

دلال بشار عبدالله
في هذا العالم السريع، حيث تتدفق الأخبار كالسيل، وتُبثّ العناوين كل دقيقة بلونٍ جديد، نكاد ننسى أن وراء كل رقم، وخلف كل مشهد، ثمة روحٌ تنبض، وقصةٌ تُروى بصمت، لكنها تطرق أبواب الضمير بألف صوت
تتغير ملامح العالم في التقارير والتحليلات، لكنه لا يتغير في أعين الجائعين، ولا في خطوات اللاجئين، ولا في صمت الأطفال الذين ينامون على صوت الرصاص. الإعلام يصنع واقعًا من الكلمات، بينما تصنع الأرواح واقعًا من الألم والأمل معًا
في مخيم بعيد، في قريةٍ لا يعرفها الإعلام، في زقاقٍ منسيّ، يقف طفلٌ حافي القدمين يبيع الماء، وتحمل عيناه من الحكمة ما لا يحمله صدر مجلس الأمن بأسره. وفي مكان آخر، تجلس أُمٌّ تحت شجرة زيتون اقتُلعت مرّات، تنتظر خبراً عن ابنٍ اختفى على حدود لا تعترف بالبشر
نعم، هناك عالمٌ آخر لا يظهر في الشاشات، ولا يُكتب في أعمدة التحليل. عالمٌ تحكمه القلوب لا السياسات، وتفهمه المشاعر لا المصالح. في هذا العالم، ليس المهم من انتصر ومن خسر، بل من بقي إنسانًا، ومن حافظ على دفء قلبه وسط صقيع الحروب
إنّ الإنسانية لا تُقاس بعدد المؤتمرات ولا بعدد القرارات الصادرة، بل تُقاس بمدى قدرتنا على التراحم، وعلى حماية الضعفاء، وعلى الصمت عندما يكون الكلام مؤذيًا، وعلى الكلام عندما يكون الصمت خيانة
لسنا بحاجة إلى عناوين جديدة بقدر ما نحتاج إلى وعيٍ جديد. وعي يُعيد للإنسان قيمته قبل أن يكون رقمًا في تقرير، أو صورةً في نشرة، أو خبرًا يُستهلك ثم يُنسى. وعي يُوقظ فينا سؤالًا بسيطًا لكنه جريء: ما الذي نفعله لنُبقي الإنسان إنسانًا؟
ورغم ضجيج العالم، ثمة من يزرع الورد على أطراف الحروب، ويعلّم طفلًا على ركام مدرسة، ويبني مأوى لمشردٍ دون أن ينتظر الشكر. هؤلاء لا يظهرون في نشرات الأخبار، لكنهم يُشكّلون أجمل ما في هذا الكوكب.
ثمّة مَن يكتب ليس ليضيف حبرًا إلى الورق، بل ليُحيي ضميرًا ربما خفت، ويزرع بذرة سؤال في أرضٍ قاحلة من التكرار والبلادة. فالكلمات التي تُكتب بصدق، وإن بدت صغيرة، تُحدث في القلوب ما لا تُحدثه الجيوش في الميادين
أحيانًا، تكفي كلمة لتعيد تشكيل رؤيتنا للعالم، وتكفي دمعة حقيقية واحدة لتُعيد ترتيب أولوياتنا. لا نحتاج إلى أن نغيّر العالم دفعةً واحدة، بل يكفينا أن نُغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر، إلى المختلف، إلى المحتاج، إلى الذي لا صوت له
في زمنٍ تتبلّد فيه الأحاسيس، يصبح الأمل مقاومة، والتعاطف بطولة، والرحمة ثورة. فلنكتب، ولنحب، ولنمنح، لأننا بذلك فقط نعيد للإنسانية ملامحها، وللعالم صوته الحقيقي
ليس العالم ما ترويه الأخبار، بل ما ترويه الأرواح. فاستمعوا جيدًا… فالصمت أحيانًا يصرخ
في زمن يفيض بالمآسي، يبقى الأمل مقاومة، والرحمة سلاحًا، والكلمة مسؤولية. لعلّ المقال لا يغيّر العالم، لكنه قد يوقظ ضميرًا. ولعلّ الضمير إذا استيقظ، غيّر كل شيء.























