حافظ على نظافة مدينتك.. د. شُهـب باسل طاقـة

د. شُـهـب بـاسل طـاقـة

أثناء تجوالي في مدينتي الحبيبة بغداد، وتحديداً في أزقة إحدى المناطق الراقية ، لفت إنتباهي مشهداً بدا في بدايته مبهجاً. حيث رأيتُ فتاةً أنيقةً، بملابس فاخرة وملامح لطيفة، خرجت من باب منزلها بخطوات واثقة نحو سيارة فارهة تنتظرها.
صورة كاملة من الرقيّ والجمال توحي بالتفاؤل وتُجسّد إنطباعاً عن وعي وذوق رفيع.
لكن هذا الإنطباع لم يلبث أن تبدّد في لحظة واحدة. حيث فتحت الفتاة باب السيارة، وتناولت زجاجة ماء، ثم رمتها بلا مبالاة في منتصف الشارع، وهي تطلق ضحكة تتناقض تماماً مع صورتها الخارجية ورفاهية بيتها وملابسها وسيارتها.
وفي تلك اللحظة حضرت إلى ذهني المقولة الخالدة: “ ليس كل ما يلمع ذهباً” وليس هذا المشهد إستثناءً، بل يتكرر – للأسف – يومياً في شوارع العاصمة وأزقتها، وفي المناطق البسيطة والراقية على حدٍ سواء، ليرسم مشهداً محبطاً عن غياب الوعي البيئي بشكل خاص، والنظافة بشكل عام.
وبصفتي متخصصاً في علم التخطيط البيئي بالإضافة إلى علم الإدارة والتسويق، أجد أن هذه الأمثلة اليومية تدفعنا بقوة إلى إعادة إحياء شعار: “حافظ على نظافة وبيئة مدينتك”.
فالعراق اليوم يواجه مستويات غير مسبوقة من التلوث البيئي وقلة الاهتمام بالنظافة العامة، ما يجعل من هذا الشعار ضرورة ملحّة لا مجرد كلمات. فهو يجمع بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية تجاه البيئة، ويعكس مدى إرتباط النظافة بالصحة العامة والمظهر الحضاري للمدن.

جمال المدينة وصحتها يبدآن من إلتزام سكانها قبل أي جهة أخرى.

ولا يمكن فصل دور المواطن عن دور الدولة، فكلاهما شريكان في صناعة بيئة صحية، فالمؤسسات الحكومية المختصة مطالبة بتهيئة كل مقومات نجاح مشاريع النظافة والصحة العامة، بالإضافة إلى أهمية دور الدولة في معالجة موضوع مواقع الطمر الصحي
وفق معايير البيئة الدولية المعتمدة، حيث أصبحت هذه المواقع قريبة من مراكز المدن،والتي باتت تشكل خطراً كبيراً على الصحة العامة، ناهيك من المساحات الخضراء التي تم إستغلالها مؤخراً بشكل يتقاطع مع أسس التخطيط البيئي للمدينة.

ومن جهة أخرى تعددت المواضيع التي لا يمكن طرحها في هذه المقالة لكثرتها ولا يتسع لنا المجال لذلك ومن ضمنها أولويات عمل الدولة في نشر حاويات نظامية تحمل شعار أمانة العاصة والمدن الأخرى وبأعداد كافية في الأزقة والشوارع، ومن ثم بعد ذلك يجب التفكير في فرض غرامات صارمة على المخالفين ليكون القانون رادعاً فعلياً.

وفي الوقت نفسه، فإن نشر الوعي هو الأساس. من خلال حملات توعية بيئية وصحية عبر الإعلام ووسائل التواصل والتي يجب أن تكون مستمرة، لا موسمية. بل ويُفضَّل أن يتعمق هذا الوعي من خلال إدخال مفاهيم البيئة والنظافة في المناهج المدرسية منذ الصفوف الأولى وحتى الجامعات، وذلك لتوعية الأجيال القادمة بالمسؤولية التي تقع على عاتق كل فرد منهم، للحفاظ على محيطه الحضري؛ مع كيفية المحافظة على بيئة صحية مستدامة لضمان نشوء جيلٍ يعرف قيمة البيئة ويحترم مدينته.
إن بناء مجتمع واعٍ يبدأ من سلوك بسيط كعدم رمي النفايات في الشارع. فالنظافة ثقافة،وهي جزء من القيم والإيمان. وكما يُقال: “لا يمكن لمجتمع لا يستطيع وضع القمامة في مكانها المناسب أن يضع الأمور الأخرى في نصابها المناسب أو يصنع مستقبلاً مشرِقاً”

هكذا تُصان المدن… وهكذا يُبنى الوعي.