السيدات وأحجار الطالع
علي الطائي
شجرةُ السّدْرِ الظّليلة المُعمّرة
ألغى قيلولتَها في ساعة النعاس هذه
الخالية من المارّة
شابٌ أمردُ يُسنِدُ شابة فرعاء
الى جِذْعها العريض الخشن
الذي عرف من قبلُ الكثيرَ منهما0
إنهما منشغلانِ بالنجوى المتشابكة الأيدي
ومراقبة ماحولهما بالتلفّت الحَذِر0
ويقترب زورقٌ سريع من الضّفة
باتّجاه الشاطيء الصخري
فيفيقُ الاثنانِ ويصبحانِ مُحايدَين
مبتعداً كلّ منهما عن الآخر
متوجّهَيْنِ صوب شارع الرشيد 0
كنتُ أراقبهما من هنا من غرفتي الموحشة
المُلحقة بداركبيرة أعملُ حارساً ليلياً فيها
2
وعلى الرغم من وحشتها
إلاّ أنها تُطلّ على النهر
ومقاهيه ومشاربه الصيفيّة المهجورة
ومطاعم شَيِّ السّمك المُخَرّبة
وزوارق الصيادينَ المُنكفئة خارج الماء0
وهبّتْ أنسامٌ رطبة غمرتِ المكان
تحملُ ظلال مَنْ ضحكوا هنا في الصباحات
وبكوا بصمت في المساءات
فأيقضتِ النوارسَ الغافية على رمال الشط0
وانتقلتُ لأطلّ من شُرفة جانبية لغرفتي
تتدلى عليها أغصانُ اشجار السّدر
ورحتُ أراقبُ مايدورُ وأتسمّعُ لِما يَصلني
من حديقة سيداتي الأربع السّاهيات
صاحبات الدارالتّرِفات الجالسات الآن
تحت ظلال السّدر مابعدَ ظهيرة من أيلول
في الساعة التي تَحْفلُ بها
موائدُ بأكواب الشاي وفناجين القهوة
والكعك المُحلّى وعصائر الفاكهة والمربى
وصحون شرائح الجبن العربي
والزيتون البغدادي الأسود الناعم الحبّات
تطوفُ حولهنّ خادمتهنّ هنّاوي
ذات العينين السوداوين الواسعتين
والصدر الناهد والقوام الأهيف
توزّغ ابتساماتها بغنج هاديء
وتُرْسلُ اليّ التفاتات نشوى0
انهنّ خليلاتٌ انفصَلنَ عن خلاّن
جمعتهنّ شكوى الهجران الى طاولة من الرخام
3
كُنّ نثرنَ عليها أحجار التّمنيات
الزُرْقَ والحُمْرَ والصُفْرَ والسّودَ والبِيض 0
كُبْراهنَ قالت
هذا الاحمرُ00 لم يَخْذلْني إلاّ مرّات
لَمْسُهُ كان يُعيدُ إليّ دَمي
دَمي الذي يأخذهُ معه مَنْ يُسافرُ وحدَه دوماً
ويترُكني ليلي ونهاري في عُهْدة السيدة أم كلثوم
أما هذا الأسودُ قالت الوسطى
فقد صَدَمْتُهُ بالأبيضِ مرّةً
فأقبلَ نحوي بِمَنْ أظلّ أتّنفسُ معه
مايُديم عافيتي
ويُدْخلني في لجّة عذْبة
لاتشبهها حتى لُجّة البحر
الثالثة قالت ْ
أما أنا فلم أعُدْ أصدّ ق
أنّ مَنْ كانَ معي وفقدتُة رغماً عنُي
يُعيدهُ إليّ حجرٌ صامت 0
فصِحْنَ تكذبينَ يادعيّة
وتصاعدتْ ضَحِكاتٌ لهنّ ناعمات
يالسعادةَ القُبَلِ لو حظيت بها0
فردّت لكنني لا أنكِرُ أني
تراجعتُ عدّة مرّات عن هذا
وصدّقتُ الحجر0
وبادرتِ الصُغرى
أمّا أنا فكما علمْتُنَّ فقد وثقْتُ أخيراً
أنّ الروحَ إذا ما عَثرَتْ على مُرادها
في زمان صديق
4
يَكفلُ لها دِفْءَ مكان صديق
تفتّقَ بُرعُمُ الرغبة
كحبّة الفستق الحلبي0
أما النّفْخُ في العُقد
وقراءةُ مزاجِ المرّيخ
والّلعِبُ بالأحجار
فذلك تَعَبٌ لا رجاءَ منه أبداً0
وواصلنَ شُرْبَ قهوتهن المُحلاّة
وأكلْنَ بعضاً من الكعك المُحَلّى
وأخذن رشفات من شراب البرتقال
ثم انتبهنَ ورُحنَ يتعطّرنَ ويُعدِّلنْ من زينتهنّ بدلال
وانْسَحبنَ لينحدرنَ كالعادة سيراً على الاقدام
من دارهنّ المُطلّةِ على شارع أبي نؤاس
الى حلاّقتهنّ العانس جودي
في شارع السّعدون
وبعدها يأخذنَ سيارة أجرة على عجَل
ويتوجّهنّ الى أحد أسواق القماش في الكرّادة 1
مروراً ب قهرمانة 2 وهي تُجْهِزُ على اللصوص
ولكثرة ما مرَرنَّ بها
كُنّ يسألنَها مازحاتٍ عمّا إذا كان لخلاّنهنّ صراخٌ
لم يزل يُسْمَعُ من جِرار علي بابا حتى الآن0
وتبدأ هنّاوي بإضاءة مصابيح البيت
ونَقْلِ كلّ شيء من على الطاولة الى الداخل
تاركة الأحجار في مكانها0
ثم تُضيءُ غرفتَها المعزولة خلف مطبخ الدار
وتَشرعُ تستمعُ الى أغنية
أنا باستناك وليلي شمعه سهرانه لنجاة الصغيرة
5
وبدوري أبدأ أفكّر بزيارتها لفكّ عُزْلتِها
قبل عودة السيدات من السوق
فألقي عليها تحية المساء
وأسْمِعُها ماتُحبهُ من الثناء على محاسنها0
وبدأ هدوءُ الحديقة يتلاشى
في وسط ضجيج أصواتُ العصافيروالفاختات
وهي تأوي الى ملاذاتها المهدّدَة
في أعالي اشجار السّدر الهرمة0
وتحت أنفاس هذا الغموض الحزين
بقيت الاحجارُ على الطاولة
تحدّقُ في عتمة المساء كأسرى
ينظرونُ عبْرَ نوافذِ عربةٍ ، نصفِ مُضاءة ،
في قطار لَيْليّ يصرخ كالطعين
مُخترقاً ظلمة البراري 0
/5/2012 Issue 4207 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4207 التاريخ 23»5»2012
AZP09
























