طباخ سوري يستضيف الملك تشارلز في مطعمه بلندن

‭ ‬لندن‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬في‭ ‬بال‭ ‬الطاهي‭ ‬عماد‭ ‬الأرنب‭ ‬عندما‭ ‬فرّ‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬النزاع‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬ليخوض‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬وخطيرة‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬أن‭ ‬يستقبل‭ ‬يوما‭ ‬الملك‭ ‬تشارلز‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مطاعمه‭.‬

في‭ ‬مطبخ‭ ‬مطعمه‭ ‬في‭ ‬سوهو،‭ ‬الحي‭ ‬النابض‭ ‬بالحياة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭ ‬البريطانية‭ ‬لندن،‭ ‬يشرح‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬البالغ‭ ‬48‭ ‬عاما‭ ‬أنه‭ ‬التقى‭ ‬بالملك‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬باكنغهام‭ ‬خلال‭ ‬فعالية‭ ‬إنسانية‭ ‬عام‭ ‬2023‭.‬

واستذكر‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ “‬قلت‭ ‬له‭: +‬أودّ‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬تزور‭ ‬مطعمنا‭ ‬يوما‭ ‬ما‭+‬،‭ ‬فردّ‭ ‬عليّ‭: +‬سأكون‭ ‬سعيدا‭ ‬للغاية‭ ‬بذلك‭+”. ‬وتابع‭ ‬من‭ ‬مطبخه‭ ‬وسط‭ ‬صوت‭ ‬قرقعة‭ ‬القدور‭ ‬وفرقعة‭ ‬الزيت‭ “‬كنت‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬السعادة‭”.‬

وفي‭ ‬شباط‭/ ‬فبراير‭ ‬2025،‭ ‬جاء‭ ‬الملك‭ ‬أخيرا‭ ‬إلى‭ ‬مطعمه‭ ‬ذي‭ ‬الجدران‭ ‬البيضاء‭ ‬والطاولات‭ ‬الخشبية‭. ‬وبين‭ ‬كثافة‭ ‬كاميرات‭ ‬التصوير،‭ ‬لم‭ ‬يتناول‭ ‬تشارلز‭ ‬الثالث‭ ‬الغداء‭ ‬هناك،‭ ‬لكنه‭ ‬تحادث‭ ‬مع‭ ‬أعضاء‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭ ‬السورية‭.‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬تشريفا‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭ ‬لعماد‭ ‬الأرنب،‭ ‬الذي‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬عند‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفي‭ ‬جيبه‭ ‬12‭ ‬جنيها‭ ‬استرلينيا‭ ‬فقط‭ (‬13,70‭ ‬يورو‭).‬

في‭ ‬دمشق،‭ ‬كان‭ ‬يدير‭ ‬الأرنب‭ ‬إمبراطورية‭ ‬طبخ‭ ‬تضم‭ ‬مطاعم‭ ‬ومقاه‭ ‬ومحال‭ ‬عصائر،‭ ‬دمِّرت‭ ‬بعد‭ ‬ستة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬عام‭ ‬2013‭. ‬وبعدما‭ ‬خشي‭ ‬على‭ ‬حياته،‭ ‬سلك‭ ‬طريق‭ ‬المنفى،‭ ‬متنقلا‭ ‬عبر‭ ‬أوروبا‭ ‬لمدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر،‭ ‬في‭ ‬مؤخر‭ ‬الشاحنات،‭ ‬وفي‭ ‬القطارات،‭ ‬وعلى‭ ‬الأقدام،‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬الدراجة‭.‬

وقال‭ ‬لوكالة‭ ‬فرنس‭ ‬برس‭ “‬رحلت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬شيء‭”.‬

وعند‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬أخته‭ ‬قد‭ ‬استقرّت‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬غسل‭ ‬السيارات‭ ‬وبيعها،‭ ‬وراح‭ ‬يدّخر‭ ‬المال‭ ‬ليتمكّن‭ ‬بعد‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬استقدام‭ ‬زوجته‭ ‬وبناته‭ ‬الثلاث‭.‬

وحتى‭ ‬وهو‭ ‬بلا‭ ‬مأوى‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬كان‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يُعدّ‭ ‬الطعام‭ ‬للاجئين‭ ‬الآخرين‭. ‬ويعلّق‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬قائلا‭ “‬لطالما‭ ‬وددت‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الطبخ‭”.‬

أطلق‭ ‬أول‭ ‬مطعم‭ ‬مؤقّت‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬بمساعدة‭ ‬أصدقائه،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فهو‭ ‬يدير‭ ‬مطعمين‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البريطانية‭: ‬واحد‭ ‬في‭ ‬سوهو‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬خطوات‭ ‬من‭ ‬كارنابي‭ ‬ستريت،‭ ‬وآخر‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬سومرست‭ ‬هاوس‭.‬

وفي‭ ‬قائمة‭ ‬الطعام‭ ‬يقدّم‭ ‬أطباقا‭ ‬مثل‭ ‬الحمص‭ ‬والفلافل‭ ‬والفَتوش،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كتف‭ ‬الغنم‭ ‬وأسياخ‭ ‬اللحم‭ ‬المشوي‭.‬

أحب‭ ‬الأرنب‭ ‬لندن،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬له‭ ‬الابتكار‭ ‬وإضافة‭ ‬لمسة‭ ‬عصرية‭ ‬لأطباق‭ ‬بلده‭ ‬الأم‭.‬

وقتل‭ ‬إنها‭ ‬تعطيه‭ ‬فرصة‭ ‬لإضافة‭ ‬لمسة‭ ‬عصرية‭ ‬إلى‭ ‬الأطباق‭ ‬التقليدية‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬أطباقه‭ “‬متاحة‭ ‬ليس‭ ‬للعرب‭ ‬والسوريين‭” ‬ولكنه‭ “‬رسالة‭ ‬حب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬للعالم‭” ‬كله‭.‬

كان‭ ‬عماد‭ ‬الأرنب‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يرى‭ ‬دمشق‭ ‬مجددا‭ ‬بعدما‭ ‬اضطرته‭ ‬الحرب‭ ‬الى‭ ‬الهروب‭ ‬منها،‭ ‬اما‭ ‬الشيئ‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجذبه‭ ‬الى‭ ‬مدينته‭ ‬هو‭ ‬رؤية‭ ‬أمه‭ ‬التي‭ ‬فارقت‭ ‬الحياة‭.‬

لكنه‭ ‬عاد‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر،‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬سنة‭ ‬بالتمام‭ ‬على‭ ‬سقوط‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬الذي‭ ‬أُطيح‭ ‬به‭ ‬خلال‭ ‬هجوم‭ ‬خاطف‭ ‬للمعارضة‭ ‬أنهى‭ ‬قرابة‭ ‬14‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭.‬

تجول‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬حيه‭ ‬القديم،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬والدته‭ ‬المتوفاة‭ ‬قد‭ ‬علمته‭ ‬فنون‭ ‬الطبخ‭. “‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الشام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬كانت‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة‭”‬،‭ ‬يقول‭ ‬اليوم،‭ ‬وهو‭ ‬ممزق‭ ‬بين‭ ‬مدينتين‭.‬

وأضاف‭ “‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬لندن‭ ‬باتت‭ ‬جزءا‭ ‬مني‭. ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬سأستطيع‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬وأستقر‭ ‬فيها‭” ‬لأني‭ “‬أشعر‭ ‬أني‭ ‬مزروع‭ ‬حقا‭ ‬في‭ ‬لندن‭”.‬

في‭ ‬سوريا‭ ‬رأى‭ ‬عماد‭ ‬الأرنب‭ “‬في‭ ‬عيون‭ ‬الناس‭ ‬بريق‭ ‬أمل‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اختفى‭ ‬عندما‭ ‬غادرت‭ ‬عام‭ ‬2015‭” ‬كما‭ ‬قال‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭ “‬صحيح‭ ‬ان‭ ‬الطريق‭ ‬مازال‭ ‬طويلا‭ ‬جدا‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬البداية،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭”.‬