ظل سكسونيا – عباس فاضل الموسوي

ظل سكسونيا – عباس فاضل الموسوي

يبدو ان ظل الحمار الوارد في حكاية الفيلسوف (سقراط) التي أشرت إليها في مقال سابق معنون ب(فلسفة سقراط وصناع التفاهة ) قد فتح نافذة لظلال أخرى لها مدلولاتها في نواح مختلفة من حياتنا ، فكثيراً مايردد علماء النفس والاجتماع قولهم:

(كيف يستقيم الظل والعود أعوج) في تعاملهم مع منهجية بناء المجتمعات .

وفي جانب آخر وعند متابعة ما يقدمه الفن المصري في أفلامه ومسلسلاته التي تشهد تراجعاً كبيراً بمضمونها وبدأت تميل الى السطحية ، يبرز المثل الشائع :

(ظل رجل ولا ظل حيط)

في سعي المرأة للبحث عن زواج سرعان ما ينهار ظل الزوج فيه مع أول أزمة حياتية وليدة التدهور الاقتصادي القائم .. وهذا الإنهيار الأسري يشمل العديد من البلدان العربية ومنها العراق التي تسّجل دوائر المحاكم فيه ارتفاع نسب الطلاق للأسباب ذاتها أعلاه.

ولعل أبشع استخدام لمفردة الظل ما يحرص على ترديده وتبنيه رجال السياسة عندنا ، خاصة في المراحل التي تسبق السباق الانتخابي سواء على مستوى مجلس النواب أو مجالس المحافظات (والأخيرة تمثل الحلقة الزائدة في الهرم الحكومي للدولة) ، هذا الظل يرد في القول الشائع :

( الشجرة الي ما تفيّي على أهلها أگصها) وهو مثل يكّرس المناطقية والفئوية والعشائرية وعودة الى البداوة بعيداً عن مفهوم الوطن الشامل.

وللظل ، نصيب كبير لما ورد من غرائب في التأريخ البشري ومبتدعات الأمم في العصور السابقة ، أذكر الأغرب منها وهو قانون(سـكسـونـيا)، الذي ابتدعته حاكمة مقاطعة سكسونيا، إحدى المقاطعات الألمانية القديمة في العصور الوسطى.

طبقة النبلاء

وبموجب هذا القانون فإن المُجرم يُعاقب بقـطع رقبته إن كان من طبقة ( الرّعـاع) ، والرّعاع هم عموم أفراد الشعب الذين لا ينتمون إلى طبقة النبلاء.

أما إذا كان المُجرم من طبقة النُـبلاء فعقابه هو قـطع رقبة ظِلّه !.

حيث يُؤتَ بالمجرم النبيل حين يستطيل الظل بعد شروق الشمس أو قُبيل غروبها، فيقف شامخاً منتصب القامة مبتسماً ساخراً من الجـلّاد الذي يهوي بالفأس على رقبة ظلّه.

وهكذا يتم إقامة الحد عليه، وسط  تصفيق جمهور الرّعـاع فرحاً بتنفيذ العدالة!قوانين حكم سكسونيا ماازالت تطبّق في جميع الأنحاء ولكن بطرق مختلفة.والتجربة العراقية تقدم أنموذجاً ساكسونياً واضحاً في تعامل القضاء ولجان النزاهة مع السراق ،فالعقوبة الشديدة تشمل الصغار منهم بينما الرأفة والرفق هو نصيب كبارهم فقط!

وأختم رؤيتي الخاصة بقول:

إذا رأيت للأقزام ظلاً طويلا

فاعلم ان الشمس في طريقها الى المغيب!

وعسى أن لا تغيب شمس بلادي.