فيلم ابن بابل يؤرخ لوجع عراقي مستمر
دمع الأمهات ينهمر على السراب
محمد جبار الربيعي
لا أعتقد اني اُبالغ اذا قلت أنه لم يحضى فيلماً عراقياً بالإهتمام من قبل المهرجانات سواء بالمشاركة أو بعدد الجوائز التي حصدها كما نال فيلم ابن بابل على مدى العقود السبعة الماضية التي تشكل تأريخ السينما العراقية، فقد تجاوز عدد مشاركاته 130 مهرجاناً عالمياً وفاز بجوائز يربو عددها الى 33 جائزة من مهرجانات متعددة منها جائزة أفضل سيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي كذلك حصد جوائز من مهرجانان مهمة مثل مهرجان برلين والرباط وسان دانس، كما اختارت مجلة فارايتي السينمائية الشهيرة مخرج الفيلم محمد الدراجي كأفضل مخرج في الشرق الأوسط في مهرجان الشرق الأوسط المقام في ابو ظبي لعام 2010، فهل إستحق الفيلم والمخرج كل هذه الحفاوة ؟
تبدأ قصة الفيلم في الأسابيع التي تلت سقوط النظام السابق وتحديداً بعد ثلاثة أسابيع لمتابعة رحلة اُم من شمال العراق بصحبة حفيدها، تتحرك نحو الجنوب للبحث عن إبنها الذي فقدته منذ سنوات طويلة ولا تملك غير رسالة من صديقه يخبرها فيها أن إبراهيم وهذا إسم ولدها مسجون في أحد سجون محافظة ذي قار فتتحرك الى هناك للبحث عنه،وبعد رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر تكتشف أن ولدها قد اُعدم وربما تكون رفاته في إحدى المقابر الجماعية المنتشرة في مختلف محافظات العراق فتبدأ رحلة ثانية يائسة هذه المرة للبحث عن رفات ولدها لتحط رحالها في بابل التي كان لها نصيب الأسد في إحتضان أجساد أبناء العراق الطاهرة لتفيض روح الام في رحلة عودتها الى ديارها بعد أن يئست من البحث عن ولدها لتبحث روحها عن روحه في رحلة سماوية هذه المرة، وإسم الفيلم جاء للتنبيه على المفارقة بين بابل الحضارة والإرث التأريخي المشرف والجنائن المعلقة التي كان حفيد الأم أحمد يتمنى أن يراها وبين تحويلها الى مقابر لأبناء العراق الأحرار الذين رفضوا الحكم الدكتاتوري .
قضايا حساسة للطرح
ناقش الفيلم خلال متابعة رحلة الأم قضايا مهمة منها تشابه الجرائم التي حصلت في شمال العراق ومقارنتها بما حصل في مناطق الجنوب للتأكيد على أن الشعب بأسره كان تحت مطرقة الظلم وليس شعب كردستان فقط، فكان هناك مشهد جميل تتحدث فيه الأُم الكردية عن إفتقادها لإبنها بلغتها بينما تتحدث اليها إمرأة فقدت زوجها باللغة العربية، ورغم أنهما لاتفهمان لغة بعضهما البعض الا أن إحداهما أحست بألم الأخرى فاللغة لم تكن عائقاً بينهما لأن وجعهما واحد، واكّد السيناريو الذي تعاون على كتابته كل من مخرج الفيلم محمد الدراجي وجنيفر نورج ومثال غازي على تلك الفكرة بإحتضان الأم رفاة أحد الشهداء المدفونين في المقبرة الجماعية وبكائها وتحدثها اليه على أنه إبنها بعد أن يئست من العثور على جثة ولدها للدلالة على أن الموتى كلهم أولادها ولم يعد هناك فرق بينهم، كذلك طرح جرائم النظام السابق بحيث تُعري تلك الجرائم السلطة الحاكمة بسلاح القمع وتجسد وحشيته مع شعبه، كما أرّخ للمقابر الجماعية في فيلم سينمائي يشاهده كل العالم كي لاتُنسى أو تُفارق تلك ألجريمة ضمائر الشعوب فتخفّ ذكراها وذكرى ضحاياها، وأعتقد ان هذا أهم مافعله الفيلم في توثيقه لتلك ألجريمة ألتي يندى لها جبين الإنسانية فركز على صور ذوي الضحايا وهم يحتضنون جماجم وملابس أحبتهم الذين فقدوهم في غفلة من الزمن و الضمير الإنساني وفي مشهد جميل معبر يمرر الطفل أحمد الذي يبحث عن أبيه برفقة جدته يده على خد إحدى الجماجم ويضعها على خده للتعبير عن إفتقاده الى لمسة أبيه الحانية فيتخيل وضع خده على خد والده بواسطة يده.
التسامح والغفران
أهم قضية حاول الفيلم التعرض لها في مجريات الأحداث هي التسامح وغفران الضحية للقاتل وهي قضية حساسة جداً ودقيقة وخطيرة أيضاً وهي تجعلنا نتساءل الى أي حدّ تستطيع الضحية التسامح فيه مع القاتل وهل يُبرئ القاتل أن يكون مجبراً على فعلته؟ وهل هناك مبرر مقنع للقتل ؟، جسّد المخرج هذه القضية من خلال شخصية موسى أدى دوره بشير ماجد الذي التقته الأم في رحلتها بالمصادفة ويتطوع لمساعدتها، وبعد حديث معه يخبرها بأنه فعل أشياء مشينة، وعندما تسأله الى أي مدى يخبرها أنه كان في الحرس الجمهوري وأقتحم القرى مع رفاقه وقتل النساء والأطفال مبرراً ذلك بأنه كان مجبوراً على ذلك وبأنه كان سيلقي حتفه إن لم يفعل ذلك فتستشيط الأم غضبا وتنعته بالقاتل والمجرم وترفض مساعدته لها، وكجزء من عقدة الشعور بالذنب ومحاولة التكفير عن جرائمه يُصرّ موسى على الإستمرار في مساعدتها في العثور على إبنها ومرافقة الأم والحفيد رغم رفضها له، ثم تسامحه بعد أن تُشاهد إصراره على مساعدتها ورغبة التكفير عن ذبه، لكن هل يخفف هذا عن كاهله ؟ وهل مساعدة إمرأة كردية في الطريق كافية لتكون سبباً لنسيان الماضي والتكفير عن جريمة قتل نساء وأطفال أبرياء من الأكراد؟ وهل أن يكون مجبراً على القتل مبرراً كافياً لتلك الجريمة ؟ خصوصاً أن المسامحة جاءت من أم لم تجد جثة إبنها بعد، وتبحث بين رفات المقابر الجماعية عنه، ربما كان إنتماء موسى لقوات الحرس الجمهوري وتنفيذه لأوامر قيادته ومشاركته في عمليات مع رفاقه وقتل مسلحين فتحوا النار عليه كان يمكن أن يكون مبرراً بالدفاع عن نفسه لكن هل هناك مبرراً لقتل النساء والأطفال حسب إعترافه؟، فالمنطق يقول إن مجرد ترويع العوائل والقرى الآمنة يُعدّ جريمة بحد ذاتها ربما يمكن التكفير عنها بمساعدة إمرأة مسنة في العثور على إبنها لكن إذا كان الترويع جريمة فبماذا نسمي القتل، قتل اُناس لايعرفهم ولم يسيؤا اليه ولم يؤذوه ولا يُخشى من أذيتهم، ربما اُجبر موسى على دخول القرية مع رفاقه لكن هل اُجبر على ضغط زناد بندقيته بأتجاه أطفال بعمر الورد ونساء تملأ الدموع أعينهن خوفاً وفزعاً ؟ وهل يستطيع إنسان أن يغفر لشخص قُتل إبنه أو اُمه أو زوجته بهذه البساطة ؟ أعتقد انه كان على المخرج إما التخفيف من حجم جريمة موسى بأن يقول لها انه كان ينتمي الى قوات الحرس الجمهوري وإنه ساهم في عمليات ترويع وإعتقال أهل القرى وليس القتل العمد أو أن تختلف طريقة التكفير عن ذنبه بأن يفتديهم بنفسه مثلاً، فيموت دفاعاً عنهم او أن يكون هناك حدث يُعرِض فيه نفسه للخطر الكبير من أجلهم فيكون ذلك مبرراً مقنعاً لتسامحه الأم على جريمته لأنه يكون قد أثبت حينها انه نادم على فعلته أشد الندم بحيث يكون مستعداً لخسارة حياته للتكفير عن ذلك الجرم، فالتسامح بهذه البساطة ممكن أن يكون لشخص أساء الينا او آذنا الى درجة ما وليس لمن ساهم في قتل ذوينا، أما أن يكون مجبراً على ذلك فهذا لايبرر فعلته البشعة لأنه عندها يكون أنانياً فيفضل حياته على حياة الآخرين ولايمكن مسامحته إلاّ اذا كان مستعداً لتقدم حياته ثمناً للتكفير عن ذنبه فهو حينها يكون قد تخلص من تلك الأنانية لأنه لو تعرض في اي وقت الى نفس الظرف السابق وهو إجباره على قتل الأبرياء لفعل ذات الفعلة وهذا أمر خطير جداً فيكون حينها أداة جاهزة للقتل تحت ظرف ما ولا يستحق عندها المسامحة.
رمزية ومشاهد معبرة
هناك مشهد جميل جداً ومعبر وهو تحرك شعلة بيد الحفيد أحمد من مكان الى آخر تحت إظلام شديد بحيث لايظهر جسم أحمد بل تتحرك الشعلة وكأنها تطير لتسقط في مكان جديدة بعد أن تقطع مسافة معينة فتشتعل فيه النار وكأنه تجسيد لقلب الأم المستعر بالنار والذي تحرك من الشمال الى الجنوب ليجد مكاناً جاهزاً للإشتعال فيتوقد مباشرة وهو تعبير رمزي جميل أجاد فيه المخرج في إيصال الفكرة بطريقة ذكية، كذلك إستخدم الحقيبة التي كان يحملها موسى للتعبير عن حمله الثقيل وشعوره بالذنب فبعد أن كان يحمل حقيبته على كتفه تتحول مع مجريات الأحداث الى حملها باليد كناية عن التخفيف عن كاهله بمساعدته للمرأة وتختفي الحقيبة تماماً في المشهد إفتراقه عنهم لأن المرأة سامحته، كذلك إستخدامه لرمزية إصرار الطفل على حمل ناي والده الذي كان يتمنى أن يكون موسيقاراً واُجبر على المشاركة في الحرب، وإستمرار الابن على العزف في نهاية الفيلم رغم موت جدته للدلالة على إنه مستمر في نهج والده في رفض الحرب وإستخدامه لغة الموسيقى العالمية لأيصال صوته.
أوكل المخرج دور البطولة الى امرأة كردية تقف لأول مرة أمام الكاميرا وهي شهزاده حسين التي استطاعت أن تملأ الشاشة بأدائها العفوي المتمكن شاطرها الطفل ياسر طالب بدور صعب خصوصاً انه يقف للمرة الاولى ايضاً أمام الكاميرا واستخدام المخرج لممثلين غير معروفين أعطى لمسة واقعية للفيلم وكَسَبَ تعاطف الجمهور بأقترابه من الاسلوب التوثيقي ولو كان قد أوكل الدورين الى ممثلين معروفين لفَقََد الكثير من هذا التعاطف في فيلم سيظل في الذاكرة.
/5/2012 Issue 4201 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4201 التاريخ 16»5»2012
AZP09
























