ستراتيجية مكافحة الإرهاب من أجل عالم أكثر أمناً -1-
معتصم زكي السنوي
يؤلف الإرهاب الدولي ظاهرة من أخطر الظواهر التي يواجهها المجتمع الدولي اليوم، وتتضح خطورة هذه الظاهرة في عدد ضحايا الإرهاب من قتلى ومعوقين ومشردين، وفي الخسائر المادية التي تلحق بوسائل الاتصالات والبنايات والبيوت والمؤسسات العلمية والمزارع والمصانع، وفي كل ما يمكن أن تمتد إليه وسائل الإرهاب الحديثة والتخطيط الإرهابي الكامن وراءها، والواقع أن الإرهابيين يبغون نشر الخوف والذعر على أوسع نطاق ممكن، ولذلك فهم يرتكبون أفعالهم الإرهابية بدون تمييز بين الأشخاص، ولا ريب في أن القتل والإيذاء بلا تمييز يساعدان على نشر الخوف، ذلك أنه إذا لم يكن الهدف شخصاً محدداً بذاته، فلن يكون أي شخص في مأمن من الإرهاب. وهكذا، يمكن أن يصبح جميع الناس، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ضحايا أفعال إرهابية أو مرشحين ليكونوا ضحايا مستقبلاً وهكذا أيضاً، ينطوي الإرهاب على استهتار بكل المبادئ القانونية والأخلاقية، ومنها قواعد الحرب واتفاقياتها: فليس لغير المتحاربين، ولا للرهائن، ولا لأسرى الحرب، ولا للمحايدين حقوق مصونة لدى من يمارس الإرهاب ولاسيما حين ما تلجأ الدولة إلى الإرهاب كبديل عن الحرب المعلنة، وهذا يتناقض وحقوق الإنسان التي يحميها القانون الدولي. وقد أدرك المجتمع الدولي منذ ثلاثينيات القرن العشرين خطورة الإرهاب الدولي، فبذل الجهود لمكافحته أو الحد من بعض جوانبه ومع تزايد ظاهرة الإرهاب الدولي، لأسباب مختلفة، تزايد الاهتمام بدراسة هذه الظاهرة من حيث أسبابها ونتائجها والسبل إلى استئصالها أو الحد منها. وفي العلاقات الدولية المعاصرة، قلما استعملت كلمة أو أسيء استعمالها أو استعملت على نحو (تعسفي) أكثر من كلمة (الإرهاب) فمنذ السبعينات من القرن العشرين وكلمة (الإرهاب) ومشتقاتها من أمثال (إرهابي) و(الإرهابي) و(الإرهاب المضاد) وغيرها قد غزت بالفعل أدبيات جميع فروع العلوم الاجتماعية، والإرهاب كعمل يولد حالة من الرعب، أو الخوف، والفزع، والهلع، أو التهديد للجمهور قديم قدم التاريخ المكتوب، ومع ذلك في الوقت الحاضر وبعد ذيوع صيت أعمال إرهابية معينة، كثيراً ما ضخمت، تم التركيز على هذه الظاهرة بحماسة لم يسبق لها مثيل. فخلال العشرين الأخيرة تم نشر نحو (6000) كتاب ومقال وبحث حول الإرهاب والإرهاب المضاد، كذلك تم تأسيس العدد من المعاهد التي تتبع الجامعات أو الحكومات لدراسة الإرهاب واقتراح الستراتيجيات المضادة للإرهاب. وفي إطار هذه الحملة على الإرهاب فقد صدق على عدد من الاتفاقيات التي تهدف مباشرة إلى استئصال خطر الإرهاب على كلا المستويين الدولي والإقليمي، كما تم عقد الكثير من المؤتمرات على المستويين الحكومي وغير الحكومي، وسنت العدد من التشريعات الوطنية لمعالجة هذه الظاهرة والقضاء عليها. ومع ذلك، فإنه رغم كل هذه الجهود المتضافرة من جميع الجهات، فأنها لم تفشل فقط في استئصال شأفة الإرهاب، بل فشلت أيضاً في تحديد هذا (المفهوم الغامض) وتعريفه على وجه واضح وثابت لا يختلف بشأنه أحد. واليوم ونحن نعيش عصراً يجوز لنا أن نسميه (عصر الإرهاب) قياساً على تسميات مألوفة يتميز بها كل قرن من القرون، كان لابد لنا من كشف الغطاء واللثام عن هذا (الشبح) الذي يسمى ويدعى بـ(الإرهاب)..!
تعريف الإرهاب
أجمع أكثر الباحثين الأخذ بتعريف الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب التي أعتمدها مجلسا الداخلية والعدل العرب في اجتماع جمع بينهما في شهر أبريل سنة 1998م، حيث بينت الاتفاقية في المادة الأولى (الفقرة الأولى) تعريف الإرهاب على النحو التالي: “كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو امتلاكها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر”. وواضح أن الاتفاقية قد توسعت في تعريف الإرهاب ولم تقصره على الأفعال التي ترتكب من أجل تحقيق غرض سياسي، والقيد الوحيد الذي وضعته الاتفاقية هو أن تكون (الأفعال الإجرامية وليدة مشروع إجرامي)، وبذا فرقت الاتفاقية بين الأعمال الإرهابية وبين أعمال (الشغب) التي تكون وليدة توافق إرادات وليست وليدة اتفاق تلكم الإرادات ولم يعد هناك خط واضح يفرق بين أعمال الإجرام المنظمة أو أعمال (البلطجة) وبين الإرهاب(1). وعرَّفت الفقرة الثالثة من المادة الأولى (التي عدلت بموجب قرار وزراء الداخلية العرب رقم (529) في الدورة الخامسة والعشرين عام 2008م) عرفت الجريمة (الإرهابية) على النحو الاتي: “هي أي جريمة أو شروع فيها ترتكب تنفيذاً لغرض إرهابي في أي دولة متعاقدة أو على ممتلكاتها أو مصالحها أو على رعاياها أو ممتلكاتهم يعاقب عليها القانونها الداخلي، وكذلك التحريض على الجرائم الإرهابية أو الإشادة بها ونشر أو طبع أو إعداد محررات أو مطبوعات أو تسجيلات أياً كان نوعها للتوزيع أو لإطلاع الغير عليها بهدف تشجيع ارتكاب تلك الجرائم. وتعد جريمة إرهابية تقديم أو جمع الأموال أياً كان نوعها لتمويل الجرائم الإرهابية مع العلم بذلك. كما تعد من الجرائم الإرهابية الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقيات التالية عدا ما أستثنته منها تشريعات الدول الأطراف: اتفاقية طوكيو لعام1963م، اتفاقية (لاهاي) لعام 1970م، اتفاقية (مونتريال) لعام1971م والبروتوكول الملحق بها والموقع عام1984م، واتفاقية (نيويورك) لعام 1973م، واتفاقية أختطاف الرهائن والموقعة عام1979م، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1983م ما تعلق منها القرصنة البحرية. ونصت الاتفاقية في مادتها الثانية على أن الجرائم الإرهابية لا تعتبر من (الجرائم السياسية)، كما نصت أيضاً على أن حالات الكفاح بمختلف الوسائل بما ذلك (الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي وتقرير المصير لا يعد إرهاباً شريطة أن يتم هذا الكفاح وفقاً لمبادئ القانون الدولي).. كما لا يعد من حالات الكفاح المسلح الأعمال التي تمس وحدة التراب الوطني لأي من الدول العربية(2). والجدير بالذكر أن تعريف الإرهاب والجريمة الإرهابية في اتفاقية مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي صادقت عليها المملكة العربية السعودية بقرار مجلس الوزراء (3/52) في 2/9/1424هـ جاء مسايراً للتعريف الوارد في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وكذلك جاء تعريف الإرهاب في اتفاقية منظمة المؤتمر الإسلامي للإرهاب التي اعتمدت في أول يوليو 1999م(3) التي وضعت تعريفاً للعمل الإرهابي يمكن أن يكون أساساً لتعريف أشمل تتفق عليه الدول الغنية القادرة القوية التي جابت الفضاء الكوني ووضعت أقمارها الاصطناعية فيه وتبحث عن أجرام سماوية صالحة للحياة فيها، وترضى عنه الدول الضعيفة التي تعاني من الفقر والجوع والعطش والمرض والظلم والاستبداد وتعيش في الماضي وتعجز عن مواجهة الحاضر والإعداد للمستقبل، ومشكلة تعريف الإرهاب هي أولى المشكلات التي تعترض تحقيق الغاية من مكافحته ما يلزم معه الاتفاق على تعريف واحد( ) ويزيد الأمر تعقيداً أن الاتفاقيات والبروتوكولات لم تتعرض (لإرهاب الدولة) كما لم تتعرض للدول التي (تقدم للأرهابيين ملجأ آمناً) أو تسهل لهم القيام بأعمالهم أو التدريب عليها رغم ملاحظة وجود ممارسة الإرهاب من السلطة الحاكمة ضد الطبقات المحكومة أو من فئة تسعى إلى مقاومة ظلم السلطة الحاكمة أو تعنت وجبروت المحتل الغاشم، إضافة إلى اعتداء الدول القوية على الشعوب الضعيفة تحت (غطاء) الدفاع الشرعي أو الإجراءات الاستباقية(5).
مفهوم الإرهاب
لما كان الإرهاب أحد أوجه العنف السياسي، فتحديد مفهوم الإرهاب يتطلب قبل كل شيء معرفة العنف السياسي المسلح. والعنف Violence بالإنكليزية مشتقة من الأصل اللاتيــــــــني Violentia وهي تعني الاستخدام غير المشروع للقوة العسكرية ضد الأشخاص والأموال (6) وقد يكون الهدف منه الإضرار بالسلطة الحاكمة (7) وتعود جذور مصطلح الإرهاب المعاصر إلى التطبيق الفرنسي للعنف السياسي، فقد أطلق على العنف السياسي بالفرنسية مصطلح (Terreur)، ومصطلح(Terrorisme)، وهما يشتركان إلى حد كبير في الدلالة على المعنى نفسه، غير أن كل منهما مميزات مستقلة بلغت في مرحلة من تاريخ فرنسا حدّ التناقض، وإذ ما عربنا المصطلحات لوجدنا كلمة (Terreur) (فعل) ويقابلها بالإنكليزية Terror، ترادفها في اللغة العربية (رعب) أو (ذعر) أو (رهبة)، كالذي عرفته فرنسا إبان الثورة الكبرى. واصطلاحاً فإنه يعني العنف السياسي الموجه من قبل الأفراد ضد الدولة. أما كلمة (Terrorisme) (أسم) فإنها تعني العنف السياسي الذي تمارسه الدولة ضد الأفراد، وتعريف هذه الكلــــمة هو (إرهاب). ففي المفهوم الغربي تختلف كلمة (رهب) ويقصد بها إرهاب الضعفاء عن (الإرهاب) ويقصد بها إرهاب الأقوياء، أما مصطلح الإرهاب في اللغة العربية فهو يشمل النوعين المذكورين، ويتضح من ذلك ان كلمة الإرهاب في المصطلح العربي جاءت من تعريف الكلمتين المذكورتين، دون الانتباه إلى الاختلاف الدقيق بينهما وهو ما يؤكد عدم تطابق المعنى العربي مع المعنى الفرنسي أو مع اللغات الأجنبية الأخرى (8). يقوم مفهوم الإرهاب على العديد من العوامل منها:
أولاً- العامل النفسي: وهو مدى تأثير العمل المنفذ في نفوس الأفراد، فكلما كان هذا التأثير قوياً كان العمل الإرهابي شديداً، فالأحداث التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من أيلول2001 قد أثرت تأثير (نفسياً) كبيراً لفدى المواطن الأمريكي. وهذا الفعل ينسحب على الدول الأخرى التي ما زالت تعاني من الهجمات الإرهابية لاسيما المنطقة العربية وبعض الدول الإسلامية، وإذا فقد العامل النفسي لم يعد العنف المسلح إرهاباً. والعامل النفسي متأتي من العمل المادي ويرتبط به، ويقوم العامل النفسي، على الخوف والذعر من جراء أعمال العنف المسلح، وكلما كان العامل النفسي مؤثراً كان الإرهاب قد أدى الغاية منه.
ثانياً- العامل الاجتماعي: وهو يعني أن العمل الإرهابي لا يقصد به الضحية ذاتها بل المجتمع ككل، فبرجا مركز التجارة الدولية في نيويورك والبنتاغون في واشنطن لم يكونا هما المقصودان بذاتهما بل المجتمع الأمريكي برمته لأنه المؤيد للسياسة الأمريكية المعادية للأمة العربية، فالهدف من أعمال العنف المسلح هو (فرض) الخوف والرعب لدى المجتمع من أجل أن يأخذ دوره إزاء السلطة وعدم الكيل بمكيالين في القضايا الدولية لاسيما فيما يخص القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير..! فالخوف والرعب والتحسب ليست مقصودة لذاتها بل المقصود بذلك هو المجتمع ككل..!
ثالثاً- العامل المادي: وهو أن العمل الإرهابي يقوم على استخدام القوة المسلحة، وهو ما يطلق عليه (العنف السياسي) ويختلف هذا العمل بحسب طبيعة الهدف الموجه ضده الإرهاب. فقد يكون استخدام السلاح للقتل أو خطف الرهائن أو الطائرات أو احتجاز رهائن أو تدمير ممتلكات، وكلما كان العامل المادي قوياً كانت آثاره كبيرة ويحقق خسائر فادحة وينتج الإرهاب أثره.
وقد يقوم العمل المادي على العنف المسلح باستعمال أي سلاح يثير الخوف والرعب، وقد يكون خطف طائرة أو سفينة أو أية وساط نقل أخرى أو أحتجاز رهائن.
رابعاً- العامل السياسي: ذلك إن ما يميز العمل الإرهابي عن غيره من أعمال العنف المسلح هو أن يكون (الهدف) من الإرهاب تحقيق أغراض سياسية، كدفع السلطة إلى القيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو الانتقام منها أو توجيه الأنظار إلى قضية معينة تتجاهلها السلطة، وإذا أنتفى العامل السياسي خرج العمل من دائرة الإرهاب.
خامساً- عامل الضعف: أن العمل الإرهابي يعبر عن عدم قدرة المجموعة على تحقيق أهدافها بطريقة أخرى، فعلى الصعيد الداخلي يدل العمل الإرهابي على عدم قدرة المجموعة الإرهابية على القيام بثورة أو تمرد أو عصيان أو انتفاضة مسلحة ضد السلطة الحاكمة، فتلجأ إلى استخدام العنف المسلح، وكذلك (الدولة) عندما تمارس الإرهاب ضد مواطنيها لأنها غير قادرة على فرض سلطتها بالطرق (القانونية) فتلجأ إلى العمل الإرهابي. أما الصعيد (الدولي) فإن العمل الإرهابي يدل على عدم قدرة المجموعة على تحقيق أهدافها بطريقة أخرى وإجبار دولة على تنفيذ مطاليبها، فتلجأ إلى خطف طائرة أو ضرب سفارة وهذا النوع من الإرهاب وأن أطلق عليه اسم (إرهاباً دولي) إلا أنه من الناحية الواقعية هو إرهاب داخلي يخضع لقوانين الدولة التي تعرضت للإرهاب بغض النظر عن جنسية القائمين به.
أنواع الإرهاب
إن الإرهاب لا يختلف من حيث طبيعته وشكله ووسائله، إنما السبب إليه أو الدافع، وسنعدد فيما يلي تبعاً لذلك أنواعاً مختلفة له، وسنذكر ما نعايشه اليوم من أنواع الإرهاب المختلفة:
– الإرهاب العقائدي ضد المخالفين في الدين أو المذهب.
– الإرهاب العنصري الذي تمارسه الدول أو المنظمات العنصرية ضد الملونين والأعراق الأخرى.
– الإرهاب الفكري الذي تمارسه الدول الكبرى والصهيونية العالمية ضد كل ما يحاول تعرية طروحاتها وموروثها الأيديولوجية والفكرية.
– الإرهاب الاقتصادي الذي تمارسه دول الشمال الغني ضد دول الجنوب الفقير لاستغلال مواردها وتكريس تبعيتها وربطها بعجلة الاقتصاد الغربي.
– الإرهاب الاستعماري الذي كانت تمارسه الدول الاستعمارية ضد شعوب مستعمراتها.
– الإرهاب الاستيطاني الذي كانت تمارسه الأقلية (البيضاء) ضد شعوب جنوب أفريقيا وروديسيا وناميبيا، فيما تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني منذ أكثر من خمسين عاماً وحتى اليوم.
– الإرهاب الطائفي الذي تمارسه الطوائف المتطرفة.
– الإرهاب الرسمي الذي تمارسه الأنظمة (القمعية) ضد شعوبها.


















