
كنتُ عائداً من مشروع الماء في قضاء أبو صخير الذي يعمل به والدي رحمه الله بعد نقله من مدينتهِ كربلاء كعقوبةٍ على نشاطه السياسي في ذلك الوقت. كان الوقت ضحى وعمري في حينها لم يتجاوز تسع سنوات، والطريق الذي أقطعهُ نحو منزلنا يمرُّ ببناية قائمقامية القضاء؛ وهي بناية ضخمة تضمُّ مركز الشرطة ومكتب حاكم المدينة أيضا، استرعى انتباهي سيارة شرطة حوضية نطلق عليها تسمية “المسلّحة ” كانت متوقفة أمام البناية وفي حوضها تمدَّد رجلٌ يرتدي دشداشة بيضاء غارقة بالدماء وإلى جوارهِ تجلس امرأة عجوز تغطّي قوامها الهزيل بعباءة صوفية وتدّخن بحرقةٍ سيجارة رخيصة اسمها الشائع “ضلوع الملّه أو المزبَّن”، شعرتُ بالفزع عندما رأيت طعناتٍ لا تُحصى تتوّزع على جسده النازف، ويبدو أنهَّما ينتظران تكملة “الرابوط” في مركز الشرطة حتى يُسمح بعلاجه في المستوصف القريب من بيتنا، “والرابوط ” مفردة شعبية مشتقة من كلمة إنكليزية هيReport” ” تعني تقرير تعدّهُ الشرطة عن ملابسات الحادث. كانت الطعنات مثل أفواه مفتوحة في بدنهِ النحيل ويسلُ منها الدم بلا انقطاع. كنتُ أسمعهُ يجدفُ بالذات الإلهية مراراً برغم وضعه الخطير، بينما كانت العجوز تتوسَّل به حتى يكفَّ عن لعنة الخالق؛ كان يزيد من شتائمهِ كلما سمعها ترجوهُ التوقف عن لعانته؛ عرفتُ أنها أمه وكانت صلبة لم تهتز أمام نزف ولدها الذي كان على شفى خطوةٍ من الهلاك. طلب منها سيجارة؛ اشعلتها ووضعتها بفمه ومع سحب الدخان التي كان ينفثها من زاوية فمه قال ساخطاً:
- “ولوني ولية مخانيث؛ يمّه.. يا وسفهْ؛ الزرع بقه بلا ماي.”
وعاد يجدف بالسماء وبالذات الإلهية.
بقيتُ مندهشاً كيف لإنسان على وشك الموت يشتم الله؛ بالطبع كان فلاحاً بسيطاً ولم يكن شيوعيّاً؛ لأنَّ الشيوعيين لا يشتمون الله إنّما يرتابون من وجوده.
تركتهُ بشتم الخالق وأنصرفتُ مرعوباً إلى البيت، داعياً الله ببراءة طفلٍ أنْ يسامحهُ ويدخلهُ الجنَّة إذا فارق الحياة.
***
ذات صيفٍ؛ كنتُ أسبحُ مع جمهرة من الصبيان في النهر؛ عندما جاءوا برضيعٍ ميتٍ إلى نهر الغازي في قضاء أبو صخير، خرجنا من النهر مفزوعين؛ بينما التقط الفلاح عباس شاوردي جُثَّة الرضيع من يد المرأة التي تغطي بدنها الأهيف بعباءة سوداء، لم تكن أمه هكذا خمَّنت، لأنها لم تكن تبكي عليه، وملامح وجهها صارمة؛ كان لجوارها يقف رجلٌ يضع كوفية مرقَّطة حائلة اللون على رأسه ويغطي جسده الهرم بدشداشة سمراء دبقة ربما لم تر الماء منذُ شهور. بدأ الفلاح بتغسيل الرضيع بماء نهر الغازي الجاري، بعد أنْ قرفص على دكَّةٍ إسمنتيةٍ هي امتداد لبوابتين ينطلق منهما الماء إلى الجهة الأخرى، أذكر أوراق السدر الجافة التي نثرها على جثة الرضيع قبل أنْ يغمره تحت الماء، تخيلتهُ يداعبُ سمكة؛ ثمَّ وضع فمهُ على جوف أُذن الرضيع اليمنى وراح يتمتم بآيات كان يسمعها وحدهُ وربما كان يسمعها الرضيع الميت أيضاً. حين أكمل تغسيل الرضيع دثَّرهُ بقطعة قماش خضراء لامعة ليطوي حوافها على بدنهِ الصغير؛ حينها عرفتُ أنَّ الرضيع ينحدر من سلالة أهل البيت؛ وضعتهُ المرأة تحت عباءتها وانصرفت؛ بينما عاد الصبية للسباحة في النهر؛ كانت آخر قطرات الماء على جسدي العاري قدْ جفَّتْ، لكني أحجمتُ من الدخول إلى النهر مرة أخرى، كنتُ أرى كل موجة في النهر هي وجه الرضيع، لقد أصبح ماء النهر في عيني عبارة عن أعدادٍ لا تُحصى من وجوه الرُضَّع المتلاصقة والتي كانت تبكي بهلعٍ وتندفع في مجرى النهر إلى المجهول. بعد تلك الواقعة هجرتُ نهر الغازي ولم أسبح في مائهِ العذب إلى الأبد.
***
في رحلة مدرسية للصف الخامس ابتدائي في قضاء أبو صخير، أشرف عليها معلم الرياضة محمد الصائغ والذي أصبح فيما بعد عضوا في اتحاد كرة القدم العراقي، رحل إلى يد الله الرحيمة قبل أعوام. كانت الرحلة إلى قصبةٍ جميلةٍ كثيفة الأشجار لم تبعد كثيراً عن مركز القضاء. عندما حان موعد تناول وجبة الغداء، طلب معلم الرياضة من الجميع وضع طعامهم على سفرةٍ واحدة، كان معظمنا ينحدر من عوائل فقيرة ومتوسطة الدخل؛ باستثناء ابن القائمقام رنج وعلاء ابن سيد عزيز شيخ العذاريين؛ كان متاعهما دسماً؛ إذ جاء كل منهما بدجاجة مشوية، بينما كان متاعنا لا يتعدى قطعة خبز مع حبَّة طماطم أو خيار ورأس بصل؛ لم يعترضا رنج وعلاء، بل رأيت الفرح يملأ ملامح وجهيهما وهما يبصران باقي التلامذة ينهشون بشراهةٍ لحم الدجاجتين اللذيذتين. لم يكتف الصائغ بذلك، إنما استخدم علبة الشاي التي حملها ابن القائمقام ودعانا لشرب الشاي الساخن بعد وجبة الغداء الشهية التي حلمنا بتكرارها كل شهر. لن ذلك لم يحدث؛ رحم الله الأستاذ محمد الصائغ معلم الرياضة في مدرسة أبو صخير.
***
عندما كنتُ في السادس ابتدائي، اختارني معلّم التربية الفنية لتأدية دور الأسد في مسرحية قصيرة، حتى ينتهي بي المطاف واقعاً في فخٍّ أعدّتهُ حيوانات الغابة في نهاية المسرحية. عندما أصبحتُ شاباً رأيتُ معلم الفنية مصادفةً في مدينة كربلاء بعد رحيلنا عن أبو صخير، توقفنا نسترجع الذكريات وتطرقنا إلى المسرحية التي جسَّدتُ فيها دور الأسد؛ وقبل أنْ ينصرف سألني:
- ماذا تعمل الآن؟
أجبتهُ:
- مازلتُ أحاول الخروج من الفخ؛ يا أستاذي.
حسن النواب























