من‭ ‬ذكريات‭ ‬الصبا‭ ‬‭(‬2‭)‬-حسن النواب

كنتُ‭ ‬عائداً‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬أبو‭ ‬صخير‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬به‭ ‬والدي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬بعد‭ ‬نقله‭ ‬من‭ ‬مدينتهِ‭ ‬كربلاء‭ ‬كعقوبةٍ‭ ‬على‭ ‬نشاطه‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭.  ‬كان‭ ‬الوقت‭ ‬ضحى‭ ‬وعمري‭ ‬في‭ ‬حينها‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬تسع‭ ‬سنوات،‭ ‬والطريق‭ ‬الذي‭ ‬أقطعهُ‭ ‬نحو‭ ‬منزلنا‭ ‬يمرُّ‭ ‬ببناية‭ ‬قائمقامية‭ ‬القضاء؛‭ ‬وهي‭ ‬بناية‭ ‬ضخمة‭ ‬تضمُّ‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭ ‬ومكتب‭ ‬حاكم‭ ‬المدينة‭ ‬أيضا،‭ ‬استرعى‭ ‬انتباهي‭ ‬سيارة‭ ‬شرطة‭ ‬حوضية‭ ‬نطلق‭ ‬عليها‭ ‬تسمية‭ “‬المسلّحة‭ ” ‬كانت‭ ‬متوقفة‭ ‬أمام‭ ‬البناية‭ ‬وفي‭ ‬حوضها‭ ‬تمدَّد‭ ‬رجلٌ‭ ‬يرتدي‭ ‬دشداشة‭ ‬بيضاء‭ ‬غارقة‭ ‬بالدماء‭ ‬وإلى‭ ‬جوارهِ‭ ‬تجلس‭ ‬امرأة‭ ‬عجوز‭ ‬تغطّي‭ ‬قوامها‭ ‬الهزيل‭ ‬بعباءة‭ ‬صوفية‭ ‬وتدّخن‭ ‬بحرقةٍ‭ ‬سيجارة‭ ‬رخيصة‭ ‬اسمها‭ ‬الشائع‭ “‬ضلوع‭ ‬الملّه‭ ‬أو‭ ‬المزبَّن‭”‬،‭ ‬شعرتُ‭ ‬بالفزع‭ ‬عندما‭ ‬رأيت‭ ‬طعناتٍ‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬تتوّزع‭ ‬على‭ ‬جسده‭ ‬النازف،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنهَّما‭ ‬ينتظران‭ ‬تكملة‭ “‬الرابوط‭” ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭ ‬حتى‭ ‬يُسمح‭ ‬بعلاجه‭ ‬في‭ ‬المستوصف‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬بيتنا،‭ “‬والرابوط‭ ” ‬مفردة‭ ‬شعبية‭ ‬مشتقة‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬إنكليزية‭ ‬هيReport‭” ” ‬تعني‭ ‬تقرير‭ ‬تعدّهُ‭ ‬الشرطة‭ ‬عن‭ ‬ملابسات‭ ‬الحادث‭. ‬كانت‭ ‬الطعنات‭ ‬مثل‭ ‬أفواه‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬بدنهِ‭ ‬النحيل‭ ‬ويسلُ‭ ‬منها‭ ‬الدم‭ ‬بلا‭ ‬انقطاع‭. ‬كنتُ‭ ‬أسمعهُ‭ ‬يجدفُ‭ ‬بالذات‭ ‬الإلهية‭ ‬مراراً‭ ‬برغم‭ ‬وضعه‭ ‬الخطير،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬العجوز‭ ‬تتوسَّل‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬يكفَّ‭ ‬عن‭ ‬لعنة‭ ‬الخالق؛‭ ‬كان‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬شتائمهِ‭ ‬كلما‭ ‬سمعها‭ ‬ترجوهُ‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬لعانته؛‭ ‬عرفتُ‭ ‬أنها‭ ‬أمه‭ ‬وكانت‭ ‬صلبة‭ ‬لم‭ ‬تهتز‭ ‬أمام‭ ‬نزف‭ ‬ولدها‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬شفى‭ ‬خطوةٍ‭ ‬من‭ ‬الهلاك‭. ‬طلب‭ ‬منها‭ ‬سيجارة؛‭ ‬اشعلتها‭ ‬ووضعتها‭ ‬بفمه‭ ‬ومع‭ ‬سحب‭ ‬الدخان‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينفثها‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬فمه‭ ‬قال‭ ‬ساخطاً‭:‬

‭- “‬ولوني‭ ‬ولية‭ ‬مخانيث؛‭ ‬يمّه‭.. ‬يا‭ ‬وسفهْ؛‭ ‬الزرع‭ ‬بقه‭ ‬بلا‭ ‬ماي‭.”‬

‭ ‬وعاد‭ ‬يجدف‭ ‬بالسماء‭ ‬وبالذات‭ ‬الإلهية‭. ‬

بقيتُ‭ ‬مندهشاً‭ ‬كيف‭ ‬لإنسان‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الموت‭ ‬يشتم‭ ‬الله؛‭ ‬بالطبع‭ ‬كان‭ ‬فلاحاً‭ ‬بسيطاً‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬شيوعيّاً؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الشيوعيين‭ ‬لا‭ ‬يشتمون‭ ‬الله‭ ‬إنّما‭ ‬يرتابون‭ ‬من‭ ‬وجوده‭.‬

تركتهُ‭ ‬بشتم‭ ‬الخالق‭ ‬وأنصرفتُ‭ ‬مرعوباً‭ ‬إلى‭ ‬البيت،‭ ‬داعياً‭ ‬الله‭ ‬ببراءة‭ ‬طفلٍ‭ ‬أنْ‭ ‬يسامحهُ‭ ‬ويدخلهُ‭ ‬الجنَّة‭ ‬إذا‭ ‬فارق‭ ‬الحياة‭.‬

‭***‬

ذات‭ ‬صيفٍ؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أسبحُ‭ ‬مع‭ ‬جمهرة‭ ‬من‭ ‬الصبيان‭ ‬في‭ ‬النهر؛‭ ‬عندما‭ ‬جاءوا‭ ‬برضيعٍ‭ ‬ميتٍ‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬الغازي‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬أبو‭ ‬صخير،‭ ‬خرجنا‭ ‬من‭ ‬النهر‭ ‬مفزوعين؛‭ ‬بينما‭ ‬التقط‭ ‬الفلاح‭ ‬عباس‭ ‬شاوردي‭ ‬جُثَّة‭ ‬الرضيع‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬بدنها‭ ‬الأهيف‭ ‬بعباءة‭ ‬سوداء،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أمه‭ ‬هكذا‭ ‬خمَّنت،‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تبكي‭ ‬عليه،‭ ‬وملامح‭ ‬وجهها‭ ‬صارمة؛‭ ‬كان‭ ‬لجوارها‭ ‬يقف‭ ‬رجلٌ‭ ‬يضع‭ ‬كوفية‭ ‬مرقَّطة‭ ‬حائلة‭ ‬اللون‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬ويغطي‭ ‬جسده‭ ‬الهرم‭ ‬بدشداشة‭ ‬سمراء‭ ‬دبقة‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تر‭ ‬الماء‭ ‬منذُ‭ ‬شهور‭. ‬بدأ‭ ‬الفلاح‭ ‬بتغسيل‭ ‬الرضيع‭ ‬بماء‭ ‬نهر‭ ‬الغازي‭ ‬الجاري،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬قرفص‭ ‬على‭ ‬دكَّةٍ‭ ‬إسمنتيةٍ‭ ‬هي‭ ‬امتداد‭ ‬لبوابتين‭ ‬ينطلق‭ ‬منهما‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى،‭ ‬أذكر‭ ‬أوراق‭ ‬السدر‭ ‬الجافة‭ ‬التي‭ ‬نثرها‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬الرضيع‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يغمره‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬تخيلتهُ‭ ‬يداعبُ‭ ‬سمكة؛‭ ‬ثمَّ‭ ‬وضع‭ ‬فمهُ‭ ‬على‭ ‬جوف‭ ‬أُذن‭ ‬الرضيع‭ ‬اليمنى‭ ‬وراح‭ ‬يتمتم‭ ‬بآيات‭ ‬كان‭ ‬يسمعها‭ ‬وحدهُ‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬يسمعها‭ ‬الرضيع‭ ‬الميت‭ ‬أيضاً‭. ‬حين‭ ‬أكمل‭ ‬تغسيل‭ ‬الرضيع‭ ‬دثَّرهُ‭ ‬بقطعة‭ ‬قماش‭ ‬خضراء‭ ‬لامعة‭ ‬ليطوي‭ ‬حوافها‭ ‬على‭ ‬بدنهِ‭ ‬الصغير؛‭ ‬حينها‭ ‬عرفتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬الرضيع‭ ‬ينحدر‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬أهل‭ ‬البيت؛‭ ‬وضعتهُ‭ ‬المرأة‭ ‬تحت‭ ‬عباءتها‭ ‬وانصرفت؛‭ ‬بينما‭ ‬عاد‭ ‬الصبية‭ ‬للسباحة‭ ‬في‭ ‬النهر؛‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬قطرات‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬جسدي‭ ‬العاري‭ ‬قدْ‭ ‬جفَّتْ،‭ ‬لكني‭ ‬أحجمتُ‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬النهر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬كنتُ‭ ‬أرى‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬في‭ ‬النهر‭ ‬هي‭ ‬وجه‭ ‬الرضيع،‭ ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬ماء‭ ‬النهر‭ ‬في‭ ‬عيني‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬أعدادٍ‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬الرُضَّع‭ ‬المتلاصقة‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تبكي‭ ‬بهلعٍ‭ ‬وتندفع‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬النهر‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭. ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬هجرتُ‭ ‬نهر‭ ‬الغازي‭ ‬ولم‭ ‬أسبح‭ ‬في‭ ‬مائهِ‭ ‬العذب‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬

‭***‬

في‭ ‬رحلة‭ ‬مدرسية‭ ‬للصف‭ ‬الخامس‭ ‬ابتدائي‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬أبو‭ ‬صخير،‭ ‬أشرف‭ ‬عليها‭ ‬معلم‭ ‬الرياضة‭ ‬محمد‭ ‬الصائغ‭ ‬والذي‭ ‬أصبح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬عضوا‭ ‬في‭ ‬اتحاد‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬العراقي،‭ ‬رحل‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬الله‭ ‬الرحيمة‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭. ‬كانت‭ ‬الرحلة‭ ‬إلى‭ ‬قصبةٍ‭ ‬جميلةٍ‭ ‬كثيفة‭ ‬الأشجار‭ ‬لم‭ ‬تبعد‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬القضاء‭. ‬عندما‭ ‬حان‭ ‬موعد‭ ‬تناول‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء،‭ ‬طلب‭ ‬معلم‭ ‬الرياضة‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬وضع‭ ‬طعامهم‭ ‬على‭ ‬سفرةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬كان‭ ‬معظمنا‭ ‬ينحدر‭ ‬من‭ ‬عوائل‭ ‬فقيرة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل؛‭ ‬باستثناء‭ ‬ابن‭ ‬القائمقام‭ ‬رنج‭ ‬وعلاء‭ ‬ابن‭ ‬سيد‭ ‬عزيز‭ ‬شيخ‭ ‬العذاريين؛‭ ‬كان‭ ‬متاعهما‭ ‬دسماً؛‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬بدجاجة‭ ‬مشوية،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬متاعنا‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬قطعة‭ ‬خبز‭ ‬مع‭ ‬حبَّة‭ ‬طماطم‭ ‬أو‭ ‬خيار‭ ‬ورأس‭ ‬بصل؛‭ ‬لم‭ ‬يعترضا‭ ‬رنج‭ ‬وعلاء،‭ ‬بل‭ ‬رأيت‭ ‬الفرح‭ ‬يملأ‭ ‬ملامح‭ ‬وجهيهما‭ ‬وهما‭ ‬يبصران‭ ‬باقي‭ ‬التلامذة‭ ‬ينهشون‭ ‬بشراهةٍ‭ ‬لحم‭ ‬الدجاجتين‭ ‬اللذيذتين‭. ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬الصائغ‭ ‬بذلك،‭ ‬إنما‭ ‬استخدم‭ ‬علبة‭ ‬الشاي‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬ابن‭ ‬القائمقام‭ ‬ودعانا‭ ‬لشرب‭ ‬الشاي‭ ‬الساخن‭ ‬بعد‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء‭ ‬الشهية‭ ‬التي‭ ‬حلمنا‭ ‬بتكرارها‭ ‬كل‭ ‬شهر‭. ‬لن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحدث؛‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬الصائغ‭ ‬معلم‭ ‬الرياضة‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬أبو‭ ‬صخير‭.‬

‭***‬

عندما‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬ابتدائي،‭ ‬اختارني‭ ‬معلّم‭ ‬التربية‭ ‬الفنية‭ ‬لتأدية‭ ‬دور‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬قصيرة،‭ ‬حتى‭ ‬ينتهي‭ ‬بي‭ ‬المطاف‭ ‬واقعاً‭ ‬في‭ ‬فخٍّ‭ ‬أعدّتهُ‭ ‬حيوانات‭ ‬الغابة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المسرحية‭. ‬عندما‭ ‬أصبحتُ‭ ‬شاباً‭ ‬رأيتُ‭ ‬معلم‭ ‬الفنية‭ ‬مصادفةً‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كربلاء‭ ‬بعد‭ ‬رحيلنا‭ ‬عن‭ ‬أبو‭ ‬صخير،‭ ‬توقفنا‭ ‬نسترجع‭ ‬الذكريات‭ ‬وتطرقنا‭ ‬إلى‭ ‬المسرحية‭ ‬التي‭ ‬جسَّدتُ‭ ‬فيها‭ ‬دور‭ ‬الأسد؛‭ ‬وقبل‭ ‬أنْ‭ ‬ينصرف‭ ‬سألني‭: ‬

‭- ‬ماذا‭ ‬تعمل‭ ‬الآن؟

أجبتهُ‭: ‬

‭- ‬مازلتُ‭ ‬أحاول‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الفخ؛‭ ‬يا‭ ‬أستاذي‭.‬

حسن‭ ‬النواب