إدريس لكريني مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات لـ الزمان أطراف داخل فرنسا تحركها عقدة التفوق تنظر للمغرب باستعلاء

إدريس لكريني مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات لـ الزمان أطراف داخل فرنسا تحركها عقدة التفوق تنظر للمغرب باستعلاء
حاوره عبدالحق بن رحمون
قال إدريس لكريني، مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات المغربي لــ الزمان إن تدهور العلاقات بين باريس والرباط لن يكون في صالح أي منهما ، مضيفا بل سيكون في خدمة أجندات حزبية داخلية أو أجندات إقليمية ضيقة يفتقر صانعوها إلى أية رؤية مستقبلية استراتيجية . وفي غضون ذلك أكد إدريس لكريني أن موقف الرباط جاء صارما اتجاه التطورات الأخيرة المتوترة مع باريس ، كما كشف ادريس لكريني أن ذلك يعكس في عمقه توجها أكثر وضوحا.
كما أوضح إدريس لكريني أن هذا التوجه تعكسه عودة المغرب إلى محيطه الإقليمي والدولي بقوة وبمواقف تتجاوز المهادنة التي طبعت سياسته الخارجية في السنوات الأخيرة، خلال مناسبات دولية وإقليمية عدة.
من جانب آخر، يذكر أن باريس والرباط عرفت علاقاتهما الدبلوماسية في الأيام القليلة توترا وتصعيدا، وحدث هذا التطور السريع على إثر تداعيات قيام السلطات الأمنية الفرنسية، بمحاولة تبليغ استدعاء قضائي بمقر إقامة السفير المغربي بباريس، ويتعلق بشكايات قضائية، تم رفعها بفرنسا ضد عبد اللطيف الحموشي، المدير العام لمراقبة التراب الوطني، الذي وجهت له اتهامات حول تورط مزعوم في ممارسة التعذيب بالمغرب، الأمر الذي شجبته الرباط، واستغربت للسرعة الفائقة التي تمت بها معالجة هذه القضية، وطريقة تعميمها إعلاميا، وانتهاك القواعد والممارسات الدبلوماسية المتعارف عليها دوليا، وعدم احترام الاتفاقيات المبرمة بين البلدين. مما دعا الرباط إلى استدعاء سميرة مدّون، قاضية الاتصال المعتمدة بسفارتها بباريس، وتعليق جميع اتفاقيات التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا ، حيث عانت سميرة مدّون من التماطل والتسويف من طرف باريس مما اعتبرته وزارة العدل والحريات المغربية أن باريس لم تحترم اتفاقيات التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا، فقررت تعليقها كاملة إلى حين تقييم جدواها، وتحيينها بما يتيح تدارك ما يشوبها من اختلالات.
على صعيد آخر أكد في حواره مع الزمان إدريس لكريني أستاذ الحياة السياسية والعلاقات الدولية في كلية الحقوق، جامعة القاضي عياض بمراكش إنه يوجد حاليا موقف فرنسي رسمي تزعجه تحركات المغرب داخل العمق الإفريقي ، قبل أن يضيف ادريس لكريني مما يزيد من حضور هذه الفرضية وأهميتها؛ هو الترحيب الفرنسي بالجهود والتحركات المغربية خلال الفترة الأخيرة لاستتباب الأمن في المنطقة؛ زيادة على تطابق وجهة نظرهما إزاء مجموعة من القضايا الإقليمية وهو ما تبين بشكل جلّي في النزاع المالي الأخير.
وفيما يلي الحوار الذي أجرته الزمان مع إدريس لكريني، مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات
ما هو السبب الخفي لسوء الفهم بين باريس والرباط؟
بشكل عام؛ المصالح هي المحدّد الأساسي للسلوكات الخارجية للدول؛ فالعلاقات الدولية لا تحتمل الثبات بل هي تتغير باستمرار وتعرف مدا وجزرا تبعا لمعادلات الربح والخسارة..
فيما يتعلق بحالة المغرب وفرنسا؛ ينبغي بداية طرح مجموعة من الملاحظات؛ أولها أن وجود حادثين متتاليتين وقعتا في زمن قصير واعتبرهما المغرب إساءة لسيادته؛ يعكس وجود جهات قد تكون داخلية لاتروقها توجهات الحكومة الفرنسية في عهد الرئيس هولاند نحو تعزيز العلاقات بين البلدين وتطويرها ودعم خيار الحكم الذاتي في الصحراء.
كما قد يتعلق الأمر بأطراف خارجية يزعجها التطور المتزايد لهذه العلاقات في مختلف المجالات والميادين؛ بعدما كانت تراهن على تبدّل هذه العلاقات نحو الأسوء مع وصول هولاند لمنصب الرئاسة.
وتبدو أهمية هذا الطرح إذا ما استحضرنا أن هاذين السلوكين معا واللذان أزعجا المغرب؛ لم يردا بشكل مباشر ورسمي من الحكومة الفرنسية؛ ذلك أن تحريك القضاء لدعوة المسؤول المغربي جاءت بمبادرة من فعاليات مدنية غير حكومية؛ وبقرار قضائي لا يمكن أن تكون توجهاته بالنظر لاستقلاليته دائما منسجمة مع توجهات ومواقف الحكومة. وبالنظر إلى أن التصريح المفترض للمسؤول الفرنسي المسيء للمغرب جاء أيضا عبر تصريح لطرف آخر.
كما أن حكومة فرنسا حاولت احتواء الأمر عبر تصريحات تؤكد متانة العلاقات بين البلدين.
كيف ترى هذه العلاقات الدبلوماسية المزاجية لباريس؟
القرار الخارجي في الدول الديمقراطية غالبا ما يكون منفتحا ولو بشكل غير مباشر على عدد من الفاعلين غير الرسميين؛ من منظمات المجتمع المدني أو إعلام أو جماعات ضغط مختلفة.. الأمر الذي يجعل العلاقات المغربية الفرنسية معرضة لبعض الهزات تعكس مواقف هذه الأخيرة التي لا تنسجم مواقفها دائما مع الطرح الحكومي؛ وبخاصة وأن هناك أطرافا إقليمية طالما عبرت بشكل صريح عن قلقها من تطور العلاقات المغربية الفرنسية ومن مواقف هذه الأخيرة الداعمة لعدد من قضايا المغرب وعلى رأسها قضية الصحراء؛ مما يدفعها إلى التركيز على هذه الفعاليات واستثمار الفراغ الذي يخلفه المغرب في هذا الشأن.
حقيقة أن قوّة العلاقات الاقتصادية والمصالح الإستراتيجية والتوجهات والمواقف المشتركة إزاء مجموعة من القضايا الثنائية والإقليمية والدولية؛ تعتبر قاعدة أساسية لدعم العلاقات بين البلدين وعاملا لرد الصدمات والأزمات التي يمكن أن تحدث بمنطق الحرص على هذه المصالح المشتركة.
جاء الموقف المغربي صارما ويعكس في عمقه توجها أكثر وضوحا؛ وهو توجه تعكسه عودة المغرب إلى محيطه الإقليمي والدولي بقوة وبمواقف تتجاوز المهادنة التي طبعت سياسته الخارجية في السنوات الأخيرة خلال مناسبات دولية وإقليمية عدة. لكن الحادثين معا؛ يطرحان من جديد السياسة الخارجية الرسمية أمام المحك والمساءلة؛ من حيث ضرورة دعم الدبلوماسية الموازية في علاقتها بمهام المجتمع المدني والإعلام والمؤسسات الجامعية والأحزاب السياسية.. في هذا الشأن؛ لتخاطب مثيلاتها التي كثيرا ما تكون هي المسؤولة عن بروز هذه المشاكل.
هل اختيار هذا التوقيت لتوتر العلاقات سبب معين؟ أم هو حادث عارض لا غير؟
هناك من ربط بين الزيارة الملكية الأخيرة لعدد من الدول الإفريقية والنجاح الذي حققته في دعم العلاقات المغربية الإفريقية؛ مع الفترة التي برز فيها هذا التوتر؛ وبخاصة وأن الأمر يتعلق بمناطق استراتيجية تاريخية من المنظور الفرنسي.
قد يكون هذا الطرح واردا إذا ما استحضرنا الإزعاج الذي يسبّبه هذا الأمر لبعض الأطراف داخل فرنسا أو لبعض القوى الإقليمية.
لكن وفي حدود المعطيات المتوافرة حاليا وجود موقف فرنسي رسمي تزعجه تحركات المغرب داخل العمق الإفريقي؛ ومما يزيد من حضور هذه الفرضية وأهميتها؛ هو الترحيب الفرنسي بالجهود والتحركات المغربية خلال الفترة الأخيرة لاستتباب الأمن في المنطقة؛ زيادة على تطابق وجهة نظرهما إزاء مجموعة من القضايا الإقليمية وهو ما تبين بشكل جلّي في النزاع المالي الأخير.
زارة العدل والحريات المغربية أعلنت مؤخرا في بيان لها تعليق تنفيذ جميع اتفاقيات التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا. هل هذا القرار صائب؟ وفي رأيك هل من الممكن أن تكون له انعكاسات على المدى القريب سيما أن هناك جالية مغربية مهمة مقيمة في فرنسا؟
يجسد الموقف المغرب من الحادثين قدرا كبيرا من الصرامة والوضوح؛ وبخاصة وأنه اعتبر الأمر مسا بسيادته؛ كما أنها تنمّ في الرد على الحادث الأول باستدعاء وزارة الخارجية المغربية للسفير الفرنسي عن وعي بخطورة المدخل الحقوقي وإمكانية توظيفه بشكل منحرف في تهديد لكيان الدولة وسيادتها؛ وهو ما برز بشكل واضح خلال الرد على التوجه الأمريكي الداعم لتوسيع صلاحيات المينورسو لتطال مجال حقوق الإنسان.
إن الرّد المغربي يجسّد رسالة موجهة إلى مختلف الفاعلين الفرنسيين يؤكد من خلالها على أن تعزيز المصالح والعلاقات بين البلدين لا يمكن أن يتم على حساب سيادة المغرب.
وهي رسالة لا تقل أهمية عن الرسائل التي وجهها في المغرب في السابق لإيران عندما وصل الأمر إلى حد قطع العلاقات بين البلدين.
من المستفيد ومن الخاسر في سوء الفهم هذا؟
أعتقد أن هناك ما يكفي من العوامل والشروط التي تدعم العلاقات بين البلدين؛ فعلاوة عن العلاقات الاقتصادية والثقافية وتطابق وجهات النظر بين البلدين إزاء مختلف القضايا الدولية والإقليمية؛ هناك مجموعة من الملفات الحيوية المشتركة بين الجانبين من قبيل قضايا الأمن الإقليمي والهجرة.. تفرض المحافظة على قوة هذه العلاقات وتعزيزها خدمة لمصالح الطرفين.
ولذلك؛ واستحضارا لهذه المصالح الحيوية المتشابكة بين البلدين؛ فتدهور العلاقات بينهما لن يكون في صالح أي منهما؛ بل سيكون في خدمة أجندات حزبية داخلية أو أجندات إقليمية ضيقة يفتقر صانعوها إلى أية رؤية مستقبلية استراتيجية.
هل باريس ما تزال عندها عقدة الوصاية على المغرب وتحاول أن تؤكد أنه إحدى مستعمراتها القديمة؟
مما لا شك فيه أن هناك أطرافا داخل فرنسا لا زالت تحركها عقدة التفوق الاستعماري؛ ولا زالت تنظر للمغرب كما هو الشأن بالنسبة لعدد من دول الضفة الجنوبية نظرة قاصرة ملؤها الاستعلاء.
وهي نظرة تنم عن فكر استعماري لم تتخلص منه بعد هذه الأطراف برغم التطورات التي شهدها مسار حقوق الإنسان والقوانين والمعاهدات الثنائية والدولية الداعمة لسيادة الدول من جهة؛ والتحولات السياسية والمؤسساتية والثقافية التي شهدها المغرب على امتداد عقود بعد الاستقلال.
ويبدو أن الرّد المغربي الصّارم وإن لم يتجاوز الحدود الدبلوماسية؛ إضافة إلى النقاشات السياسية والأكاديمية الرافضة للحادثين داخل المغرب؛ ستسهم في خلخلة هذه النظرة.
AZP02