المتردية والنطيحة وما أكل الشعر .. مهرجان ابي تمام والدعاة والمدعوون 

 

جواد الحطاب

 

1
… وما يؤسف له ان مهرجانات العراق الثقافية قد أصبحت، أكثر الفعاليات ازدحاما بانصاف المواهب، والهوامش، الذين كنا نلتقي بنصوصهم في “بريد القرّاء” لكنهم اليوم دعاة و مدعوون، مع تغييب يكاد ان يكون متعمّدا للأسماء البارزة والمهمة في هذه المدينة او تلك !!
وأراه انعكاسا طبيعيا للواقع السياسي الذي مسك زمامه “قادة الصدفة” فصار – مثلهم – بعض “أدباء الصدفة” قادة، في هذا المكان أو ذاك !!
.
هذه الملاحظة قادني اليها الكبير الذي منحته “نينوى” وسام تميّزها فسمّي عبر الأعوام والإحتفالات بـ(شاعر أم الربيعين) وحمل مهرجان “ابو تمام” هذا العام إسمه “ايقونة” يستحقها وتستحقه هذه المدينة التي بقيت وفية لجذورها العراقية والعربية والانسانية، رغم المرارات والعذابات التي أحاطت، ومرّت بها وبأهلها النبلاء، منذ هجومات ملوك الفرس قبل الميلاد، مرورا بالمقدوني، فالرومان، و..و..و، وصولا الى داعش الـ(عهر الحديث)..
غير ان هذه المدينة الباسلة، بقيت نابضة مثلما نبض قلب الجبوري، وغالية غلاة روحه الطاهرة، وعصية على الموت والنسيان كما إسمه .

2

كتب لي الجبوري :
(صديقي العزيز النبيل
الشاعر المبدع والمجدّد جواد الحطّاب
تحيّة لسنوات كلها محبة، وصفاء، وإبداع
قبلاتي على جبينك
قبلات الموصل على جبين بغداد والبصرة
مع فائق محبتي واعتزازي

معد الجبوري
1/3/2009
الموصل )

 

ولأنّ (أبو الحارث)، كان بيتي بيته- في بغداد، وفي البصرة كان له ، قلبا مفروشا لحضوره الباهي أيام المهرجانات الأدبية، أو المجيء لقضاء عمل ما .
لذلك نقل لي، وبخط يده الجميل (قبلات الموصل) على (جبين- بغداد، والبصرة) .
وكأنّه أرادني أن أزوره في مهرجان يحمل اسمه، فاعتذرت له بأسباب موجبة، وإن بقينا على موعد .
.
( .. وللأمانة، قاما بواجب دعوة الزيارة – نيابة عنه – الناقد الفذ محمد صابر عبيد، والقاص والروائي الكبير نجمان ياسين، اللذان دعاني للحضور قبل المهرجان باكثر من إسبوع، وبلهجتهما الموصلية المحبّبة قالا : يجب ان تاتي ابو الجود، ولا عليك من الفندق، او قراءاتك في الأماسي، فبيوتنا مفتوحة، ونحن من سنعدّ لك منهاجنا الاحتفائي..).
شكرت نبلهما، واعتذرت بالأسباب الموجبة، التي ذكرتها لـ(ابو الحارث) وحمدت الله، فيما بعد، على موجبات أسبابي الإعتذارية لأني حين تفحصّت أسماء من يدّعون التقمّم، (بغض النظر عن المناصب) ، وقرأت أسماء ممن دعوهم، (بعيدا عن الجنسيات)، رأيت “هواي” من النطيحة والمتردية وما أكل النشر، فتأسّفت للمنصّة، وان خفّف من أسفي ان هناك بعض قامات تستحق ان تعتليها !!
وقد فات (المتقمّمون) بان العراق بلد “صيارفة الشعر”، وانّ أهله هم من انتسب اليهم “محمود درويش” وطالب كل من يتعاطون القصائد ان يكونوا “عراقيون”، ليحقّ لهم الإدعاء بانهم “شعراء” !!
(الشِّعْرَ يُولَدُ في العراقِ، فكُنْ عراقيّاً لتصبح شاعراً يا صاحبي– درويش) !!
وبالتاكيد لم يكن “ابو شكريه” يقصد “التجنّس” في “السجل المدني”، كما تفعل بعض الدول مع نجوم كرة القدم، لكنه طالب ان يكون متعاطي الشعر صاحب ذائقة رفيعة كذائقة العراقيين، ليمكن له ان يدّعي انه “شاعر” وان إجازته الشعرية كانت من بغداد، ومن البصرة.. أو الموصل التي نحمد لها انها أطلقت “البردوني” نجما ساطعا في سماء القصيدة العربية، وفي مهرجان مثل هذا المهرجان . .

3

وبالإذن من “ابو الحارث”، أقول :
يا سدنة المهرجانات ..
خلّوا في بالكم ان الجمهور العراقي، جلّه من “صيارفة” الشعر، والصيارفة لمن لا يعرفهم، أيام كانت العملات النقدية من “معادن” كانوا يستخدمون الـ”مطارق الصغيرة” لمعرفة معدنها : اصلي أم زائف، ولم يستطع دهاة المزورين تمرير من يتبنون بهتانا .
فصيارفة الذائقة الشعرية العراقية ، يكشفون ومن أول مطلع كم من زيف في متداول هذا “البائع” او ذاك “المطروح” للترويج..
وكان على جهة الدعوة إحضار من تريده لـ”السماع” فقط، لأنه سيقابلهم بالدعوة الى بلده .. التي تدفع مكافأة بالورق الأخضر للضيوف.. لا غير، والّا من فلان أو فلان – شعريا- وليس إنسانيا !!
بمثل هذا، وغيره، تنبّأ الشاعر العظيم عبد الوهاب البياتي بمعادلته الشهيرة الخاصة بالعملة الرديئة وطردها للعملة الجيدة .
وما نراه اليوم من مدعوّين، وفي شتى المهرجانات للأسف، عملات شعرية رديئة، جاء بها زمن المتردية، والنطيحة، وما أكل الشعر.

 


.
4

قبلة على جبين ام الربيعين..
قبلة وماء ورد، على شاهدة قبر شاعرها العَلَم،
صديقي معد الجبوري.
.
ووعد للأصدقاء الاكاديميين الذين تعرفت عليهم في الدعوة الماضية، والذين اتصلوا بي بأنهم ينتظرون..
أقول لهم سأجيء ، وقريبا
فمثل هذه المدينة التي تبتكر ربيعها بربيعين
يحتاج “جدب الروح” فعلا الى زيارتها .
لـ(ان السماء ترجّى حين تحتجب) .
.
كلّ ابي تمام والموصل الـــــــــــــــــــموصل .
وقصائدها الجديدة “قلائد”
على جِيد المنجز العراقي والعربي.
وما تحدّثت عنه “عارض” سيمرّ
لابدّ ان يمرّ،
وكما قال ابو الحارث
( والضُّحَى..‏
كُلَّ يومٍ، بِكَفَّيَّ هاتيَنْ،‏
أنْتَشِلُ القَلْبَ،‏
مِنْ بَيْن فَكَّيْ رَحَى..) .
.
.
الصور من أرشيف مؤرخ الموصل ومؤرشفها الدكتور ابراهيم العلاف .
عدا رسالة ابي الحارث، فهي من أرشيفي الشخصي