
العصبية أو التعصب عند البعض ومنهم العقلاء من الآفات التي تصيب الإنسان بمرض العناد والجدل العقيم فخوض غمار الاحاديث العقيمة مع قاصري الفكر أمر مستبعد وذلك لأنهم يستميتون بالجدال ولست ممن يعصي الله تعالى لأجل ترهات دنيوية فالله قال حوار ولم يقل جدال وإن كان جدال فقد قال بالتي هي أحسن وليس بالسب والشتم والقذف والطعن الذي لا قاعدة له وبالتالي مرحبا وبكل رحابة صدر بمن يناقش ويحاور بأدب وبدون جهل وعناد وكبر لأجل الوصول لنقطة نرتقي فيها فكريا وتأكدوا أن الحبل المجهد والمشدود مصيره التلف.
لا يمكن للمتعصب أن يرى الواقع على حقيقته وإنما يرى ما تميل إليه نفسه فينبغي مراعاة مدى احترامنا لعقولنا فالذي يسارع إلى تصديق التوافه من الأقوال وخرافات النصب والتدليس ويتأثر فيها ويبني عليها معلوماته عليه أن يفكر قليلا ويحترم عقله فإن الله تعالى قد استودعنا العقول ليكرمنا فيها ويرفع من شأننا بها لا ليخفضنا وهذا هو حفظ نعمة العقل فنحن أمة الدليل فمن يتكلم بغير علم ولا دليل ولا رشاد فهذا قلة احترام منه لعقله وذلك لخوضه فيما ليس له شأن ولا علم ولا خبرة ولا دراية فيتكلم فيها ويسقط في الخطأ ويقع بعدها في الفتنة وهي عظيمة يقول الإمام ابن حجر : (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب ورب كلمة قالت لصاحبها دعني فأصر على إخراجها فأسقطته من عيون الناس).
حقا بعض الناس يحسب أنه يفهم وهو لا يفهم أنه لا يفهم وبعض الناس يحسب أنه يعلم وهو لا يعلم أنه لا يعلم فيجادل وتراه يخوض فيما لا ليس له به علم ولا دراية فيضحك الناس عليه بتوافه الكلام فالعناد والخصومة والجدل قد يحجب عنه الصواب فيتوه في غياهب حب الأنا الوهمية وهذا ما نجده في واقعنا اليوم فالحقيقة التي لا تبصرك قد تعميك إذا أخترت طريق العناد والجدل فدعونا نختلف قليل لا كثيرا حتى نتفق أن الحياة تحتاج إلى إصلاح واستقامة ودعونا نتفق على أن عدم الاتفاق والاختلاف حالة صحية تجعل الفكر يبدع بعيدا عن تبعية التنفيذ ودعونا نتفق أن اليد الواحدة لا تصنع شيئا وإن حملت قلما أو حتى سلاحا ودعونا نتفق أن استمرار العناد والكبر والمماطلة تجعل الجراح تتعفن والجسد المنهك لا يصنع حياة ..
نعيش الآن في زمن اجتمعت فيه كل معاصي قوم نوح، ولوط، وفرعون، وقارون، ولازلنا في رحمة الله ونعمه، والعلة في ذلك العقل الذي فقد صلاحيته، فيقاس العقل بالنقاش وتقاس المحبة بالمواقف وبدون قلب نقي لن يكون هناك وعي كامل لأن العقل لا يعمل إذا كان القلب مظللا بالفساد، حقا ان الوعي في العقل وليس في العمر فالعمر مجرد عدد لأيامك والعقل حصاد فهمك وقناعاتك للحياة فعند غياب العقل والتفكير والفكرة وضعف القيم وسيادة الكسل وانعدام الهمة واتباع رأي القطيع يجعل للصنم قيمة، حين لا يعود للفكرة وجود فليس كل شيء في القلب يقال، لذلك خلق الله التنهيدة والدموع والنوم الطويل والإبتسامة الباردة ورجف اليدين فان أردت أن تتخلص من علاقة بأخف الأوجاع فأغلق دونها كل الأبواب والنوافذ ولا تسترق النظر ولا السمع، اتركهم لحياتهم وتعامل مع الأمر كما تتعامل مع الموت تهيل التراب على الميت وتمضي، لا تعود كل يوم لترى كيف حاله في البرزخ دعهم في برزخهم وامض فلا شيء يؤذي أكثر من الالتفات إلى الوراء وعلى الذين تركوا حبل الوصال بيننا أن لا يعودوا، ليست كل الأيام تحمل الفرص ذاتها ولا الأيادي تتشبث بذات الاشخاص مرتين.
تستطيع أن تحمل بداخلك كل الأعذار لتذهب وتفنى، لكن لا تأمل أن تعود، والقلب الذي ألفته ذات يوم ما زال ينبض بتفاصيلك، إن في البعد شيء لا مسمى واضح له، لن تبقى على حالك فالذي خسر رهانه على أحدهم ولو لمرة، لن تبصر عينيه الثقة من بعدها فكل الذين ذهبوا دون كلمة واحدة دون أن يأبهوا بحطام الأرواح من بعدهم، دون رسالة اعتذار ولا إجابة كافية لسيلان الأسئلة قد عادوا ولكن بعد فوات الأوان فلسنا العابرين، بل نحن الذين تأبى الذاكرة أن تنسى طيفنا حتى ولو حاولت بدل المرة مئة لانتزاعنا فلا يمكننا ان نسعد الا حين نتصالح مع انفسنا ولا يمكن لأن نتصالح مع انفسنا الا بعد ان نكون صادقين مع ذاتنا بنبذ الطمع والكراهية والاوهام وفي هذا التمني ضرب من الخيال ..























