
السرد النفسي وخطاب المضمر في صدى أغنية قديمة
عبد علي حسن
تكمن صعوبة وأهمية السرد النفسي رواية/قصة في قدرة الكاتب وتمكنه من سبر أغوار شخصياته الجوانية وانعكاس تلك المكنونات علىٰ تفاصيل سلوكها مع نفسها ومع الٱخرين ليحيط المتلقي بكل مجريات الأحداث والوقائع التي تشهد فعل الشخصيات وسلوكها ، سواء كان الراوي عليماً باستخدام الضمير (هو) أو الراوي كلّي العلم باستخدام الضمير (انا) ،ولابد لكاتب السرد النفسي من معرفة بالنفس البشرية ودوافع سلوكها الفردي والجمعي ومعرفة النظريات النفسية ليتمكن القارئ من ربط سلوك الشخصيات ودوافعها المضمرة والمعلنة بمعرفته العلمية بالنفس البشرية وفق تجاربه الخاصة وموجهات تلك النظريات النفسية المنتجة وفق تجارب عيانية بشرية .
وقائع حياتية
استحضر المفاهيم الٱنفة الذكر وأنا اقرا قصة ( شجن اغنية قديمة) الجديدة للقاص عبد الامير المجر المنشورة في صفحته الخاصة (الفيسبوك) يوم 10/7/2023 ، فالنص يكشف عن شخصية مركّبة تعلنُ مالاتُبطن ، ولاشكّ بأن وراء تركيبية هذه الشخصية دوافع تخضع لجملة من الوقائع الحياتية التي شكّلت خلال مسيرة الشخصية الحياتية وضعاً نفسياً غريباً تتقاطع فيه القوة والضعف ، القوة في التعامل الجشع مع الٱخرين والضعف حين يركن إلى جوانية ذاته التي يشعر بانكسارها لحرمانها من التعامل الإنساني الذي بدأ يتراكم منذ وفاة والده وزواج أمه من رجل ليس رحيما معه حتى يصل الأمر به أن يتعرض إلى الضرب والإهانة المستمرة، ومحو لأي ملمح انساني في شخصيته ، فقد خلق هذا الوضع السلبي الذي كانت الشخصية تعاني منه رد فعل انعكس في اجتهاده وتفانيه ليملك القوة التي تجعل الٱخرين يقيمون له وزناً اجتماعياً ، وعبر جهد عصامي تمكّن منذ صباه أن يبدأ بمشروع اقتصادي صغير تطور فيما بعد وعبر السنين إلى امتلاك مطاحن ومشاريع أخرى جعلته من أثرياء القرية التي لم يضمر أهلها محبة له تذكر ، ولم يتعدّ وصفهم له بالجشع وغيرها من الصفات غير المحمودة ، على العكس من الصورة التي يطرحها الراوي العليم الذي تمكن من الاقتراب منه والوصول إلى جوانية ذاته التي وجدها هشّة وضعيفة تبكيها اغاني الشجن والحزن الدفين ، ولعل القراءة التأويلية التركيبية للشخصية تميل إلى تفسير دوافع الجشع في شخصيته كرد فعل انتقامي من المجتمع الذي تعامل معه بقسوة بما فيهم زوج الأم ، وكان بإمكان النص الكشف عن تفاصيل وحجم تصرفاته الجشعة دون الاكتفاء بتسميتها كذلك ، ففي حالتي القوة والضعف في شخصية البطل كان هنالك مضمراً ، ففي حالة القوة كان يضمر العداء والرغبة بالانتقام أو امتلاك وضع اجتماعي متميز يقيم له الٱخرون وزناً بين عموم أهالي القرية ، وفي حالة الضعف كان يضمر الحرمان من الأمان والحنان والتعامل الإنساني .لقد وجد الراوي العليم قائما مشتركا بينه وبين الشخصية التي يروي عنها ، الأمر الذي جعله يرى مالايراه الٱخرون في جوانية الشخصية التي اطلقوا صنوف التوصيفات عليها وهو ليس بريئاً منها بل هو فعلاً كما يراه ووجده الٱخرون .
إلّا أن الراوي يشترك معه في المضمر وهو بنية الحرمان والحنين الىٰ أمه الراحلة ، ولكن هل هذا مسوّغٌ لتوازي أفعاله السيئة واستجابته لشجن اغنية داعبت مشاعره تجاه امّه ؟
لا اعتقد ذلك ، فنحن إزاء شخصية مركبة كانت بحاجة إلى تعميق فواعل قوتها وضعفها بشكل أكثر ، على الرغم من تمكن النص القصصي من الإحاطة بالشخصية وإقناع القارئ بها على مستوىٰبنائها وبناء النص الذي خلا من كل فائض سردي مضر ، بل أسهمت الحبكة المحكمة من تقديم سرد نفسي متقن ، بقيت ملاحظة أخيرة وهي للضرورة للإيضاح الذي تصدر القصة ، إذ أن قراءة المتلقي كفيلة بالوصول إلى مغزى القصة دون تحديده في موجه قرائي واحد ، أُحيي الصديق القاص المجر على نصه الجديد .
























