شكل الدولة في المجتمع المدني

شكل الدولة في المجتمع المدني

سلطة تتجسد في مؤسسات

حصلت العديد من التحولات التي أدت إلى تغير شكل المجتمع مع كل تغيير ففي القرن العشرين عندما ظهر شكل الدولة الاشتراكية ظهر معها شكل جديد للمجتمع المدني فرض نوع من التنظيم الاجتماعي فالاشتراكية التي كانت تهدف إلى إلغاء الدولة في المجمع الشيوعي نهجت إلى تركيز سلطة الدولة ومؤسساتها والسبب في ذلك يرجع إلى حجم وجسامة التحديات الداخلية والخارجية على حد السواء فالدولة الاشتراكية كما هو معروف للجميع تختلف عن الدولة الرأسمالية لكنها قيدت ميادين العمل المستقل وجعلت الأهمية لميدانها مما أنتج علاقة غير متكافئة بينها وبين المجتمع إلا أن ذلك التقييد مهما بلغ من درجة لا يعني أن المجتمع المدني في الاتحاد السوفيتي على سبيل المثال قد مات حتى في ذروة الحكم الإسترليني كما يرى بعض المنظرين الغربيين بل كانت هنالك العديد من الجمعيات المدنية التي لها فعلها الملموس والمستقل بعيدا عن سلطة الحزب والدولة السوفيتية وكذلك الأمر بالنسبة لبولندا وجيكوسلوفاكيا حيث شكلت الجمعيات التطوعية الديمقراطية غير المرتبطة او التابعة لسلطة الدولة ومنها اتحاد نقابات التضامن على سبيل المثال .

وبعد ان دخل الدين على الخط حيث لم يكتف رجالاته بقيادة المجتمع قيادة روحية وسعوا إلى قيادته سياسيا بعد ان تحالفوا مع الإمبراطور حيث أوجدوا شكلا من أشكال التنظيم السياسي والذي عرف لاحقا بـ (الحق الإلهي ) الذي برر القسر واستخدام القوة ردعا لمنع الشرور التي تأتي عن طريق الهرطقات والحركات المناهضة للدين وبحجة محاربة الإلحاد وفرض الديانة المسيحية عنوة على الناس وأوجدوا محاكم التفتيش سيئة الصيت خرج مارتن لوثر بحركته الإصلاحية التي وضع من خلالها خطوطا عامة لمعنى الدين والتدين وحدد علاقة الإنسان بالكنيسة من جهة والدولة من جهة أخرى هذا التحديد الذي يعتبر بداية المناداة بفصل الدين عن الدولة حيث اعتبر الكنيسة مؤسسة روحية حدودها جدرانها ومجالها تعبدي طقوسي لا علاقة لها في الشأن العام .

في العراق وبعد التجربة البرلمانية الفاشلة وفشل نوع النظام الانتخابي المتمثل في القوائم المفتوحة والدوائر المتعددة ومطالبة عدد من الأحزاب الوطنية والعديد من الشخصيات الإعلامية والمجتمعية بنظام الدائرة الانتخابية الواحدة والقائمة المفتوحة باعتبارها الخلاص الوحيد من نظام المحاصصة المقيتة التي كانت السبب وراء كل الانتكاسات التي رافقت العملية السياسية منذ تأسيس مجلس الحكم الذي بني على أساس طائفي وقومي ادخل من خلاله المكونات العراقية المختلفة في سدة الحكم بأمر من الحاكم الأمريكي بول بريمير إلا أن الكتل الكبيرة في مجلس النواب لا زالت تصر على بقاء نظام الدوائر المتعددة وان اغرب ما في الأمر ان يطالب الناطق باسم المرجعية باعتماد هذا النظام كي يضفي شرعية عليه من على منابر خطب الجمعة متناسيا ان اغلب الذين وصلوا الى البرلمان قد ابتعدوا عن هموم المواطنين والناخبين على حد السواء.

ان السلطة السياسية تتجسد في الدولة ومؤسساتها القضائية والتنفيذية والتشريعية فينما يتجسد المجتمع المدني في الجمعيات والنوادي والمنظمات والروابط والمنتديات وما تحمله من مبادرات ونشاطات والذي يلعب الإعلام دور في نشرها وعرضها على الرأي العام وقد يسأل سائل الم تكن الأحزاب تشكل مساحة من مساحات المجتمع المدني ؟ والجواب على ذلك نقول ان غاية الأحزاب تندرج ضمن المجتمع السياسي وليس المدني والدليل على ما نقول ان هدف الأحزاب هو تسلم السلطة بينما لا تهدف منظمات المجتمع المدني للاستلام السلطة وإنما تهدف الى مراقبة السلطة أو العمل كوسيط بين المجتمع والسلطة فعندما نقول ان الأحزاب تهدف للوصول الى السلطة فان ذلك لا ينقص من قيمتها لأنها تنظر الى مصالحها من خلال تحقيق المصلحة العامة أو تتناغم معها أما منظمات المجتمع المدني فأنها منظمات تطوعية غير ربحية ليس لها هدف غير المصلحة العامة وهذا الأمر لا يعلي من شانها لأنها قد تخطئ الطريق الى المصلحة العامة وتتحول الى منظمات تعتاش على أموال المنظمات المانحة من هنا يمكن القول ان الحيز الأكبر هو المجتمع المدني وهو الذي تنبثق منه كل المؤسسات بما فيها المجتمع السياسي (السلطة العامة) .  أما منظمات المجتمع المدني فتشكل الحيز الوسيط بين المجمعيين السياسي والمدني وبما ان الإنسان ومنذ القدم ميال الى الانضمام الى أي شكل من أشكال التنظيم الذي ينظم حياته حزب كان أو منظمة أو نقابة أو اتحاد أو رابطة وغير من التنظيمات الأخرى ولكن شريطة ان يكون مساهما فيها وشريكا في رسم السياسات العامة أو ممارسة نقد الدول ومراقبة السلطة والعمل على إرساء مفاهيم الديمقراطية من خلال تحويل السلطة إلى أفق عقلنتها وتوجيهها والتأثير فيها بما يتلاءم مع تطلعات المواطنين ومطالبهم وبهذا تكون منظمات المجتمع المدني شرطا رئيسيا لصناعة الرأي العام من خلال أعضائها أو من خلال نشاطاتها بالتعاون مع الصحافة والإعلام فالإعلام يظهر دوره ودور المثقفين في تنوير المواطنين ورفع مستوى الوعي لديهم من اجل ان يكون الرأي العام طاقة إضافية للتأثير على السياسي من جهة وعلى السلوك الانتخابي للمواطن من جهة أخرى وهنا تكمن أهمية منظمات المجتمع المدني من هنا لا تكون السلطة السياسية وما تتخذه من قرارات وفق الدستور والنظام الديمقراطي سلطة شرعية إذا لم تكن مسنودة من قبل المجتمع المدني وإذا لم تحقق تلك القرارات المطالب التي يرفعها المجتمع عبر التظاهرات السلمية أو الاعتصامات المدنية أي بمعنى أخر ان السلطة السياسية سوف تفقد شرعيتها التي اكتسبتها من خلال الانتخابات بمجرد إغفالها لمطالب المتظاهرين أو تسويف هذه المطالب كون الشرعية التي تأتي عن طريق الشارع (التظاهر) اكبر من الشرعيـــة التي تأتي عن طريق صندوق الانتخاب (وهذا ما حصل بالضبط في مصر حيث ألغى الشارع المصري شرعية الرئيس محمد مرسي المنتخب).

ان سلطة تحدد نفسها عن طريق القانون بوصفها سلطة سياسية مؤسسية تنـزع إلى الأمر والفرض والقيد والهيمنة. وهذه السمات التي تتصف بها هذه الدول تزول حتى في الأنظمة الديمقراطية العريقة، حيث تستند مشروعية السلطات كلها إلى السيادة الشعبية المعبر عنها بالاقتراع العام.

أما السلطة المدنية فإنها تأتي عن التواصل الذي ينسجه المواطنون فيما بينهم بخصوص القضايا والمشاكل التي تتصل بالشأن العام وهذا هو معنى العقد الاجتماعي الذي استند عليه اغلب الفلاسفة في بناء المجتمع المدني .

سلام خماط – بغداد