هذا جنونُك – وجيه عباس

هذا جنونُك – وجيه عباس

هذا جنونُك كسوتان ومئزرُ

 فاختر بأيِّهما هناك ستْستِرُ

دع للتقيِّةِ ما يواري عريَها

 كنْ أنتَ صاحبَها، وأنت مُخيَّرُ

لا راضياً لِسِواهُ بوحَ ضميرِهِ

إلا وصاحبُهُ الضميرُ المُسْفِرُ

تنزيلُهُ ماقد علمتَ بيانَهُ

ولما تُؤوِّلُهُ،  فأنت مُفسِّرُ

من أخمصيكَ يلوحُ نجمٌ زاهدٌ

فيما يُشرِّقُ أو يُغرِّبُ محورُ

وكفافُ أرغفةٍ حياةٌ أيُّها

الثاوي على جسدٍ، وأنتَ المحشرُ

للحرفِ عطرُكَ وهو يأكلُ من دمي

وموائدي فيهِ ألذُّ وأعطرُ

من عالم التكوين أحملُ طينتي

جسدي صليبٌ، والقصائدُ منبرُ

لي عالمُ الرؤيا أطلُّ بلطفِهِ

 وأرى به  مالايراهُ المبصِرُ

فلأنَّني ذوّبتُ ألفَ يدٍ بها

واخترتُ فيكَ أصابعاً لاتقصرُ

*****

دوني وقيصر نجمتان وغربةٌ

بَعُدتْ ديارُ أحبَّتي ياقيصرُ

وسوى خيامِكَ جنَّة، لكنّما

 كانت سيوفُ بني العمومةِ تُشهرُ

ياترجمان صدى غيابةِ جُبِّهِ

 ليلاً، وأخوتُهُ هناك تسوَّروا

ما دون مصرَ قوافلٌ، لكنَّما

ثملَ الترابُ بساكنيهِ فأصحروا

عيناهُ من يعقوب بعضُ توجّعٍ

وليوسفٍ هذا المدى يتعفَّرُ

البابُ وامرأةُ العزيز تصالحا

فإذا القميصُ بما أفادا، مُنْكَرُ

والسجنُ والسبعُ العجافُ روايةٌ

فيها أساطيرُ الرواة تُسطَّرُ

ما بعد ذلك للحقيقةِ موطنٌ

 فيه الحقيقةُ قاصرٌ، ومَقصِّرُ

دينُ الرجال مآذنٌ وجوامعٌ

ومحمَّدٌ فيها الغريبُ الأكبرُ

*****

ياأنتَ ياحزنَ الجنوبِ قيامةً

والدمع مابين المآقي يقطرُ

الشعر بعضُ ثياب روحِكَ، لم يكن

إلا وأنت به الصنيعُ الأمهرُ

مابين عينيك المعادُ كأنَّه

ماضٍ لفعلِ مضارعٍ يتَقدَّرُ

جبتَ الحياةَ وأنتَ فيها لم تزلْ

وكأنَّ ماتخفيهِ عنك مُقدَّرُ

مابين تلك وهذه إضمامةٌ

وأراك وحدَكَ دون يومِكَ تسهرُ

وتقولُ: يانفسي كفاكِ توحُّداً

والخلق فيما دونها تتأمَّرُ

وإليكَ عني يا يبابُ وحسبها

 إنّي بعارضها سحابٌ ممطرُ

وبأنَّ بعضَ أصابعي قيثارةٌ

كانت تُحدِّثُ دونها وتُبشِّرُ

كنت ابن آدمها الحزين خلافةً

في الأرضِ تُطوى بالترابِ وتُنشَرُ

وترى المواطِنَ لعنةً لو أنَّها

 أدنتْ، فان بَعُدتْ عليكَ، ستُنْكَرُ

دارت بك الارضُ السماءُ بمحضرٍ

فيها لفرعونٍ هنالك محضرُ

وتشابهت مما رأيت مصائرُ

وكأن مسرحة البلاد تُكرَّرُ

*****

أنا مثلما أنا، والوجوهُ كثيرةٌ

لكنَّ وجهي فيكَ لايتغيَّرُ

لا تستوي الألوانُ في أحداقِهِ

إنَّ السوادَ لدى ضميرِكَ أحمرُ

هذا رهانُكَ إنَّ وجهَكَ واحدٌ

بينا وجوهُ الغائبين تنكُّرُ

وتغضُّ عينَكَ لو عثرتَ بسوأةٍ

  وإذا بدت للفارغين تنمَّروا

دوني ودونك جنَّةٌ محجوبةٌ

الماءُ والخضراءُ فيها سُكَّرُ

حتى الذنوبُ لفرطِ ما ثقلت به

هي من بقايا أعصرٍ تتعثَّرُ

فاذا غفرتَ فحسبُ كفِّكَ مورداً

  أن كنتَ توردُهُ الجزاءَ وتغفرُ

*****

كن حيث تبتدرُ الحروفُ هجاءَها

إذ كلُّ قافيةٍ هنالك خِنجرُ

كنتَ المتونَ وأنتَ فيه معاشرٌ

شتّى هناك، وللهوامشِ معشرُ

وجهٌ به اختصرَ الضميرُ مقالَهُ

ولأنتَ قائلُهُ، وأنت المخبرُ

ولأنت أطولُهُ زماناً لم يكن

إلا وأنت به الزمانُ الأقصرُ

الشعرُ خيمتُكَ القديم عمادُها

  والآن أنت بها الجديدُ المثمرُ

وطفولةٍ للشعر كنتَ أباً لها

وسبقتها في العصر وهي تُعمِّرُ

ورجعتَ تبتكرُ القصائدَ غيمةً

حملتْ نثارَكَ، والزمانُ يُكرَّرُ

وتعودُ تحملُها وأنت أبوَّةٌ

وجنى يديك من الولائد أشطرُ

*****

الشعرُ ملء يديك في خسرانها

ماذا يضيرُكَ ربحُها لو تخسرُ

ماذا يضيرُكَ لو أشرتَ بإصبعٍ

  حسبُ ابن آدم لو تقوَّلَ خنصرُ

الآن حيَّ على فراقِكَ عنهُمُ

إنَّ الرحيل هنا أعفُّ وأطهرُ

مادون عينيك الحياةُ بصائرٌ

  لكنَّ عينَك وحدها من تبصرُ

لا جامعاً سؤرَ الموائد لقمةً

إنَّ الطوى بغني يديك تفقُّرُ

حسب ابن آدم في التراب بأنَّهُ

أعمى يُقاد، وإنَّهُ لايبصرُ

لكنَّما أبصرتَ وحدَكَ أمَّةً

  هي في النفوس ضميرُك المتجبِّرُ

ولأنت بقيا صوتها العلويِّ لو

تحدو بقارعةٍ، وصوتُكَ يهدرُ

لم تستعر ظلاً وقفت بجنبِهِ

ولقد علمتَ بأنَّ ظلَّكَ أكبرُ

وبأنَّ خاصرة الجراحِ مآذنٌ

هي بالحسين وجرحِهِ تتكبَّرُ

وبأنَّ ما أبقاهُ فيكَ على المدى

  أنّى وكيف يموتُ من لايصبرُ

أنّى وكيف يغصُّ من ظمَأٍ به

 جبلٌ يُفجَّرُ من يديه الكوثرُ

*****

ولربَّ عائلةٍ مددت لها يداً

أرجعتها، ودماك منها تقطرُ

أولتك كلَّ عقوقِها، ولربَّما

بعضُ العقوقِ بها أحقُّ وأجدرُ

وتكبُّري فيها هناك فضيلةٌ

وسواهُ مالا أرتضيه تكبُّرُ

لكنَّ نفسَكَ حرَّةٌ مرتاضةٌ

وغنى يديك بأنَّ غيرَكَ مُعْسرُ

وعلوتَ بالإحسان فيهم غُرَّةً

بيضاءَ تشرقُ في الجبين وتزهرُ

لوكان جرحُكَ في الجسومِ نسيتَهُ

لكنَّما جسدُ الجراحِ تَصبُّرُ

لكن جرحَ الروح فيك مآذنٌ

تتلو بحزنك فيهُمُ وتُكبِّرُ

*****

أنا حيثما رسمتْ يداك خطوطَها

إذْ  كلُّ ما أبقت خطوطُكَ منظرُ

وِسعَ السماء كأنَّ لوحتَها يدٌ

 وعلى أصابعِها دمٌ يتقطَّرُ

أيقظتَ غيمتها، فأشرقَ دونها

صبحٌ، وكان بليلِهِ يتدثَّرُ

وتثاءبتْ حدَّ استفاض نعاسُها

وسعتْ بأنملةٍ، وأنت تُصوِّرُ

بطفولة الكلمات تنثرُ لونَها

وكأنَّها مما بها تتبعثرُ

ويلمُّها صبحُ المرايا قطرةً

 وكأنَّما الألوان فيها تمطرُ

الطلقُ برقُكَ وهو يلهثُ متعباً

  وخطاك فيه توجُّسُ وتعسُّرُ

وكأنما الفرشاة من أقدارهِ

 وجعُ الظنونِ، وظلُّهُ المتكسِّرُ

بقيا ظلالٍ إذْ تدورُ، وعالَمٌ

يسعى إليه…وعالمٌ يتأخَّرُ