كفاكم ضحكاً على الفقراء

كفاكم ضحكاً على الفقراء

إطمئنان القلوب

اصاب سيارتي عطبا قررت  على اثر ذلك الذهاب بها الى ساحة الطيران لاصلاح ذلك العطب.. وخاصة قبل ايام العيد.. وعند السمكري الذي تركت سيارتي  عنده  لاصلاحها.. وجدت رجلا طاعنا في السن يتوسل بصاحب الورشة  باعطاءه السيارة الخاصة به لانه لا يملك ثمن اصلاحها.. ويوعده بانه سيدفع له بعد ايام العيد.. وكانت سيارة ذلك الرجل  سيارة صفراء اجرة.. وكان صاحب  الورشة يرفض طلبه ويطالبه بدفع ثمن التصليح  كاملا  او  نصفه على الاقل..

وتالمت جدا لهذا المنظر ولهذا الرجل المسن الذي يبدو ان الدهر قد اثقل  عليه  بما لا يستطيع حمله.. فاخذته جانبا للاستفسار منه على الامر..  وعن كيفية  جلب السيارة للتصليح دون ان يملك المال الكافي لذلك.. فقص  عليّ الرجل حكايته واثرت ان انقلها لكم كما رواها لي.. ليطلع الناس على بعض اولئك اللذين وهب الله لهم النعمة والمال والمقدرة على مساعدة الاخرين الا انهم لا يفعلون.. ومنهم من يتلذذ بالام الناس والضحك عليهم.. والتباهي امام اصدقائهم ومحبيهم على انهم اهلا للمعروف والاحسان والانسانية وهم في الواقع ابعد ما يكونوا عن ذلك.. بل هم اقرب الى لهوهم ولعبهم ونزواتهم.. وما نقله لي هذا الرجل.. بانه يعيل عائلة كبيرها قوامها (12) نفراً.. ولديه طفلا مريضاً مرضا مزمنا يتوجب عليه توفير الدواء له شهريا وما يدفعه شهريا لهذا العلاج مئة وخمسون الف دينار.. فضلا عن ايجار البيت  والمعيشة.. مع ان السيارة التي يعمل عليها ليست ملكا له.. ويدفع يوميا لصاحبها عشرون الف دينار.. وبالكاد يحصل على  ما يكفي لسد رمق هذه العائلة الكبيرة.. وهنا يواصل هذا الرجل حديثه قائلا: في مساء ذلك اليوم اشتريت الصمون للاولاد وذهبت الى الصيدلية لشراء علاج ولدي المريض.. فوقفت سيارة حديثة بيضاء ذات دفع رباعي.. وطلب مني ايصال  عائلته الى دارهم.. فامتثلت للامر وصعدوا في سيارتي وكانت شابة  في الخامسة والعشرين من العمر والاخرى اصغر منها قليلا.. مع طفلا كانوا قد اشتروا له سيارة صغيرة من تلك التي يركبها الاولاد وتعمل بالبطارية.. فوضعتها فوق سيارتي وربطتها بحبل حتى لا تقع.. ومن خلال خبرتي عرفت ان هذه العائلة ليست عائلته  وكان هذا الشخص قد شاهد سيارتي وقد تعرضت  لصدمة قوية من الخلف.. قال لي : اكيد ما عندك تصلحها.؟. فاجبته: اي والله ولكن الله موجود.. فقال الرجل: ولا يهمك غدا اتصل بي في الساعة العاشرة صباحا.. وسارسل معك من يصلحها .. فشكرته  على كرمه وانسانيته.. واعطاني الكارت الخاص به.. ورحل.. وذهبت انا في طريقي لايصال هذه العائلة.. وكانت  دموعي قد انسابت رغما عني.. وقلت في سري هل من المعقول مايزال هناك ناس بمثل  هذه الرحمة  وهذه الانسانية وانا كنت خائفا من ان صاحب السيارة يرى  السيارة  وقد تعرضت لصدمة لاخذها مني وقطع عيشي وعيش اطفالي.. وبعد ان اوصلت هذه العائلة الى مكانهم.. رجعت  الى البيت وانا احترق شوقا لاعرف  من يكون هذا الرجل.. فاخرجت الكارت الخاص به من جيبي وقرأت .. بانه رئيس مجلس ادارة.. لمجموعة شركات (؟) لمنتجات النفط والنقل البحري لقد كانت السعادة تغمر قلبي والفرحة لا يتسع قلبي لها.. وقصصت على عائلتي ما حدث معي مع ذلك الرجل الكريم.. واستبشروا خيرا وقالت  لي ام اولادي: ان الله رحيم رؤوف.. اعطاك على نيتك وطيبة قلبك. وحمد الله على ذلك.. وكنت اتطلع الى الكارت الذهبي المزغرف وقلت في نفسي  ان هذا الرقم سيحل لي مشكلة كبيرة.. وكنت اتلهف الى تلك اللحظات  التي تحين  لي الاتصال بهذا الرجل الكريم.. وكانت ساعات الليل طويلة وعند الصباح.. وعند الساعة العاشرة صباحا  اتصلت به واعلمته باني صاحب السيارة الذي وعدني خيرا.. فقال لي: هل تريد ان  ارسل معك احد او عندك ورشة تصلح بها السيارة.. فقلت له لا مانع  من الحالتين وسالني هل تعرف كم ثمن تصليح السيارة فقلت له: نعم انها تكلف نحو (250) الفا.. فقال: بسيطة اصلح انت السيارة واتصل بي الساعة الرابعة لاعطاءك المبلغ.. فدعوت له بالخير والعافية والعمر المديد وقد نقلت  له ما كانت عليه مشاعري.. وان  موقفه قد ابكاني وعرفت ان امثال هؤلاء  المحسنين اصبحوا عملة نادرة.. فاجابني : لا وانما هناك الكثيرون من امثاله وممن هم احسن منه..

ولقد اطمئن قلبي لكل هذا الحديث..وهذا ما دفعني الى ترك السيارة في الورشة لتصليحها على امل ان يصدق معي صاحبي.. وتصلت به عند الساعة الرابعة فقال : انا وصلت للبيت ويصعب علي الخروج ولكنه بعد ساعتين سيتصل بي بعد ان يتناول غداءه ويستحم..

وبقيت انتظر دون طائل.. وكلما  اتصلت  به يغلق  الهاتف بوجهي.. فارسلت له رسالة  اشرح له فيها الموقف.. لكن دون طائل.. وفي اليوم التالي.. اتصلت به من هاتف جديد.. فاجابني وقال  انه اتصل بي ولكن هاتفي كان مغلق.. ولقد وعدني مساء باعطائي المبلغ.. وعندها اما ان اجد هاتفه مغلق.. او يسمع صوتي فيغلق الهاتف.. وعندها عرفت ان الرجل قد رجع بكلامه وانه قد وضعني في موقف لا احسد عليه.. فانا لا املك  ما ابيعه لادفع ثمن تصليح السيارة وليس معي او تحت يدي اي مبلغ من المال.. فكانت  معاناتي كبيرة والسيارة مرهونة لدى صاحب الورشة.. فلذلك جئت اتوسل  بصاحب الورشة باعطائي السيارة حتى يمكنني من تسديد ثمن تصليحها.. كما رايت.. وهنا سالت  هذا الرجل المسن الكبير: ولماذا باعتقادك وعدك ثم  انكل بوعده.. فقال لي : انه اراد ان يتباهى امام تلك الفتاة بانه رجل محسن كريم لا يتاخر عن مساعدة الاخرين.. وهذه هي شهامته.. حقا هذا هو التفسير الوحيد  لذلك ولكن اين الشهامة في هذا .. وهو يضحك  على رجل كبير بمثابة والده ويوعده ويورطه بتصليح السيارة ثم ينكث به .. اهذه هي الرجولة اهذا هو الكرم.. اهذه هي اخلاقنا.. ان نضحك على الفقراء من الناس.. وناخذ منهم مادة اعلانية لتجميل صورنا.. امام الاخرين ونسيتم ان الله سبحانه وتعالى يرى ما تفعلون وماذا نقول  لكم غير ان تكونوا  صادقين مع انفسكم قبل ان تكونوا صادقين مع غيركم فمن  العيب  ان  تكونوا ممثلين  وذا وجهين  وتذكروا دائما ان الله.. يمهل ولا يهمل.. وهو الذي يعطي وياخذ واتقوا الله في الناس. يا اغنياء المال.. يا ضعاف النفوس.

محمد عباس اللامي – بغداد