بول أوستر: نحن وحيدون دائماً حتى لو كنا محاطين بأشخاص

بول أوستر: نحن وحيدون دائماً حتى لو كنا محاطين بأشخاص

ترجمة: عبد عون الروضان

بغداد

ولد الروائي والشاعر والمترجم وكاتب السيناريو بول أوستر في بروكلين بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1947وعاش في فرنسا منذ بداية سبعينيات القرن الماضي وترجم إلى الإنكليزية أعمال الكتّاب المفضلين لديه أكثر من غيرهم مالارميه وجوبرت وسارتر وسيمنون. في الثانية والثلاثين وبعد موت والده كتب سيرته الذاتية وقبل ذلك كان أنجز روايته الأولى  ” مدينة الزجاج ” لكن سبعة عشر ناشرا في بلده الولايات المتحدة رفضوا نشرها. ثم أصدر ثلاثيته ” النيويوركيون التي انتشرت في كل أنحاء العالم وترجمت إلى الكثير من اللغات الحية، كما صدرت له رواية واقعة الشتاء واختراع العزلة. فرانسوا بوسيل المحرر في مجلة أكسبريس الصادرة في باريس كان أجرى معه الحوار التالي:{ ما هي الأسباب التي تدفعك للكتابة ؟

-لا أعرف،  بدأت القراءة بجدية في سن مبكرة ثم بدأت الكتابة في سن مبكرة أيضا، كنت في التاسعة حين بدأت أكتب أشعارا وقصصا سيئة، وهناك شيء استفدت به من فعل الكتابة هو الإحساس بالقلم على الورق، الإحساس بالكتابة فذلك يشعرني أكثر بالارتباط بالعالم وبهذه الصلة بالعالم أحس بأني أفضل. في الثانية عشرة كتبت ما أسميه روايتي الأولى وكانت من ثلاثين صفحة، سلمتها لأستاذي. فرح بها وأحبها واقترح علي قراءة جزء صغير منها أمام الطلاب كل يوم،  أحب الطلاب ذلك لأنهم أحسوا بأنهم غير ملزمين بعمل ما في أثناء القراءة.

{ هل كانت بعض الروايات أصعب من غيرها في الكتابة وتركت في نفسك آثارا أعمق من الأخرى ؟

– حين كنت بين التاسعة عشرة والثانية والعشرين حاولت كتابة روايتين أو ثلاثا ولم تكن لي القدرة في ذلك الوقت على كتابة أشياء طموحة جدا كما أريد.  لدي ألف صفحة من سرد الروايات غير المكتملة هي أصل الروايات التي كتبتها بعد خمسة عشر عاما ” مون بالاس ” و” رحلة أنا بلوم ” و” مدينة الزجاج ” وهذه الكتب  صممت حين كنت شابا ولم أكن قادرا على كتابتها،  أعتقد أن وقت الإحباط ذاك لم يذهب سدى ، كان تدريبا جرى بصمت ولم يرني أحد وأنا أقوم بذلك.

{ كيف تولد الرواية لديك ؟

لا أعرف. هذا شيء لا أفهمه أبدا، ذات لحظة لا شيء يدور في رأسي، في اليوم التالي يكون ثمة شيء ما.. لكن لا الخطة أبدا، بالنسبة لي نشوء الفكرة وتطورها سر كبير.

{ في حقبة من حياتك كتبت سيناريو للسينما الصامتة.. ما الذي يشدك للسينما الصامتة ؟

 – لقد ضاعت كل السيناريوهات التي كتبتها، لقد مرت سنوات طويلة منذ أن كتبت تلك السيناريوهات للكوميديا الصامتة، كان ذلك تمرينا بالغ  الصعوبة يتطلب تركيزا عظيما إذ عليك أن تمتلك القدرة على التوصيف لكل إشارات وإيماءات الممثلين. أنا أحب السينما الصامتة كثيرا..

{ والأدب ؟

– الأدب هو القادر على معايشة أرواح غيرنا.. فنحن بغير ذلك لا نمتلك الخبرة لسبر أغوار الآخرين، ولهذا كانت القراءة شيئا جميلا جدا، مثيرة جدا وإنسانية، لأنها تتيح لنا مشاركة الآخرين بضعة أشياء حميمة.. الكتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يستطيع فيه اثنان أن يتحدثا بحميمية.

{ لماذا هذه العزلة دائمة الحضور في أعمالك؟

– لا أعرف، كل الذي أعرفه هو أننا وحيدون دائما.. حتى لو كنا محاطين بأشخاص آخرين، هذه هي الحقيقة، المفارقة هي أن الشخص لا يكون وحيدا أبدا، وأن العالم أجمع وحيد كل دقيقة.

{ غالبا ما تجيب بعبارة ” لا أعرف ” هل هذا شيء من التواضع ؟

– لا، بالتأكيد.. هذه هي الحقيقة ! أود أن أؤكد لك بأني لا أمتلك أية نظرية جاهزة، سواء عن الحياة أم عن الأدب، أنا أعتقد بأني لا أستطيع الكتابة عن الأشياء التي أفهمها جيدا.. فهذا لا يدخل المتعة إلى نفسي، ولهذا فأنا لم أكتب في السياسة، لأني أفهمها بشكل جيد، وأخيرا فإني أعتقد لا.. فأنا أكتب عن الأشياء التي تقلقني والتي تستفزني حتى أفهمها بدقة، عندما يكتب الواحد منا لا يعرف أبدا من أن يأتي هذا ولا لماذا فعل هذا إنه اللاوعي الذي يدفعك باستمرار وهذا هو السبب في أن الكتّاب يجيبون بشكل سيء عن الكثير من الأسئلة المتعلقة بما يكتبون.

{ هل تعرفت على هذه الرؤية من خلال الرواية؟

– لا، قصصي لا تصور أفكاري.. والعكس هو الصحيح. القصة عندي تنبع من الروح وأنا الذي أبعث فيها الروح وعندما يكتب المرء فإنه يكتشف الجوهر الذي يستمد منه ما يريد فعله  من خلال العمل ولكن القصة هي التي تسبق الحدس.

{ أنت واحد من الملايين الذين عاشوا الأيام العصيبة لمأساة الحادي عشر من سبتمبر – أيلول كيف كانت الأمور يومها في مدينتك التي تتخذها رمزا ؟

 _ لقد استعادت نيويورك عافيتها سريعا خلال أقل من السنة لكننا ما نزال نحس بحرارة الجرح، ولكن لنبتعد عن السياسة قليلا ولننحي الأسباب الحقيقية وراء تلك الهجمة والحرب التي تلتها، الحادي عشر من أيلول – سبتمبر كان مأساة مفجعة، وما أزال أتذكر كم كانت الأيام التي تلت تلك الكارثة مرعبة. الحي الذي أسكنه في بروكلين كان مغطى بسحب داكنة من الغبار والهباء بشكل لا يصدق وكانت الروائح الكريهة تزكم الأنوف في كل مكان والناس يجوبون الشوارع وهم يضعون الأقنعة والمناديل الورقية على وجوههم في مشهد سوريالي لا مثيل له. كل واحد منا لا بد أن يكون فقد شخصا يحبه أو يعرفه في إحدى البنايتين. الكثير من أصدقائي فقدوا أقارب لهم، واثنا عشر من ثلاثين من رجال الإطفاء الذين لقوا حتفهم في الهجوم هم من أبناء حينا الصغير في بروكلين، لكن الجميع تجاوزوا المحنة بسرعة ولكن من غير أن ينسوا تلك الكارثة الإنسانية أبدا.

{ هل هناك نية لديك للكتابة عن تلك المأساة ؟

– لا.. ليس في نيتي الآن الكتابة عنها، أذكر أني في الأيام الأولى بعد الكارثة كتبت بعض النصوص الصغيرة جدا، لكن ذلك كان تحت تأثير الصدمة، كما أنه جاء تحت طلب مدير المجلة الألمانية دي زايت وهو صديق لي، وقد طلب مني أن أكتب شيئا عن الكارثة فكتبت، لكنني أدركت بعد وقت قصير أنني لم أكتب شيئا ذا بال وكل الذي كتبته للمجلة تلك كان عبارة عن تقارير صحفية لا أكثر.. أنا لست صحفيا.. أنا روائي.. وليس من الممكن للروائي أن يتكهن بالذي سيفعله.. هذه الأحداث كانت ما تزال طرية وطازجة وجديدة بالنسبة لي، ولم أكن حينها قد وصلت إلى درجة أنني أستطيع أن اكتبها في رواية.. فذلك لا يتم إلا بعد سنين عديدة ربما من التمثل وإمعان الفكر، لا أستطيع القول فيما إذا كنت سأكتب حول الحادي عشر من أيلول – سبتمبر.

{ نيو يورك هي الشخصية الحقيقية في كل ما كتبت.. وهي نابعة عن معاناة لا مثيل لها !

 – هذا صحيح.. لقد اكتشفت أن نيويورك مدينة فريدة في العالم ربما لأن نيويورك هي العالم ! انظر إلى التركيبة السكانية في نيويورك  40 بالمئة منا ولدوا في أقطار أجنبية، والذين ماتوا في أحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر جاءوا من ثمانين بلدا مختلفا.. ذلك لم يكن هجوما ضد الأمريكيين، ولكن ضد مواطني العالم أجمع، وإذا كنت مفتونا بنيويورك فذلك لأن هذه المدينة أظهرت طاقة لا يجدها المرء في كل مكان وجنونا هائلا أيضا.. بشاعة وجمال يتعايشان معا، هذه حقيقة، علي أن أعترف أنه خلال الأسابيع والأشهر التي تلت هجوم الحادي عشر من أيلول – سبتمبر أنني شعرت بحنين جارف لأيام نيويورك الخالية.