

صباح الأنباري 
توطئة:
كثيرون كتبوا عن البناء الدرامي في الشعر، والعناصر الدرامية في الشعر القديم والحديث وكثرت تنظيراتهم في هذه الموضوعة الحساسة حتى تناسوا انهم يتناولون الشعر وعلاقته بالدراما متعكزين على حقيقة أن المسرح والشعر شكّلا شراكة قوية أو جذرا نمت على نسغه المسرحيات الكلاسيكية التي أثمرت مآس إغريقية عززت القرابة بين الشعر والدراما، وزاوجت بينهما فأنتجت مهارات استمر تأثيرها وأثرها حتى احمد شوقي ومسرحياته الشعرية. ولكنهم وهم يسعون لهذه القرابة والمصاهرة نسوا أن الكلاسيكيات كلّها هي مسرحيات كتبت بلغة الشعر حسب، وقد عزز أرسطو بأقواله ضرورة أن تكتب المسرحيات بلغة الشعر لأنها لغة راقية تليق بالسادة النبلاء وأسمى من أن تهبط الى مستوى العبيد والأرقاء، وهو القائل:
(الشعر أوفر حظا من الفلسفة، وأسمى مقاماً من التاريخ) (1)
هذه هي كل الحكاية التي أصرت على المصاهرة والمزاوجة بين الشعر والدراما. وعندما فرضت الضرورة الطلاق الشرعي بين الشعر والمسرح أصر بعضهم على الوفاء المسرحي للشعر أو الشعر للمسرح. وجاء بعدهم الكتاب والنقاد ليدلوا بدلوهم مرة أخرى فيبلبلوا أدمغتنا بخطاب عن البناء الدرامي في الشعر. أتوقف هنا قليلاً لألقي عليهم ليس التحية حسب، بل السؤال الآتي:
إذا كان القصيدة مبنية على وفق آرائكم الحصيفة بناءً درامياً ألا يعني هذا أنها فقدت بناءها الشعري لصالح البناء الدرامي؟ ثم لماذا تقررون نيابة عنها التنازل القسري المجحف الذي لا يخلو من تجاوز كبير؟ لقد قرأت ما تيسر لي من قصائد الشعراء الذين كانوا تحت رحمة مشارطكم النقدية الدرامية ولم أجد قصيدة واحدة بنيت بناءً دراميا كما تدعون. ووجدت أن بعض إن لم قل كل الشعراء الذين اهتموا بدرامية قصائدهم لم يتبجحوا بالبناء الدرامي كما فعلتم. اعرف أنكم سوف تتهمونني بالرأي المتطرف ولكم الحق في هذا الاتهام لأنني لم أقل بعد إن الدراما لا تقتصر على الخطابات السردية والمرئية حسب، لأنها موجودة فعلا في كثير من تلك الخطابات ويحدد وجودها بصفة واضحة في القوة التعبيرية عن جوهر التناقض وما يخلفه من صراع ذهني أو حركي مثير لدهشتنا ومحرك لاستجابتنا العاطفية. الصراع يوجد في الرواية على سبيل المثال فما الفرق بينها وبين المسرحية (الروائي قد يرى الأحداث عن طريق أذهان الآخرين في حين أن المسرحي يتيح لنا رؤية أذهان الآخرين عن طريق الأحداث) (2) كما يقول أريك بنتلي وعليه يمكنكم أن تكتبوا ما شئتم عن الدرامية كصفة استعارية مرحلّة من المسرح الى القصيدة الشعرية من دون أن تمسوا شعرة واحدة من شعر البناء الدرامي سواء في قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر وحتى في كلاسيكيات الشعر العربي. إذن كيف ندرس الدرامية في الشعر، وباي طريقة يمكن تناولها؟ هذا ما سنجيب عليه من خلال تناولنا لموضوعة الدرامية في شعر الحطاب واختيارنا للنماذج الآتية
:
أولا. (الرحلة الثانية لجلجامش)
وهذه المرة لا أبدأ من العنونة كتذكرة للدخول إليها سيراً على عادة قيدت دراساتي ومقالاتي بها وانا أتناول نصوصا أدبية لا لشيء إلا لأنني تناولتها في مقال سابق يمكنكم الرجوع إليه متى شئتم (3) وفقط أشير الى أنها جاءت متطابقة أو متلائمة مع النص كدال ومدلول.
القصيدة بنيت على سابقة لها (ملحمة جلجامش) والملحمة ارتكزت بشكل أساس على أحداث درامية مثيرة للدهشة والعاطفة، وتضمنت على قضايا إنسانية مهمة وشاملة كما هو حال اغلب إن لم أقل كل ملاحم الرافدين الأخرى، وبسبب تركيزها على الجانب الإنساني تكرر استلهام الكتابات منها عشرات وربما مئات المرات فهي المعين الذي لا ينضب أبداً في اجتراح كل ما هو إنساني وجديد. وعلى طريقة المسرحيات الكلاسيكية بدأ الحطاب قصيدته بمقدمة (prologue) وهي خطاب غالبًا ما يكون شعرًا يوجهه الممثل إلى جمهور النضارة في بداية المسرحية (4) وعمل على الموازنة الفنية والشخصية بين ملحمة جلجامش وملحمته وافتتحها بـ(تقديم) جعله على نصفين
:
تقديم:
علامَ أعطيت ولدي جلجامش
قلبا مضطربا لا يستقر
وحثثته..
فاعتزم سفرا بعيدا (5)
في هذا النصف من التقديم أراد الحطاب أن يتماهى مع شخصية جلجامش فانتخب من الملحمة أقرب سطورها الشعرية إليه باعتباره شاعرا ذا قلب مضطرب لا يستقر، وباعتبار مكانته الاجتماعية كإنسان عراقي هو في حقيقة الأمر مماثل ووريث لجلجامش الأوروكي (6) وفي هذا المقطع نجد أن القرار لم يكن من شأن جلجامش حسب، بل من شأن الآلهة أيضا، فهي التي تقدر الأقدار لهذا عاتبت ننسون الإله على ما منح ابنها (قلبا مضطربا) والحطاب كدأبه على التفرد حتى في شخصيته كتب النصف الثاني من التقديم كاشفا نيته الجامحة
:
في نيتي..
أن امتطي البحر..
وأضع اللجام في فكيه
-ج. ح – (7)
في هذا النصف قرر الحطاب ركوب البحر كما ركبه من قبل جلجامش العظيم. جدف فيه وغاص الى أعماقه السحيقة وتحمل العواصف والقواصف كي يصل الى السر الذي أرقه فقرر الظفر به مهما كانت الأهوال والصعاب. وإذا كانت الملحمة الأم ممهورة باسم جلجامش فان ملحمة الحطاب ممهورة باسمه أيضا (ج. ح) ومع هذا فان الشاعر يعمل بالنية الحسنة (وإنما الأعمال بالنيات) ولا يغتر بما كسب أو ما آلت إليه نفسه من الهيمنة لأنه لم ينس كونه عراقياً، وضميراً جمعياً. ولا بد لي من الإشارة هنا الى المعنى الذي تلاعب به الحطاب وهو يجترح لغته الشعرية الخاصة من اللغة المستهلكة فعندما نقول ركب البحر فإننا نعني انه سافر على ظهر سفينة – كما ورد في معجم المعاني الجامع- أو أي واسطة نقل بحرية أخرى، والفرق هنا أن الحطاب ركب البحر كما يركب الفرس وقد وضح هذا من خلال وضعه اللجام على فكي البحر فحصل على صورة شعرية غاية في الجمال والكمال والدلالة.
ومع بداية الرحلة الثانية للحطاب تكشف لنا القصيدة عن الحالة النفسية والشعورية التي سترافق الشخصية طوال دربها الشاق الطويل فهي على الرغم مما تنشده من السلام فإنها تواصل تقدمها والمهماز مغروز بخاصرتها وهذا هو جذر الألم العراقي الذي ولد مع العراق واستمر معه حتى يومنا الراهن. ولا بد أن نوضح أمرا آخر هو أن هذه الشخصية تمتلك من القوة ما لا تملكه غيرها والا كيف تصل الى هدفها والمهماز بخاصرتها! هي إذن شخصية أسطورية واقعية خارقة، قادرة على إنجاز أي فعل لم يستطع غيرها إنجازه تحت الظرف نفسه، ولهذا يعلن الحطاب عن نفسه معبراً عما يجمعه بجلجامش
أنا – الحطاب- دليلي الرؤيا (8)
انظر الى هذه الأنا المشتركة بين جلجامش الملحمة وحطاب القصيدة يقول جلجامش:
(أنا جلجامش أنا الذي قبضت على الثور الذي نزل من السماء وقتلته) ويقول في موضع آخر من الملحمة: (أريد، أنا جلجامش، أن أرى من يتحدثون عنه ذلك الذي ملأ اسمه البلدان)
وهما يشتركان بالرؤيا التي اتخذت فيها ننسون/ الأم موقفا بينياً إذ تضرعت للإله متوسلة أن يحفظ ابنها، وهي نفس المرأة التي دعت الحطاب كطفل أخذت وجهه بين يديها ليأتيه الصوت الناصح عبر التاريخ الأسطوري (اتبعها.. تهديك الى الواحة) والواحة هي الغاية المبتغاة، والغابة التي بث شروره فيها المارد المتجبر خمبابا. ومع كل هذا استمر المهماز في خاصرة الحطاب محاولا قهره كي يتخلى عن رؤياه لكنه أبى إلا أن يكمل طريق سفره نحو الهدف الأول الذي اختاره بنفسه واعتزم الوصول إليه. وكما رأى جلجامش الأشياء من حوله رآها الحطاب، والقصيدة نقلت لنا ما رآه بعدسة ثبتها الحطاب على جبهتها فرأينا من خلالها حال المسافر:
أتنفس رائحة اللوحات الحجرية..
أسأل هذا النهر الواقف.. عن حكمته
وأصادق وحش البر (9)
التاريخ عند هذا المقطع يتماهى مع الحاضر، والنهر (الفرات) يشير أيضا لطريق السفر الموحش عبر غابة تكتظ بوحوش البر. هذه الدالات تشير الى مدلول واحد يمكن حصره بوادي الرافدين من خلال الربط بين اللوحات الحجرية أو الرقم الطينية السومرية التي خلفتها لنا حضارة سومر (حضارة وادي الرافدين) وهذا يعني مدى الدقة التي توخاها الحطاب في اختيار رموز القصيدة في قرابتها للملحمة الأم. ثم يأتي دور (صاحبة الحانة) في هذا النص المشبع بالدرامية كما في نص الملحمة لتقدم نصيحتها لولدها الحطاب عبر حوار ملحمي يقول فيه:
– يا صاحبة الحانة
أبحث عن نار
أنضج فيها الحلم
وماء
أغسل فيه الليل
فترد عليه رد امرأة حنون رؤوم:
– يا ولدي
أجعل كرشك مملوء
وفراشك دافئ
دلمون..
لن يبلغها البشر الفانون (10)
أهذا هو مفترق الطرق بين الاثنتين (الملحمة والقصيدة)؟ فالطريق في الملحمة يستمر في محاولة الوصول الى سر (الحياة والموت) والطريق في القصيدة يستمر في محاولة الوصول الى (دلمون) ارض السلام والخلود. في اعتقادنا أن الحطاب لم يبغ هذا المفترق منذ البداية، وفقط أراد أن تكون شخصيته متماهية مع شخصية جلجامش ومستقلة عنها في الوقت نفسه، وهذا هو شأن الإبداع دائماً. على المسار نفسه التقت القصيدة والملحمة بوجود شخصية (صاحبة الحانة) التي نصحت جلجامش قائلة:
أما أنت يا جلجامش فليكن كرشك مملوء على الدوام (11)
ومن هذه النصيحة وتشابهها مع نصيحة المرأة للحطاب نجد أنه أخذ من الملحمة القديمة ما خدم نصه الجديد دون أن يتعكز عليها وهو الواثق من خطواته، والبارع في أدواته، والقادر على منح القصيدة درامية عالية. ولا يزال المهماز في خاصرته والرؤيا دليله في هذا السفر الشاق. وهو كسلفه لم ينج من كيد الأفعى بعد أن حصل على عشبة الخلود:
من أحراش الرحلة تهبط أفعى..
تدعوني: بعل
وتدخلني، بجناح غراب
مملكة من دخان (12)
هنا يغير الحطاب مسار الرحلة فقد سرقت الأفعى من جلجامش عشبة الخلود، وحرمته من تجديد شبابه لكنها مع الحطاب أخذت بيده الى مسار مختلفٍ عن جلجامش/ الملحمة ومقتربٍ من أسطورة أخرى فيها من الدرامية ما يعادل نصا مسرحيا تراجيدياً بأسلوب شكسبير. لقد أخذته الى العالم السفلي الى عالم ارشكيجال المظلم. الى مملكة الدخان والهبوط الى العالم السفلي يمر بعدد من البوابات الرهيبة. في الأول يخلع فيه جلد الغابات لتلبسه ثوبا من لازورد في إشارة الى قداسة المكان وهيبته، وفي الباب الثاني استبدلت عينيه بالزئبق ودماءه بالصمغ تلك هي قوانين مملكة العالم السفلي وهنا تتماهى رحلة الحطاب برحلة أنكيدوا الذي كلفه جلجامش بجلب آلتين سقطتا منه سهوا الى العالم السفلي الذي إن دخله بشري فلن يسمح له بالخروج منه أبدا. وأخيرا تطلب الأفعى من بعلها الحطاب أن يدخل من البوابة الثالثة وقد أنهكه التعب ولم يعد جسمه يحتمل المزيد فيحدث بينهما الحوار الآتي:
أوحشني جسدي
وانا تعبان
فدعيني ارحل
فترد عليه قائلة:
يا بعلي
لم يبق أمامك غير الباب الثالث
فادخله
تجد الملك (13)
من الطبيعي أن يشعر بالتعب بعد قطع القفار والفيافي في سفر كله مشقة وقسوة، غدا بسببهما نصف ميت ونصف حي. يقول جلجامش بعد سرقة الأفعى عشبته انه أراد العشبة لمواطنيه من أبناء أوروك وله بعد أن تصيبه الشيخوخة ليعود الشباب إليه، ولكن لم يحصل الناس عليها ولا جلجامش. ولهذا طلب الحطاب منها ثانية أن تدعه يرحل:
مولاتي..
الفقر.. داء
وانا محموم (14)
الرائع في هذا الموقف الدرامي، أن الشاعر وهو في أسوأ حالاته وأشدها قسوة على نفسه لم ينس الفقر ولا مواطنيه الفقراء ولا عجب أن لقبه بعض النقاد بـ(شاعر الفقراء) ولا عجب من دخوله السجن بسببهم. هو يؤمن بقضيتهم ويجاهر بانتمائه لهم وتعبه من أجلهم، لذا أصر على طلب العودة لحريته فتكفلت الجوقة بالرد عليه:
الجوقة: ستة أيام
تشنقه الصحراء من الشفتين (15)
دخول الجوقة الى النص دعمت قران القرابة بين النص وبين الدراما، وكذلك فعل الصوت والصدى وفي اليوم السابع تنفلق الأرض وتخرج منها امرأة هي المرأة نفسها عادت لتمسك وجهه بين كفيها وتطعمه فاكهة الفقراء الذهبية. عند هذه المرحلة يتذكر مملكة الدخان وآخر أبوابها فيقبل وجهي كفه شاكرا نعمة العودة التي لم يحظ بها أنكدوا من قبل ويعود الى نفسه كجواد والى واقعه كفرد من أفراد قريته التي توّجت هامته بتاج الفقر. ومن هناك ينقل لنا أوضاع القرية نساءها وكلابها النباحة والمشاجرات النسوية المستمرة وفيها أيضا يبحث عمن تأخذ وجهه التعبان بكفيها:
تدعوني: الطفل
وادعوها: الإنسان
وأسائلها..
عبرنا..
الباب؟ (16)
ولم تخبرنا القصيدة هل تم العبور فعلاً أم أن الشاعر قرر الاكتفاء بالنظر الى ذلك العالم من ثقب الباب حسب.
مما تقدم نستنتج الآتي:
1. نجح الحطاب في جعل قصيدته درامية حقاً عن طريق اشتغاله على نص ملحمي أسطوري، الدراما فيه مدخولة في كل مشهد من مشاهدها الكثيرة.
2. استلهم الحطاب روح الأسطورة وجعل قصيدته تتنفس من رئتيها.
3. عمل على التماهي مع الملحمة السومرية وفي الوقت نفسه انفصل بتفرد عنها.
4. أدخل عليها الحوار كعنصر من عناصر الدراما التي حفلت به ملحمة جلجامش بأسلوب ملحمي/ روائي غير مسرحي.
5. استخدم لغة شعرية أنيقة بجرس موسيقي وبنكهة أسطورية.
6. أدخل على قصيدته الجوقة والصوت والصدى كأدوات درامية شدت حبكتها بمشد الحكاية الملحمية.
7. اختار أفضل شخصيات الملحمة في أداء أدوارهم الدرامية التي دعمت أواصر القصيدة.
8. نجح في بناء القصيدة بناءً شعرياً محكماً وانفتح على البناء الدرامي بحدود معقولة جداً كي لا يتنازل عن هيمنة البناء الشعري أمام سطوة البناء الدراما.
*
ثانيا. شرق البصرة (17)
يبدأ الحطاب قصيدته (شرق البصرة) بملاحظة درامية، وصفية تقول:
(عبر تاريخ العراق، كان مهاجموه يبتدئون – أول ما يبتدئون – بالبصرة لكنهم – دائما- يعودون منها بالهزيمة والخسران)!!
وهذه الملاحظة حددت لنا الزمن (تاريخ العراق) والمكان (البصرة) والحدث (الهجوم) والشخوص (المهاجمون الغزاة) والحالة (الهزيمة) وهذه المحددات كلّها مرتبطة بشكل أو بآخر بالدراما المسرحية ومن شانها أن توضح لنا من خلال سياق النص مدى دراميته.
في الليل
في آخر الليل
أسراب من الجراد
أرتال من النمل
يقودهم خنزير
قد هاجموا أهلي
وقد جاء في هذا المقطع الافتتاحي تحديد زمن الهجوم بالضبط (آخر الليل) وان المهاجمين جاءوا بأعداد هائلة وصفها الشاعر بأسراب من الجراد (طائرات مقاتلة) وأرتال من النمل (محاربين على الأرض) وكل هؤلاء الغزاة يقودهم خنزير يمكن أن نطلق عليه (الغرب) إذن حجم الهجوم كان ضارياً وعلى الرغم من ضراوته إلا أن طفلاً واحداً من أطفال البصرة استطاع بأظافره فقط طعن الخنزير من السرّة الى السرّة.
وهذه كناية عن قدرة أهل البصرة على إلحاق الأذى بالمعتدي على بصرتهم على الرغم من كونهم عزلا. وتأويل ذلك أن ابسط وأصغر كائن في البصرة قادر على مواجهة أعتى قوة للغزاة.
في المقطع الثاني كما رأينا اشتغل الحطاب على نقيضين (مهاجم، ومدافع) وهذا يعني أن الصراع قد بدأ منذ اللحظة على أشدّه، ويعني أيضا أن القصيدة بدأت درامية منذ لحظتها الأولى. ولكن الحطاب لا يكتفي بهذا القدر من الدرامية، بل راح يجيّش الفقراء لهذه الحرب الضروس ويخبر أصدقاءه بما سيحدث في تلك الليلة فهو يقول لوارد (يجتمع الفقراء بشرق البصرة هذي الليلة) ويقول لحمزة (انتظروا الخنزير وأرتال النمل) ويقول لذكرى (هؤلاء أهلي يعرفون العدو، بنادق آلية وأصابع سوداء لكنهم يقصدون إليه) ويهجمون عليه مدافعين عن الأرض والعرض وهم موقنون أن الله ورسله يقاتلون الى جانبهم وهم يناصرون الحق على الباطل، والنصر على الهزيمة.
في شرق البصرة ثمة أناس بسطاء يقاتلون ويدخنون ويستأنفون النزال، شخوص كالملائكة الوادعين وجمع لا يخشى في الحق لومة لائم. عند هذا الموقف الصعب يتوقف الحطاب لينقلنا الى فضاء آخر مختلف تماما يستقدم شخصية (الزين) في ليلة زفته الى عروسه، فتتداخل المواقف عند هذه النقطة الحرجة: موقف الزين من توقيت العرس وموقف النساء من الزفة، وتتبدل الأمور فتأتي النساء مع العروس مسلحات ببنادق (البرنو) لتكون مقاتلة الأعداء بسلاحهم الذي غنموه من أسلاف المستعمرين الغزاة يوم أرادوا احتلال العراق.
والحطاب في هذا أراد إبراز الجانب القوي في شخصية المقاتلين وقدرتهم على دحر الغزاة في الماضي والحاضر أيضاً، فبندقية البرنو التي يفتخر العراقيون بها كغنيمة حرب تشير الى تاريخ قريب دارت معارك الثوار فيه عام 1920 واطلق عليها تحديدا ثورة العشرين. العراقيون يحفظون هذا التاريخ المشرق ويفاخرون به العالم أجمع. انظر كيف يسعى الحطاب بنصه الشعري نحو الذروة كما لو انه يكتب نصاً مسرحياً. وعليه يستمر في تجييش أبناء الوطن الواحد:
فلترنو:
القمر المحزوز كمنجل جدي
وشيوخ السنبل
ووفود من قصب البردي وأهلة كردستان
يجتمعون الليلة عندي
وغدا..
في شرق البصرة
يبدون ما نبدي
فهو يجمع الفلاحيين (شيوخ السنبل) الجنوبيين مع الكرد الشماليين (أهلة كردستان) ليساهموا جميعا في منازلة العدو الذي جاء بجيوشه الجرارة من الجراد (رمز الكثرة) والنمل (رمز الزحف) والخنزير (رمز الغرب الاستعماري) وعمّق هذه الصورة بأقصى أثرها حين جعل فتيات الكرد يأتين الى شرق البصرة وهن يرتدين ملابس الشبان ويخفين البنادق تحت أثوابهن فالمعركة الليلة معركة الجميع.
لقد آزر العراقيون بعضهم بعضا من كل مدن العراق الشمالية والجنوبية، من الأهوار والجبال، ومن سفوان والبصرة، من الشيب والشباب، ومن الرجال والنساء. فانطلقت حناجرهم وهي تشق عنان السماء صادحة:
(الخبز من كف النذل
مر)!!
يا يمه عد عينيك
يا يمه شوفينا
ضرب الخناجر.. ولا
حكم النذل فينا
لقد انهزم الغزاة في شرق البصرة وذاقوا مرارة الخسارة الكبرى في ذروة هذا النص، وآن الأوان على طريقة المسرح كي تهبط القصيدة من الذروة الى نهايتها فهل انتهت القصيدة عند هذه النقطة؟
يستمر الحطاب في مجاورة نصه لنصوص الدراما المسرحية ويعرب عن موقفه كشاعر وإنسان عراقي حيث يقول
:
قلت عراق، كم موت يعرفه القلب
لقد انتهت الحرب ولم تنته، ونامت البصرة من دون قصف وانفجارات ودوي، وكانت تحلم مثل عروس أن يتركها (الخنزير) لتعيش مثل باقي البشر ومع أنها نامت تلك الليلة بهدوء واسترخاء إلا أن نومها كان بعين واحدة فهي تعرف في يقينها أن الخنزير لن يدعها تنام هكذا الى الأبد على الرغم من تركها جرحه مفتوحاً “من السرة الى السرة”
*
ثالثا. الطوفان: (18)
النظرة الخاطفة لهذه العنونة (الطوفان) تشي منذ البداية بمحتوى درامي. فالكل يعرف ما يفعله الطوفان وما يجلبه من الدمار، والانهيار، والتشريد، والتجريف، وما الى ذلك مما حفلت به آثاره التدميرية في طوفان اتو-نبشتم، وطوفان نوح. العنوان إذن أنبأنا بعنف ما سيحصل داخل القصيدة، ومن بدايتها حدد الحطاب زمن وقوع الحدث (حين ابتدأ الخلق) ومن البداية بدأ العنف واشتد التناقض واصطدمت الرغبات المكبوتة:
حين ابتدأ الخلق
تقسمت الكرة الأرضية
وتوزع الناس عليها فاستثمروا وزرعوا ونالوا ما يرغبون وما لا يرغبون إلا أبناء الشاعر أهملتهم العناية الإلهية وباتوا في ضياع وتشرد لا ملاذ لهم، ولا ثمة من يؤويهم أو يحميهم من قر ومن حر
:
وتناسانا الله
وكأطفال ملعونين
تعلقنا في ذيل ثيابه
يا أبتاه
الوقت شتاء، يا أبتاه
ولا بيت…
لم يظل الأب صامتاً، أعاد النظر في شأنهم وخلق لهم أرضا حمراء أسكنهم فيها فوق بحيرة نفط!!
ويا للعجب العجاب. بحيرة نفط لم يعرفوا كيف سيأتون إليها وبدأوا منذ القدم تقديم القرابين لها بهيئة فتيات فاتنات كي يهدأ غضب سوراتها لكنها لم تهدأ ابداً فأقاموا عليها تماثيل للجلادين لكنها لم تهدأ فسحبوا الأرض عن بطنها
:
رأينا النفط: سفينة طوفان
فحملنا من كل، أنبوبين
تناسلنا..
حتى امتلأ المركب بالشركات
فكيف سيعرف من الواحد أخوته
ونحن جميعا أولاد أنابيب!!!!
هم لم يجدوا الطوفان، ولكن وجدوا سفينة الطوفان التي تنجيهم منه فكانت طوق نجاة كبرى للناس، وإنقاذ لهم من الغرق الرهيب. وفي الوقت نفسه أتاحت لهم فرصة التناسل، ولكن ما تناسل عنهم ليس بشرا مثلهم، بل كان شركات مختلفة تستثمر لصالحها. فزال تعجبهم ونقص بشكل واضح وبرع الحطاب في تصوير هذا من دون كلمات وفقط بعلامات التعجب التي جعلها كبيرة (!!) أول الأمر ثم جعل رسمها صغيرا (!!) في نهاية الأمر، وهكذا بدت الحالة الجديدة مربكة بشدة حتى وجدو أنفسهم في ضياع وضلال، فبعد أن توهموا أنها ستجلب لهم الأشجار والأنهار والأقمار ظهرت لهم حقيقة مخلصهم (النفط) بلا سيقان
:
والآن:
النفط بلا سيقان
ونحن.. نرقد فوق بحيرة دم!!
وعند هذه النقطة تنتهي المعاناة نهاية مأساوية (تراجيدية) وهم غارقون بالدم وتحول الطوفان الى (بحيرة دم) آتية على إغراقهم بلا مقدمات أو إشعارات مسبقة فيطلقون استفسارهم عما جرى
:
هل أغضبنا الله كثيراً
يوم تعلقنا في ذيل ثيابه؟!!
ولا جواب يحضرهم في ذلك الوقت. ومن خلال هذا العرض المختزل لفحوى القصيدة وجدنا كم كان الصراع قويا وعنيفا بين البشر ومصيرهم وكيف فقدوا حتى بصيص الأمل في إنقاذهم وان مخلصهم نأى بنفسه عنهم فلا حول لهم ولا قوة إزاء طوفان النفط الذي هيأ لهم مركبة النجاة ليبتليهم الابتلاء الأعظم الذي يتركهم للضيم والقهر والموت الذي ليس له حدود. وهذه هي ذروة المأساة وذروة دراميتها. والأعجب والأمرـ أن الطوفان لم يأت في القصيدة كما توقعناه في البداية، بل كما أراده الشاعر طوفان يغني الشركات ويفقر البشر.
*
رابعا. سلاما أيها الفقراء (19)
مع أن الحطاب لم يبدأ مشواره الشعري من الصفر كبقية الشعراء والأدباء لأنه ومنذ بداياته الأولى نشر أولى قصائده في مجلة (الأقلام) التي تتميز بالمستوى العالي من الرقي، ومن الخبراء الذين لا يسمحون بصعود أي نص الى منصتها إن لم تتوفر فيه شروط الإبداع ومستلزمات الكتابة الراقية. لقد عرف الحطاب منذ البداية أن أفضل مقوم للقصيدة هو دراميتها التي تمسك بالقارئ محركة استجاباته العاطفية والفكرية ورغبته في متابعة الأحداث التي تحفل بها القصيدة ناهيك عن الصور الشعرية التي أحسن الحطاب صياغتها، ومعايرتها بميزان الذهب الخالص. لقد عرف منذ البداية أيضا أن الجملة الفعلية هي أكثر تأثيرا في المتلقي من الجملة الاسمية وغيرها لذلك توصل الى إن الأفعال هي خير وسيلة لأسلبتها وهذا ما وجدناه فعلا في قصيدته الموسومة (سلاما أيها الفقراء) التي بدأها بالفعل (ينبئ) حين يقول في المقطع الأول
:
ينبئني..
المطر الساقط على قمر الأكواخ
بأن رجال المباحث في العشب..
لقد حددت السطور الشعرية الأولى مسار القصيدة أعني موضوعها الرئيس والذي وقع مفعوله بقوة على الفقراء من جهة وعلى رجال المباحث من جهة أخرى كفاعلين متضادين في تأجيج عملية الصراع، وتطور الأضداد. لقد اختار الحطاب صورا داعمة لذلك الصراع بعد وقوع فعل التنبؤ الذي افرز القوتين وهيأهما للحدث المقبل وفعله الحركي:
أغادر الطرق الممنوعة في الليل
لقد جاءت حركة الشاعر ومن يمثلهم جراء ما ينتظرهم من مظالم رجال المباحث معبرة عن الحالة الإنسانية والمشاعر المرافقة لعملية هروب الأبرياء من بطش السلطة الغاشمة في مدن تكتظ بالفقر والفقراء ورجال المباحث (ودخان الحضارة الأمريكية) وهذا يعني انهم محاصرون بالموت فما كان من الشاعر إلا إن استخدم أفعال الكينونة
:
كنا نموت..
وكانت
بيارق الطوفان
حافية القدمين..
وعلى الرغم من ذلك يعلو صوت ندائه محذرا المرأة عند انتصاف الليل، ومحاولاً أخذها بعيداً عنهم إلا أن ردة فعلها تأتي على غير ما توقعه في حوار برقي قصير وسريع بينهما جاء بعد (لا) النافية التي عبرت عن فهمها الحقيقي لطبيعة ما يجري على ارض الواقع المعيش. الحوار البرقي فرضته ضرورة الموقف وخطورته فهما في حالة لا تسمح بالإطالة والشرح الكثير والإسهاب في التوضيح. هذه الموقف الدرامي المعقد استدعى صورا جديدة وتطورا في بناء القصيدة الذي انفتح على الدراما مرة أخرى مستخدما الإضاءة والصوت وهما من أدوات المسرح الفنية
:
(إضاءة)
صوت (1)
مر المفوضُ
فعل المرور يؤكد حضور السلطة وبحثها عن الهاربين الأبرياء والشاعر يسلط الأضواء عليها لكشف ألاعيبها ونواياها الخبيثة:
صوت (2)
مر الجنود والفقراء
فعل المرور هنا يشير الى حركة الهروب، والفعلان معا يعبران عن حالة الطرفين ويختلفان من حيث طبيعة كل منهما ويؤكدان أن الشاعر ماض في استخدام بعض عناصر الدراما لتقوية الحدث، فضلاً عن استخدامه للصوت الإذاعي على شكل بيان يقضي بمعاقبة الفقراء لأنهم أدوا التحية باليد اليسرى بدلا من اليمنى، ووراء هذا الدال (اليسرى) تختفي قوة اليسار التي جل أفرادها من الفقراء الذين ينتمي الحطاب لهم بالتأكيد. ولم يكن هذا كلّه بمأمن من رصد الرقابة فقد وضحت لها الصورة وعرفت على أي الأوتار يعزف الحطاب ملحنته الشعرية ولهذا منعت صدور المجموعة التي كانت هذه القصيدة ثريا عنونتها المركزية. وينتقل الحطاب من الفعل الحركي الى الفعل الشعوري ليصور لنا بهجة أشجار الرميلة وهي تهمي:
فوق صرائفنا المستضيفة حزنها
في هذه الصورة يربط الحطاب بين فقراء البصرة (أشجار الرميلة) وفقراء بغداد (صرائف الكرادة) على الأغلب عن طريق إحساسه بهما معاً. في المقطع اللاحق يطل من على شرفات البلاد على أعراس تقام على شفا حفرة من الموت وفي الوقت نفسه يطل على أبناء القوة الغاشمة وهم يرتادون البارات ويرتدون الياقات البيضاء. لاحظ كيف أن الأفعال ارتبطت بالمنافذ التي أطلّت منها القصيدة على واقع حال فقراء البلاد
:
كان نزيفي
إسبرتكوساً جديداً
ينهض من زهرة حمراء..
صورة دامية أخرى يضيفها الحطاب لمجموعة الصور الشعرية السابقة وجلها تصب في خدمة قضية الفقراء الذين شبههم بعبيد روما وقيادة اسبارتكوس لهم في انتفاضة عارمة ضد سلطة الرومان الغاشمة. وإسبارتكوس الجديد لا ينهض من بين عبيدها، بل من زهرة حمراء وهي دال أخر على قوة اليسار الناهضة في تلك الحقبة المضطربة من تاريخ العراق السياسي.
تفيق الجراح
الصرائف الآن مهمومة
لحد الـ……………..!!
فعل آخر يضفي على القصيدة ظلاً قاتماً فالجرح لا يزال نزفه مستمراً والصرائف لا يزال الهم حليفها لأمد غير معلوم بينما تستمر الطواويس مستعرضة جمال ألوانها في البيوت الأنيقة.
عند هذه النقطة يوقف الحطاب سيل الأفعال التدميرية ليختم القصيدة بأغنية موحية فيها يرى
:
– في اللهيب –
الموانعَ الحمرَ
بين الرغيفِ
والفقراء…؟!!!
وبهذه النهاية تكون القصيدة مثل شاشة عرض نقلت الحدث وتطوره على أكثر من مستوى واحد لجمهرة المتلقين لها ممن ينوي الحطاب تثويرهم ضد القوة الغاشمة التي تقف عقبة كأداء في طريق التطور والمضي قدما نحو الازدهار والتحضر.
خامسا. ومن يأبه (20)
تناولتُ هذه القصيدة مرتين في مقالين مختلفين، ووجدت أنني بحاجة الى الكتابة عنها مرة ثالثة ربما لأنني لم استنفد كل أفكاري عنها أو بسبب تأثيرها المستمر على استجابتي العاطفية والفكرية، وربما بسبب اعتقالي شخصيا بعد انهيار ما أطلقوا عليها (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) ولم يأبه أحد لهذا الاعتقال. هل كنت أنسانا هامشيا؟ ربما، وهل المعتقلون معي كانوا هامشيين أيضا؟ أقول ربما مرة أخرى وأسأل للمرة الأخيرة هل كان قادة المسيرة التقدمية هامشيين أيضاً” لا اعرف. حقيقة لا اعرف لهذا لا املك غير الربمات وسيلة للإجابة. وعلى أي حال أعود لأبدأ من عنونتها مرة أخيرة على ما أظن، فهي عنونة موحية بحالٍ غير طبيعية بالمرة لأنها تشير الى تغييرات طرأت على البشر فغيرت سلوكهم النفسي والاجتماعي والسياسي وحتى الاقتصادي، وهذا هو بالضبط ما أراده النظام الشمولي بشكل سافر، ونجح في تحقيقه على ارض الواقع وقد استمر هذا الحال على ما هو عليه حتى بعد سقوط النظام، ومجيء الظلاميين على متن الدبابات الأمريكية.
لم يعد الناس يأبهون لأي شيء وان تعلقت بهم الأشياء بشكل خاص. لقد تحولوا الى روبوتات بشرية تسمع وتطيع، تستلم الأوامر وتنفذها، تستهلك وتستهلك ولا شيء ابعد من هذا الاستهلاك. أليس هذا كله درامياً بما فيه الكفاية؟
إن قلتم نعم أقول لكم إننا لا نزال في بداية القصيدة ولم ندخل بعد الى نصها. وإن قلتم لا أقول إنكم لم ولن تأبهوا لأي شيء في الوجود لأنكم غير موجودين فيه أصلاً. وعلى صعيد النقد أسأل ما الذي جعلكم يا نقدة الشعر تهتمون بهذه القصيدة بشكل كبير؟ هل تعرضتم لما تعرضتُ له شخصياً؟ هل شاهدتم ما شاهده الحطاب شخصياً؟ هل.. هل.. إلخ من الأسئلة المتناسلة التي قد تدور في ذهن القارئ ويطلب إجابة دقيقة جادة عنها في الوقت الذي عمل الحطاب على تأكيد سخريته من الظروف المحيطة وهذا ما اتفق عليه من كتب عن هذه القصيدة تحديداً أذ يقول استأذنا الكبير ياسين النصير:
(هذه الثيمة تستبطن السخرية، والتفكّه من الوضع السياسي، ولكن الحطاب يشير ضمنا الى الفترة الحالية التي عاشت تراكمات الفترات السابقة، ساعية كما هو معلن للتغيير إلا أن ما يجري يثبت عكس ذلك. (21)
ويقول الناقد سعد الدغمان:
في قصيدته (ومن يأبه) استفتح نصه الشعري ب (السخرية) إن جاز لنا أن نقول، وهي عملية اعتراض عما كان يجري من تعاملات تصدر من جهات تمثل السلطة، ولعدم القدرة على المواجهة أو الاعتراض فقد ذهب الحطاب لإيراد صيغته الاعتراضية بصيغة ما ذكرنا) (22)
أريد التأكيد على مفردتين وردتا في نصي النصير والدوغمان (السخرية والتفكّه) ومنهما تنبثق روح المواجهة والاعتراض لأسأل سؤالا بريئا أليس الاعتراض يؤدي في العادة الى المواجهة؟ والمواجهة ألا تؤدي غالبا الى الصراع؟ والصراع أليس عنصراً دراميا؟
إذن القصيدة بحكم هذا العنصر ارتبطت بقوة بالدراما واتصفت بها. والمفردتان ربطتا بين القصيدة وبين الوضع السياسي فوضع الناقدان اليد على الملمس الأول لخامة القصيدة وعلى الأسلوب الخاص بشخصية شعر الحطاب.
وهنا أتوقف لأسأل هل السخرية عنصر درامي؟ سؤال لا يحتاج الى إجابة لأن الكل يعرف شيئا ولو بسيطا عن المسرحيات الساخرة التي كتبت منذ ارستوفانيس (23) وما تبعها من النصوص اللاحقة ثم عرفت فيما بعد بالكوميديا. وانا اتفق مع الأستاذ النصير في أن هذه السخرية هي الأسلوب الأكثر ملائمة في تمثيل الأنظمة الفاسدة والشمولية وكما يقال تحديدا (شر البلية ما يضحك) ولم أجد شرا أكثر استفحالا من شرور هذه الأنظمة وتهورها وعملها على التجهيل، والتكميم، وإلغاء شخصية البشر. وتحويلهم الى مجرد روبوتات آلية مطيعة. وهذا كله لا يواجه إلا بالسخرية الحادة السوداء التي تجعل من المسرحية طاقة هدامة وبناءة في آن واحد.
لقد أُعتقِل الحطابُ ربما بسبب هذه السخرية كما أُعتقل ارستوفانبيس رائد المسرح الساخر في اليونان بسببها عندما وجهها بشكل لاذع للقائد (كريون) وحكم عليه بدفع غرامة للمحكمة التي اعتبرت سخريته من القائد خيانة يستحق بموجبها العقاب الشديد.
ما كان عليّ أن اسجن في يوم كهذا
منذ البداية نجد أنفسنا أمام يوم من أيام الشاعر التي حفلت بما لا يسر. لقد ألقي القبض عليه وأودع السجن… لماذا؟ لم نعرف بعد وهذا أول سؤال تثيره القصيدة ومعها نسأل أهو مذنب حقا؟ أم بريء مما نسب إليه! ولماذا لم يكن يومه هذا مناسبا لإيقافه أو سجنه.
لقد ترك لنا الشاعر عددا من النقاط (…..) بعد (يوم كهذا) لأنه لا يريد الإفصاح عما حدث بالضبط ويترك لنا كقراء تأويل ما حدث على وفق مخيالنا لتصور ذلك الحدث بمعنى آخر أن الحطاب ألقى لنا عصاه السحرية ليدهشنا أو ليفعّل أذهاننا لنرى حقيقة الكارثة من جهة ولكي يجعلنا نساهم في الحدث من موقعنا كراصدين لمجريات حياة لم يعودوا آبيهن بما يجري فيها من جهة أخرى.
تحضرني الآن مفردة أطلقها الأستاذ زهير الجبوري في معرض تناوله لهذه القصيدة في عبارته (وظيفة إدهاشيه كبيرة) (24) وجدت أنها تتلاءم تماما مع ما يريده الحطاب حين استخدم العصا السحرية فأدهشنا بالكيفية التي حركت أذهاننا لرؤية الحقيقة مع أننا لم نكن نأبه بها. وهذا ما اشتغلت عليه القصيدة. أليس هذا هو ما تطمح لفعله الدراما!
لنعد الى الشاعر علنا نكشف الغطاء عن المستور فمن أقوالكم أدينكم كما يقال وأول فعل واجهنا في هذا المضمار هو (اعتقدت) يقول الحطاب:
.. اعتقدت – في البدء- أن الشرطة جاءوا لإلقاء التحية
حتى أنى أوشكت أن..
معلوم أن الاعتقاد غير اليقين ولحظة أدرك الشاعر ذلك قبل أن يرد التحية قطع كلامه بعد (أن) مباشرة وهذا سلوك درامي يعمد الممثل إليه لأسباب تدربَ عليها في درس الصوت والإلقاء ولا مجال لمناقشتها الآن مما أكد أن القصيدة اتصفت بأكثر من صفة درامية. ويقول أيضا:
لكن اللحظة التي رأيت فيها المفرزة، أيقنت انهم جاءوني لإلقاء القبض
مع أنى أوشكت أن.. وحسنا فعلت الشرطة
وان كنت غير مهيّأ لأن اسجن في يوم كهذا
……
في هذه الجمل الشعرية يلعب الحطاب ثانية لعبة الممثل الذي لا يريد الإفصاح عما في دخيلته بقطع الكلام لسببين أولهما كي لا يقول ما يجعله متورطا مع الشرطة، وثانيهما كي يجعلنا نفكر بما أوشك على فعله ولم يفعله. وبهذا الأسلوب الملحمي (البريختي) يقطع الحطاب علينا الاستمرار والاستغراق في دهشتنا لنعود ونحكم على المجريات حكما نستبعد فيه العاطفة لصالح العقل.
ومرة أخرى يسكت الحطاب بعد (يوم كهذا) تاركا خلفه عدد من النقاط أيضا ليترك لنا الخيار في معرفة حقيقة ذلك اليوم المسكوت عما فيه. لقد حدد الشاعر مظاهر القصيدة منذ البداية، وطريقة لعبها معنا بشروطها وقررنا الاستمرار لنصدم ثانية بما يأتي:
لم أجد التاريخ، بكتاب القبض عليّ
وشاورني الضابط: انه أشبه بيوم كهذا
…..
فالتاريخ الآن خارج نفسه ولا أهمية تذكر له، وان السلطة نفسها لم تعد تأبه له وفقط أشار الضابط انه أشبه بيوم كهذا ولم يفصح هو الآخر عن فحوى ذلك اليوم الغريب. وترك الفرصة لنا سانحة لتأويل سر أو أسرار ذلك اليوم الخارج عن التدوين. اعتقد أن الحطاب يدفعنا للّعب معه على المسكوت عنه والغريب في الأمر انه كلما ارتكنا الى الهدوء يعود ليصدمنا مرة أخرى بما لم يكن على البال، والصدمة عند الحطاب تعادل الدهشة التي تحدثنا عنها قبل قليل أذ تولدها:
وحسنا فعل الضابط، فانا لا آبه بالأيام كثيرا، وأوشكت
لقد ظهر الشاعر انه لا يأبه أيضا حاله حال الحاكم والمحكوم عليه مع أن القضية قضيته، وان إلقاء القبض وقع عليه شخصياً وانه هو من سيدخل السجن فكيف لا يأبه لكل هذا الحدث الجسيم:
حين توقفت المفرزة بأمر الإلقاء
كان كتابي: من دون فوارز، ونقاط، وهزيل الديباجة
إلا أن الضابط شاورني ” ومن يأبه”
في أوج مأساة الشاعر يتندر على السلطة بالسخرية المرة ويهزأ من هول أمّيتها فهي لا تعرف أين تضع الفارزة بالضبط، وأين تضع النقطة في كتاب رسمي مثل كتاب إلقاء القبض. وذكرني هذا الحدث مرة وانا في دائرة الشرطة ذكرت طريقة كتابة مفردة إباء التي كتبها بشكل مغلوط (آباء) وحين صححتها له انفعل وغضب عليّ قائلا: (هل تتهمني بالأمية) في هذا المقطع ثمة تأكيد آخر على عدم مبالات السلطة بأي شيء وهذا وضح من خلال مشاورة الضابط للمتهم هامساً (ومن يأبه) وهذه اللامبالاة توافقت مع رغبة المتهم. الفارزة والنقطة تذكرانه بمفارز الشرطة المنتشرة في كل مكان، ونقاط التفتيش على مفارق الطرق العامة والرئيسية والتي بمجملها تؤكد أن نظامها الشمولي حاضر في كل مفاصل الحياة العامة والخاصة.
وتستمر القصيدة في كشف اللامبالاة الدائمة التي تشير كلّها الى سياسة تتخذ من الديماغوجيا (demagogy) أسلوبا لقلب مفاهيم الحياة وتيئيس الناس حتى لا يعاودوا الاهتمام بما يجري في حياتهم اليومية وقد سرى هذا الى رجال السلطة أنفسهم ولم يعودوا ابهين بما يجري. الحطاب في هذه القصيدة عرف كيف يزج الناس (القراء) في معترك قصيدته ويجعل منهم شخصية درامية مساهمة في الحدث. والمساهمة في الحدث تتطلب كسرا للجدار الوهمي الرابع في المسرح والجدار الوهمي في القصيدة.، ولا أظن أنكم بحاجة الى أدلةٍ دراميةٍ إضافيةٍ أخرى، وانا على يقين من أن القصيدة حافلة بها حتى النهاية.
…………………………………
………………………………
إشارات وإحالات
(1) أرسطو طاليس/ فن الشعر ص 26
(2) أريك بنتلي/ الحياة في الدراما/ دار فرانكلين للطباعة والنشر/ بيروت 1968.
(3) مجلة الأقلام ع 1 س 3024.
(4) موقع: Prologue literature
(5) جواد الحطاب/ يوم لإيواء الوقت/ وزارة الثقافة بغداد 1992
(6) طه باقر/ ملحمة جلجامش/ وزارة الإعلام 1971.
(7) جواد الحطاب/ يوم لإيواء الوقت/ وزارة الثقافة بغداد 1992.
(8) نفس المصدر السابق
(9) نفس المصدر السابق.
(10) جواد الحطاب/ يوم لإيواء الوقت/ وزارة الثقافة بغداد 1992
(11) طه باقر/ ملحمة جلجامش/ وزارة الإعلام 1971.
(12) جواد الحطاب/ يوم لإيواء الوقت/ وزارة الثقافة بغداد 1992
(13) نفس المصدر السابق.
(14) نفس المصدر السابق.
(15) نفس المصدر السابق.
(16) نفس المصدر السابق.
(17) نفس المصدر السابق.
(18) جواد الحطاب/ شتاء عاطل/ دار أزمنة/ الأردن 1997
(19) جواد الحطاب/ سلاما أيها الفقراء/ وزارة الثقافة/ بغداد 1978
(20) ومن يأبه جريدة الزمان/طبعة العراق 7/ 6/ 2023.
(21) ياسين النصير/ استنطاق الحجر/ دار الفراهيدي للطباعة والنشر/ بغداد 2017
(22) سعد الدوغمان/ موقع ريموت نيوز/ 6/ 9/ 2020
(23) طريق الشعب/ الطريق الثقافي ج1/ ع 69/ ت 24/1/ 2023.
(24) زهير الجبوري/ جريدة المدى/ ع 4705/ ت 23/ 6/ 2020.























