التحرر من الجوع

التحرر من الجوع
جوزيه غرازيانو دا سيلفا
يشمل إقليم الشرق الأدنى وشمال إفريقيا عدداً من أفقر البلدان في العالم وكذلك من أكثرها ثراءً، لكن ثمة مشكلات مشتركة تجمع بين هذه البلدان وتلك… طُرحَت على بساط البحث في غضون مؤتمر المنظمة الإقليمي للشرق الأدنى الذي اختتم أعماله للتو بمقر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.
وتتصدّر قائمة هذه المشكلات المشتركة جيوب الفقر الريفي المنتشرة هنا وهناك، والاعتماد الشديد على واردات الغذاء بحدود 90 بالمائة في بعض الحالات ، والعواقب النوعية لتغيّر المناخ، وارتفاع درجات الحرارة على نحو يفاقم خاصة من مشكلة الموارد المائية النادرة، وانخفاض الغلة المحصولية بما لا يتجاوز 60 بالمائة أحياناً من الإمكانيات الكامنة.
في الوقت ذاته، إذ يتناقص حجم المساعدات الإنمائية الدولية المتاحة في المناخ الدولي الراهن للكساد الاقتصادي، تمسّ الحاجة أكثر فأكثر إلى تدعيم أواصر التضامن الإقليمي على نحو متزايد للمساعدة على طرح الحلول لتلك التحديات. وينبغي لبلدان الشرق الأدنى، لا سيما تلك ذات مستويات الدخل الأعلى، أن تلتزم بالنظر في رصد أموال إضافيّة لتعزيز مستوياتها من الأمن الغذائي والتنمية الزراعية.
وأعتقد أن تعبيراً ملموساً عن تبنّي موقف مشترك فيما يخص الأمن الغذائي يتجسّد على هيئة إنشاء صندوق أمانة إقليمي لتمويل مختلف الحلول المستدامة الممكنة إزاء شتى التحديات التي تواجهها بلدان الإقليم. ولقد عَرضُت اقتراحاً يتضمن هذه الفكرة على مؤتمر المنظمة الإقليمي للشرق للشرق الأدنى الذي أنهى أعماله للتو في العاصمة الإيطالية روما.
وفي الواقع، ثمة صندوق أمانة مماثل بمشاركة من أطرف المجتمع المدني والقطاع الخاص على بساط البحث حالياً مع البلدان الإفريقية، والتي وافقت على تصعيد تعاونها مؤخراً في الحرب على الجوع.
وعلى وجه التحديد، من الممكن تسخير موارد مثل هذا الصندوق لمساعدة بلدان الإقليم على تطبيق نُظم مرنة في قطاعات الزراعة، والثروة الحيوانية، والإنتاج الغذائي من خلال الاستثمار الإضافي في نماذج الزراعة الذكية مناخياً ونشر أساليب الإنتاج المستدام.
كذلك يمكن تسخير موارد صندوق الأمانة المقترح في النهوض بمستويات الحوكمة وإدارة الموارد الطبيعية وخصوصاً المياه، مع العمل على بلوغ الحد الأقصى من الوفر المائي والمعدلات القصوى من الإنتاجية والغلة مقابل كل قطرة مياه في إقليم يعد من بين الأكثر جفافاً في العالم. ولقد أضحى ذلك أولوية اليوم بعدما كشف العلماء عن زيادات منتظرة لدرجات الحرارة في الأمد القصير بما يصل إلى 4 بالمائة مئوية إضافية فضلاً عن انخفاض كميات هطول الأمطار بحدود تبلغ 29 بالمائة.
وعلى نحو خاص، تواجه الثروة الحيوانية تهديدات كبرى بما تمثله بين 30 و50 بالمائة من مجموع الناتج الزراعي في الإقليم، كنتيجة مباشرة لتدهور موارد المراعي الطبيعية وتزايُد الإجهاد الحراري بسبب تغيّر المناخ.
ومن خلال مساندة التنمية الزراعية الذكية مناخياً عبر مختلف أنحاء الإقليم، من شأن صندوق الأمانة أن يعالج أيضاً الظاهرة المتزايدة للفقر في تجمّعات المدن، والبطالة المستشرية في صفوف الشباب. ويمكن أن يساعد توفير فرص العمل اللائقة للشباب على تقليص ضغوط الهجرة الريفية إلى المناطق الحضرية.
لكن تدعيم أركان الأمن الغذائي ليس قاصراً على اعتبارات رفع إنتاج الأغذية وحدها، إذ لا بد من بين جملة عوامل أخرى النظر أيضاً في أنماط الاستهلاك الغذائي السائدة.
وبالمثل فأن خفض الخسائر وتقليص الهدر الغذائي والحد من فاقد المواد الغذائية هو سبيل آخر متاح لتعزيز الأمن الغذائي بلا إلقاء مزيد من الضغوط على الموارد المحدودة من الأراضي والمياه. وثمة وفورات كبرى يمكن أن تتحقق فعلياً من هذا السياق، حيث قدَّرت المنظمة فاو أن خسائر الحبوب في إقليم الشرق الأدنى تتجاوز كل عام كمية 16 مليون طن. كذلك يهدَّر كل عام نحو 15 بالمائة من البقوليات، وأكثر من 30 بالمائة من الأغذية العُرضة للتلف السريع مثل الفاكهة والخضروات، ومنتجات الألبان، واللحوم والأسماك.
وختاماً، أعتقد أن النهوض بنُظم الحمية سيكون له دور بالغ الأهمية أيضاً. ففي بعض بلدان المنطقة تسود معدلات للسمنة هي من بين الأعلى في العالم. ولا غرار أن معالجة هذه المشكلة سيخفّض الضغوط على الموارد المالية والطبيعية، أخذاً بعين الاعتبار أن إنتاج كيلوغرام واحد من الحبوب يتطلّب 1500 لتر من الماء، وإنتاج كيلوغرام واحد من اللحم يحتاج إلى عشرة أضعاف ذلك.
وإذا كانت التحديات التي تواجه إقليم الشرق الأدنى اليوم باعثة على الرهبة إلا أني مقتنع مع ذلك بإمكانية تدبير حلول ناجعة لها. ومن خلال العمل المشترك سوف تضمن بلدان الشرق الأدنى وشمال إفريقيا أن التقدم الاقتصادي الرائع الذي حققته سُيناظره تقدّم سريع مماثل نحو التحرر من ربقة الجوع.
المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة فاو .
/5/2012 Issue 4206 – Date 22 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4206 التاريخ 22»5»2012
AZP07