زلات‭ ‬العقلاء‭   ‬-خالد الراوي

العصبية‭ ‬أو‭ ‬التعصب‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬ومنهم‭ ‬العقلاء‭ ‬من‭ ‬الآفات‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬الإنسان‭ ‬بمرض‭ ‬العناد‭ ‬والجدل‭ ‬العقيم‭ ‬فخوض‭ ‬غمار‭ ‬الاحاديث‭ ‬العقيمة‭ ‬مع‭ ‬قاصري‭ ‬الفكر‭ ‬أمر‭ ‬مستبعد‭ ‬وذلك‭ ‬لأنهم‭ ‬يستميتون‭ ‬بالجدال‭ ‬ولست‭ ‬ممن‭ ‬يعصي‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لأجل‭ ‬ترهات‭ ‬دنيوية‭ ‬فالله‭ ‬قال‭ ‬حوار‭ ‬ولم‭ ‬يقل‭ ‬جدال‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬جدال‭ ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬وليس‭ ‬بالسب‭ ‬والشتم‭ ‬والقذف‭ ‬والطعن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬قاعدة‭ ‬له‭ ‬وبالتالي‭ ‬مرحبا‭ ‬وبكل‭ ‬رحابة‭ ‬صدر‭ ‬بمن‭ ‬يناقش‭ ‬ويحاور‭ ‬بأدب‭ ‬وبدون‭ ‬جهل‭ ‬وعناد‭ ‬وكبر‭ ‬لأجل‭ ‬الوصول‭ ‬لنقطة‭ ‬نرتقي‭ ‬فيها‭ ‬فكريا‭ ‬وتأكدوا‭ ‬أن‭ ‬الحبل‭ ‬المجهد‭ ‬والمشدود‭ ‬مصيره‭ ‬التلف‭. 

‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمتعصب‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬حقيقته‭ ‬وإنما‭ ‬يرى‭ ‬ما‭ ‬تميل‭ ‬إليه‭ ‬نفسه‭ ‬فينبغي‭ ‬مراعاة‭ ‬مدى‭ ‬احترامنا‭ ‬لعقولنا‭ ‬فالذي‭ ‬يسارع‭ ‬إلى‭ ‬تصديق‭ ‬التوافه‭ ‬من‭ ‬الأقوال‭ ‬وخرافات‭ ‬النصب‭ ‬والتدليس‭ ‬ويتأثر‭ ‬فيها‭ ‬ويبني‭ ‬عليها‭ ‬معلوماته‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬قليلا‭ ‬ويحترم‭ ‬عقله‭ ‬فإن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬قد‭ ‬استودعنا‭ ‬العقول‭ ‬ليكرمنا‭ ‬فيها‭ ‬ويرفع‭ ‬من‭ ‬شأننا‭ ‬بها‭ ‬لا‭ ‬ليخفضنا‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬حفظ‭ ‬نعمة‭ ‬العقل‭ ‬فنحن‭ ‬أمة‭ ‬الدليل‭ ‬فمن‭ ‬يتكلم‭ ‬بغير‭ ‬علم‭ ‬ولا‭ ‬دليل‭ ‬ولا‭ ‬رشاد‭ ‬فهذا‭ ‬قلة‭ ‬احترام‭ ‬منه‭ ‬لعقله‭ ‬وذلك‭ ‬لخوضه‭ ‬فيما‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬شأن‭ ‬ولا‭ ‬علم‭ ‬ولا‭ ‬خبرة‭ ‬ولا‭ ‬دراية‭ ‬فيتكلم‭ ‬فيها‭ ‬ويسقط‭ ‬في‭ ‬الخطأ‭ ‬ويقع‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬الفتنة‭ ‬وهي‭ ‬عظيمة‭ ‬يقول‭ ‬الإمام‭ ‬ابن‭ ‬حجر‭ : (‬من‭ ‬تكلم‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬فنه‭ ‬أتى‭ ‬بالعجائب‭ ‬ورب‭ ‬كلمة‭ ‬قالت‭ ‬لصاحبها‭ ‬دعني‭ ‬فأصر‭ ‬على‭ ‬إخراجها‭ ‬فأسقطته‭ ‬من‭ ‬عيون‭ ‬الناس‭). ‬

‭ ‬‏حقا‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬يحسب‭ ‬أنه‭ ‬يفهم‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬وبعض‭ ‬الناس‭ ‬يحسب‭ ‬أنه‭ ‬يعلم‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬فيجادل‭ ‬وتراه‭ ‬يخوض‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬به‭ ‬علم‭ ‬ولا‭ ‬دراية‭ ‬فيضحك‭ ‬الناس‭ ‬عليه‭ ‬بتوافه‭ ‬الكلام‭ ‬فالعناد‭ ‬والخصومة‭ ‬والجدل‭ ‬قد‭ ‬يحجب‭ ‬عنه‭ ‬الصواب‭ ‬فيتوه‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬حب‭ ‬الأنا‭ ‬الوهمية‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬اليوم‭ ‬فالحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبصرك‭ ‬قد‭ ‬تعميك‭ ‬إذا‭ ‬أخترت‭ ‬طريق‭ ‬العناد‭ ‬والجدل‭ ‬فدعونا‭ ‬نختلف‭ ‬قليل‭ ‬لا‭ ‬كثيرا‭ ‬حتى‭ ‬نتفق‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬واستقامة‭ ‬ودعونا‭ ‬نتفق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬الاتفاق‭ ‬والاختلاف‭ ‬حالة‭ ‬صحية‭ ‬تجعل‭ ‬الفكر‭ ‬يبدع‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تبعية‭ ‬التنفيذ‭ ‬ودعونا‭ ‬نتفق‭ ‬أن‭ ‬اليد‭ ‬الواحدة‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬شيئا‭ ‬وإن‭ ‬حملت‭ ‬قلما‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سلاحا‭ ‬ودعونا‭ ‬نتفق‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬العناد‭ ‬والكبر‭ ‬والمماطلة‭ ‬تجعل‭ ‬الجراح‭ ‬تتعفن‭ ‬والجسد‭ ‬المنهك‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬حياة‭ .. ‬

‏نعيش‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اجتمعت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬معاصي‭ ‬قوم‭ ‬نوح،‭ ‬ولوط،‭ ‬وفرعون،‭ ‬وقارون،‭ ‬ولازلنا‭ ‬في‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬ونعمه،‭ ‬والعلة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬صلاحيته،‭ ‬فيقاس‭ ‬العقل‭ ‬بالنقاش‭ ‬وتقاس‭ ‬المحبة‭ ‬بالمواقف‭ ‬وبدون‭ ‬قلب‭ ‬نقي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬وعي‭ ‬كامل‭ ‬لأن‭ ‬العقل‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬القلب‭ ‬مظللا‭ ‬بالفساد،‭ ‬حقا‭ ‬ان‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬فالعمر‭ ‬مجرد‭ ‬عدد‭ ‬لأيامك‭ ‬والعقل‭ ‬حصاد‭ ‬فهمك‭ ‬وقناعاتك‭ ‬للحياة‭ ‬فعند‭ ‬غياب‭ ‬العقل‭ ‬والتفكير‭ ‬والفكرة‭ ‬وضعف‭ ‬القيم‭ ‬وسيادة‭ ‬الكسل‭ ‬وانعدام‭ ‬الهمة‭ ‬واتباع‭ ‬رأي‭ ‬القطيع‭ ‬يجعل‭ ‬للصنم‭ ‬قيمة،‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬للفكرة‭ ‬وجود‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬يقال،‭ ‬لذلك‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬التنهيدة‭ ‬والدموع‭ ‬والنوم‭ ‬الطويل‭ ‬والإبتسامة‭ ‬الباردة‭ ‬ورجف‭ ‬اليدين‭ ‬فان‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تتخلص‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬بأخف‭ ‬الأوجاع‭ ‬فأغلق‭ ‬دونها‭ ‬كل‭ ‬الأبواب‭ ‬والنوافذ‭ ‬ولا‭ ‬تسترق‭ ‬النظر‭ ‬ولا‭ ‬السمع،‭ ‬اتركهم‭ ‬لحياتهم‭ ‬وتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الموت‭ ‬تهيل‭ ‬التراب‭ ‬على‭ ‬الميت‭ ‬وتمضي،‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬لترى‭ ‬كيف‭ ‬حاله‭ ‬في‭ ‬البرزخ‭ ‬دعهم‭ ‬في‭ ‬برزخهم‭ ‬وامض‭ ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬يؤذي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬وعلى‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬حبل‭ ‬الوصال‭ ‬بيننا‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يعودوا،‭ ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬الأيام‭ ‬تحمل‭ ‬الفرص‭ ‬ذاتها‭ ‬ولا‭ ‬الأيادي‭ ‬تتشبث‭ ‬بذات‭ ‬الاشخاص‭ ‬مرتين‭. ‬

‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬بداخلك‭ ‬كل‭ ‬الأعذار‭ ‬لتذهب‭ ‬وتفنى،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تأمل‭ ‬أن‭ ‬تعود،‭ ‬والقلب‭ ‬الذي‭ ‬ألفته‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬ينبض‭ ‬بتفاصيلك،‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬البعد‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬مسمى‭ ‬واضح‭ ‬له،‭ ‬لن‭ ‬تبقى‭ ‬على‭ ‬حالك‭ ‬فالذي‭ ‬خسر‭ ‬رهانه‭ ‬على‭ ‬أحدهم‭ ‬ولو‭ ‬لمرة،‭ ‬لن‭ ‬تبصر‭ ‬عينيه‭ ‬الثقة‭ ‬من‭ ‬بعدها‭ ‬فكل‭ ‬الذين‭ ‬ذهبوا‭ ‬دون‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يأبهوا‭ ‬بحطام‭ ‬الأرواح‭ ‬من‭ ‬بعدهم،‭ ‬دون‭ ‬رسالة‭ ‬اعتذار‭ ‬ولا‭ ‬إجابة‭ ‬كافية‭ ‬لسيلان‭ ‬الأسئلة‭ ‬قد‭ ‬عادوا‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭ ‬فلسنا‭ ‬العابرين،‭ ‬بل‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬تأبى‭ ‬الذاكرة‭ ‬أن‭ ‬تنسى‭ ‬طيفنا‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬حاولت‭ ‬بدل‭ ‬المرة‭ ‬مئة‭ ‬لانتزاعنا‭ ‬فلا‭ ‬يمكننا‭ ‬ان‭ ‬نسعد‭ ‬الا‭ ‬حين‭ ‬نتصالح‭ ‬مع‭ ‬انفسنا‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأن‭ ‬نتصالح‭ ‬مع‭ ‬انفسنا‭ ‬الا‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬نكون‭ ‬صادقين‭ ‬مع‭ ‬ذاتنا‭ ‬بنبذ‭ ‬الطمع‭ ‬والكراهية‭ ‬والاوهام‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬التمني‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ .. ‬