومتابعتها في نص القصيدة المطروحة للتحليل بيتًا بيتًا / شطرًا شطرًا ، يظهر لنا الشكل الإيقاعي بطبقاته، ومراتبه، وتنظيماته القابلة للحكم على بنائها البسيط ، أو المركب، وإبراز ذلك بلوحة تظهر ذلك الشكل الإيقاعي بطبقاته وأبعادها.
وثالث المحاور : المجمع البلاغي الذي عادة ما يكرس الهوية الإبداعية، والمجمع الثقافي بنسقه الظاهر والمضمر – عنوان النقد الثقافي. فالقيمة الإنسانية تتمثل في تكوين مجتمع ثقافي تعددي سوي متآلف يشد بعضه بعضًا.
وفي إنجاز هذه المحاور الثلاثة، يتكامل العمل في إغناء بلاغة النص، بمضامين وأنساق، ومعان. وذلك تغذية لفحوى بلاغة التكوين – بلاغة العصر- نهج النقد الثقافي. بهويتها الإنسانية، وثقافتها التنوعية، ومنابعها اللغوية، ورموزها المفصلية كالتالي:
هذا الكتاب : محتواه مثلث يعج بالمعنى التعددي: أوله بلاغة العصر- بلاغة التكوين، وثانيه نص القصيدة، وثالثه أبو تمام : شاعر النماذج الشعرية المختارة. وتاليًا كلمات في هذا المثلث المثال:
الأول: البلاغة التكوينية Constitutive Rhetoric:
أبدأ بفقرات عن البلاغة التكوينية. إنها تكوين لعناصر جديدة مجددة في اللغة والثقافة: أبدأ بما قالته وكابيديا Wikipedia: هي نظرية في الخطاب تتناول قدرة اللغة أو الرموز على خلق هوية جماعية لدى الجمهور ولا سيما من خلال تكثيف الرموز والأدب. هي نظرية بلاغية تركز على اللغة والرموز في بناء الهوية الجماعية.تعرف كفن بناء الشخصية والثقافة في اللغة، حيث لا يقتصر دورها على الإقناع فحسب، بل في خلق واقع مشترك يدفع الجمهور لاتخاذ إجراءات تعزز هويتهم. وهي نظرية حديثة تسعى لفهم كيف يشكل الخطاب تصوراتنا ةعلاقاتنا الاجتماعية، مبتعدة عن المفهوم التقليدي للبلاغة كأداة إقناع مباشر. وظيفتها تتناول القدرة على خلق هوية للجماعة ( جمهور ) من خلال رموز التكثيف والسرد والأدب.
وذلك يعني: البلاغة التكوينية هي نظرية وضعها جيمس بويد وايت James Boyd White تعنى بقدرة اللغة، والرموز على إنشاء هوية جماعية، وتشكيل الثقافة والمجتمع من خلال السرد والأدب، بهدف هذا الخطاب. إلىا بناء الشخصية الجماعية، وتعزيز ثقافتها بعيدًا عن البلاغة القديمة ومهوم الإقناع المباشر. وهو ما وصفه وايت – بفن بناء الشخصية، والمجتمع والثقافة في اللغة.
ولعل أبرزنقاط بلاغة التكوين ، خلق الهوية التي لا تقتصر على الإقناع، بل تعمل على تكوين
تصورات الجمهور وهويته. والعمل على رموز للتكثيف في استخدام الهوية الجماعية. وغالبًا ما تدعو وفي الجانب العملي إلى اتخاذ إجراءات محددة لبناء هذه الهوية المجتمعية. ويتابع وايت وصف البلاغة بقوله:
إنها تكوين فني وليس ذاتًا فارغة. إنها تبتدع وتقوي الثقافة والمجتمع، ولا يمكن أن تُرى عل أنها مجرد علم عاجز وضعيف، ولا هي مجرد فن رخيص للإقناع كما هي الحال غالًبًا. بل تقوم عل أساس فني مركزي يؤسس لثقافة ومجتمع جديدين وثابتين. أنا أدعو هذه البلاغة بلاغة التكوين.إن ذلك يتطلب الالتزام بنظرة التعدد والشمولية، وأن يتم تجسيد هذه النظرة في المجمع البلاغي من خلال مكوناته المجتمعية، والثقافية الكاملة دون التوقف عند جزئيات لا تستند إلى مرجعيتها في النص الكلي.
إن بلاغة التكوين هي بلاغة العصر، ونهجها هو النقد الثقافي، وهويتها تتمثل في تكوين البلاغة المعاصرة- بلاغة التكوين . إنها بلاغة العلوم الإنسانية. تتجلى وظيفتها في انبثاق الهوية، وتجلي الصورة الفنية، وصنع المعنى من خلال خطاب الثقافة. كما تركز عل تكوين الفن، وتفعيل اللغة بصفتها أداة للقيم، وخلق مجتمعات متعددة ، متفاعلة. كما تساهم في رصد التجارب الإنسانية المؤثرة وتفعيلها. عالمها متعدد الأقطاب. الإنسان هو محورها، والفن روحها، واللسان أداتها، والثقافة زادها، والقيمة تاجها. وباختصار: هي بلاغة الإنسان واللسان.
الثاني: النص Text:
هوعنصر تكاملي يتم عن طريق المقاربة بينه والقصيدة الشعرية التي تجتمع فيها الصورة الفنية،
والإيقاع الموسيقي. أما نص القصيدة، فعالم شاسع وكبير، ولايمكن حصره. ولا يتم تحديد هويته إلا بالقراءة، والتحليل. فالقارئ الضمني أحد ركائز هذا النص الشعري الكلي الذي سمي بالقصيدة. لم يعد بالإمكان الآن أن نفهم النص الشعري ( القصيدة ) لابحدود البيت وما شابه؛ وإنما أن ننظر في النص الشعري بكل مكوناته ضمن إطار البلاغة التكوينية الجامع والكاشف. ومن هنا نؤمن ونردد بالاتفاق التام مع ما قاله دريدا Derida ورددناه داخل الكتاب حول تمامل النص حيث قال: ( ليس ثمة شيء خارج النص ). وهذا ينطبق على القصيدة باعتبارها نصًا متكاملًا، فليس ثمة شيء خارجها.
ولأن البلاغة التكوينية – كما أدركنا غاياتها – تنزع إلى الكل لا إلى الجزء حسب، فإننا ونحن نهتم بالقصيدة نصًا كاملًا، نحقق مبتغى هذه البلاغة بصفتها العنوان الأساسي لهذا البحث المتكامل. وما دمنا نتعامل مع القصيدة بصفتها نصًا، فإننا نتوجه إلى تحليلها، وذلك من مبدأ أن عصرنا هو عصر
التحليل مثلما أكدنا ذلك داخل هذا الكتاب، مهتدين بدراسات في هذا الشأن وافية، وشافية.
وفي إطار هذا التحليل اعتمدنا ثلاث محطات متتابعة. أولها تحليل القصيدة / النص تحليلًا بلاغيًا, وثانيها: تحليلها تحليلًا إيقاعيًا. وثالثها: تحليلًا ضمن ( المجمع البلاغي ) في إطار الهوية، والمجتمع، والثقافة. لقد وقفنا في التحليل الثلاثي السابق الذكر، عند أحد عشر نصًا / قصيدة من شعر الشاعر أبي تمام, بدأناها بقصيدة عمورية:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعبِ
وختمناها بقصيدة أسميتها مناجاة الذات لدى الشاعر نفسه يقول فيها:
ألَمْ يَاْنِ لا عَليَّ ولا لِيَا وعتَزْمِي على ما فيهِ إصلاحُ حاليَا؟!
الثالث: ذاتية أبي تمام في حيز من حياته:
أبو تمام شاعر من أهم شعراء البديع في العصر العباسي. والبديع هو الشعر المجدد للمنظور الشعري مقابل عمود الشعر أي قديمه. وكان أبو تمام يعنى بالاستعارة مقابل عناية القديم بالتشبيه .
يروى عن أبي تمام: أنا ابن قولي:
نقِّلْ فؤادك حيثُ شئْتَ من الهوى ما الحب إلّا للحبيبِ الأولِ
كًمْ منْزلٍ في الأرضِ يأْلفُهُ الفتى وحنينُهُ أبَدًا لأولِ منْزِلِ
وقيل: كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه! وكأنه قد علم ما سيقول، فأعد له جوابًا. وهو يروى أن رجلًا قال لأبي تمام بومًا: لِمَ تقول من الشعرِ ما لا يفْهم؟. فأجابه أبو تمام: ولِمَ لا تفْهَمُ من الشعر ما يقال، فنطق بما نسميه اليوم بنظرية التلقي والتأويل، التي أتتنا من عالم الغرب؟!.
أبو تمام أصله من قبيلة طيء العربية. قيل في هذا: كان لأبي تمام مِطْرفٌ من خزٍّ يساوي خمسة دنانير، فخرج يومًا وهو يلبسه، فاعترضه بعض الشحادين الذي ذكر أنه غريب، وقُطِع عليه الطريق، وعُرِّيً. فألقى أبو تمام عليه مِطْرفه. فقيلله: إنه كان يكفيكَ أن تهب له درهمًا، فقال:
لست إذن من طيّيْ!!!!. كان أبو تمام رجلًا طوالًا حلْوَ الكلام فصيحًا. هو شامي أساسًا، وكان في بدايته منقطعًا إلى جماعة من الطائيين بحمص ، ثم انتقل إلى مصر، لكنه عاد إلى دمشق. ثم سار إلى المأمون في بلاد الشام، لكنه ارتحل بعد ذلك إلى المعتصم في العراق، وفي مدح المعتصم قال قصيدته المشهورة :
السيف ىأصدق أنباء من الكتب في حدِّه الحدّ بين الجِدّ واللعب
وكان الجاحظ يقول: ( أبو تمام أحد جهابذة الكلام، ونقّاد المعاني. وفي شعره الرائق الذي لم يسبق إليه. إنه الفخم الجزل، الذي لم يشاركه أحد فيه، وكان يذهب مذهب مسلم بن الوليد وغيره من أصحاب البديع ).
وقال الشاعر البحتري – وهو تلميذ أبي تمام في الشعر: ( لو رأيت أبا تمام، لرأيت أكمل الناس عقلًا، وأدبًا. وعلمت أن أقل شيء فيه شعره!). وقيل: ( ما كان أحد من الشعراء يقدر أن يأخذ درهمًا في أيام أبي تمام. فلما مات اقتسم الشعراء ما كان يأخذه ).
أما أنا فكنت مع ىأبي تمام لأكثر من نصف قرن، منذ دراستي لمسلم بن الوليد رسالتي في الماجستير عام 1973، ودراستي لشعر أبي تمام نفسه في رسالتي للدكتوراة ( الصورة الفنية في شعر أبي تمام ) عام 1976. ومنذ ذلك الوقت لا أغادر أبا تمام أبدًا حتى أتت البلاغة التكوينية فكان شعر أبي تمام العظيم مرجعي وملاذي.وبهذا انتهت النتائج الثلاث ذات الأركان الثلاثة:
الأول بلاغة التكوين .Constitutive Rhetoric
الثاني : النص. Text / القصيدة الشعرية.
الثالث: الشاعر أبو تمام الطائي – شاعر البديع في عصره.
























