التقابل والتضاد في رواية ينال

 

ال تقابل والتضاد في رواية ينال

صبري حمد خاطر

لكل قارئ شأن في قراءة رواية ينال. إذ أراد كاتبها المبدع أمجد توفيق أن يحمل القارئ في دولاب من الأفكار يصعد به إلى قمة الرومانسية، ثم ينزل به إلى حضن الواقعية دون أن يفقد القارئ الرغبة في التزود من معرفة يمتزج فيها الخيال بالحقيقة والفرح بالحزن والصفاء بالقلق.

الكاتب يطرح نماذج فكرية مختلفة. يحصل بينهما التقابل ثم التضاد فيما يتجاوز حدود البارا دايم.  ذلك لأنه بعد أن يضع النموذج الفكري لأي بطل من أبطال الرواية لا يدع الأحداث تسير في إطار هذا النموذج وإنما يحمله على التصادم بنموذج فكري آخر بما يؤدي إلى التحول نحو فكرة جديدة في إطار تصارع الأفكار بما يشبه الديالكتيك. وبذلك تتشكل خارطة للتضاد الفعال نحو الإبداع وفي التقابل نحو المزيد منه في لوحة روائية يستحق الكاتب عليها كل ثناء وتقدير.

 إن الدخول إلى عالم الرواية بصورة عامة يتم من خلال التقابل بين ما هو شرقي وما هو غربي. بطل الرواية ينال هو ذو نشأة شرقية لكنه يعيش في بيئة غربية.، وهذا التقابل يؤدي إلى التضاد بين الحياة الشرقية التي بدأها ينال في ظل رعاية أب حريص عليه، على ثقافته وأخلاقه، ثم تعرضه بعد موت الأب لظلم طاغي حيث يسجن دون ذنب ويسلب منه البيت الذي سجله والده باسمه دون وجه حق، وبين الحياة الغربية التي يصبح فيها ينال تاجر سلاح في ثراء فاحش. فلا يتوانى في تلبية رغباته سواء في السيطرة على التجارة في مجال نشاطه أو في تلبية رغباته الجنسية.

 الرواية تطرح الاختلاف بين عالمين: إذ تصف الغربي بأنه يعمل في ظل قانون (كأنه آلة أو كاميرا ترصد الجميع ولا تعترف بصفة أو وظيفة أو قيمة غير ما هي مصممة من أجله…. قانون لا يمنح أحدا حق الاعتراض عليه ذلك لأنه صمم للجميع ويطبق على الجميع فلا مسوغ لأحد في الاعتراض أو التظلم). وتصف العالم الشرقي الذي جاء منه بطل الرواية على لسان الراوي بأنه يساوي (بين العبقري والأحمق، بين القادر والمتخلف، وتمنحهم الحق نفسه والوزن نفسه لاختيار من يدير البلد ويتحكم فيه). والتضاد بين العالمين ليس عاديا، فالوصف الآلي للأول لا يجعله يتغلب تماما على الوصف العاطفي للثاني وبالنتيجة فإن التضاد ما هو إلا صراع. لذلك لم تطرح في إطار حبكة الرواية فكرة الانتقال من حياة إلى أخرى للتخلص من المأساة. بل بالرغم من كل المظاهر المادية يظل ينال تحت وطأة المبادئ التي ترسخت في ذهنه في حياته الشرقية، مما يخلق له الحزن والقلق الذي هو جوهر في بناء شخصيته الغربية. أصبح ينال في حبس هو جسده ذاته، ثم يبذل كل الجهود الممكنة في إشباع هذا الجسد من جنس وسكن ومتع الحياة في مختلف صورها إلا أن هذا الجسد في النهاية لم يطلقه من براثن قلقه وحزنه فآثر أن يخرج إلى الحياة الأخرى بفعله هو أي بطاقة ذاته فينتحر معتقدا أن تجربته لن تكون فاشلة، إذ وزع المال قبل أن يموت وهو يعتقد أنه ينجح في التخلص من مأساة الحياة التي هي خلاصة تجربته ابتداء من تعذيبه في السجن بلوحة من مسامير تركت ثقوبا في جسده وأسالت دمه، وإلى الغربة التي حولت رغبات الجسد  إلى فئران راحت تقرض في الشبكة التي التفت حول جسده. فما أن تحرر منها حتى انطلق إلى موته الذي اعتبره حياة أخرى وصفها بأنها المعنى المفقود إذ يقول (في مسيرتي المليئة. كانت فكرة الكل الغائية تؤرقني. وفكرة النقصان الحاضرة تعذبني، وما بين هذين الحدين، وما بين تسلط النقصان على كل شيء، وغياب الشعور في الكمال، يبدأ عذاب البحث عن المعنى المفقود).

مقابلة البطل

والدخول في عالم الرواية يكشف عن تقابل آخر ولكن في تفاصيل تشبه الخارطة الكبيرة التي تتوزع على أشخاص يشكلون بنيوية التقابل الذي يتفاعل في إطاره التضاد بين الأشخاص للخروج بأفكار مستحدثة يستمد منها القارئ بذرة ثقافية يمكن أن تنمو منها قراءات أخرى مهمة. الراوي يتقابل مع بطل الرواية دون أن يرفض أحدهما الآخر. يقول الراوي عن البطل (أدهشني عالمه الغريب والقيم التي يحتكم إليها. أدهشني علاقاته المتشعبة وقدرته علـى التحكم بإيقاع يكسب تناسقه شخصيته ولا أستطيع إخفاء رفضي الكثير من ممارساته، فأنا نتاج بيئة وتنشئة اجتماعية متناقضة مع رؤى ينال، برغم ذلك يدهشني أسلوبه وقدرته على تناول لحظات ومشاعر معقدة بكثير من البساطة والوضوح). فالراوي يكشف هذا التضاد الصريح لكنه لا يرفض الشخصية التي يتضاد معها بل العكس يتقبلها بكل حب. وينال يعلم اختلافه الكبير مع الراوي المغمور ومع ذلك يضع ثقته فيه ليقرأ أسراره ويخوله نشرها بل يجعله عراب موته، وما يشبه الوريث من بعده للقيام بأعمال خيرية هي بمثابة التطهير من الحزن ونزع ثوب الأسى ليتحول ينال نقيا إلى حياته الأخرى. ويستمر هذا التقابل بين روكسانا المرأة القوية وينال بوصفه تاجر سلاح لتنتصر المرأة سواء فيما يتعلق في فعل الحياة ـ الجنس – أو الموت حيث تموت روكسانا وهي تحاول أن تغير الحياة بينما يموت ينال بالهروب من الحياة. لا شك أن الرواية تحاول أن تجزء شخصية بطلها وذلك في ذات الحبكة التي تدور في إطار التقابل ليشعل أوار هذه الحبكة تضادا هو فعل الحياة ذاتها. وإلا كيف تفسر أن تاجر السلاح يلتقي في ظرف خطير بامرأة يؤوى إليها لا لتحميه من هذه الخطر وإنما ليلبي رغبة هي خليط من الجنس والرومانسية لتتغلب الرومانسية فيبذل لها المال كي تعيش في ظل مشاعر جياشة. وكيف تفسر أن يبذل ينال من المال الشيء الكثير لامرأة اسمها- منال- لمجرد أنها كانت طالبة معه التقى بها وقالت له أن اسمها يشبه اسمه ثم تهاجر ثم يلتقي بها صدفة. وغايته ليس الجنس أو الحب وإنما الغاية أن تتغلب هي على الظروف الصعبة التي يضعها موت الزوج فيها. هذا التضاد هو صراع حقيقي أو هو محنة الحياة ليتخلص ينال من الواقع المشوه دون جدوى إذ يقول في أوراقه (كل ذلك جميل ولا اعتراض عليه، ولكنه لا يحرك شعرة في قناعتي بأنني لا أثق في الغد، ولا أثق بأن المشاكل والأزمات لن تطاردني، ولا أثق في ثبات مخطط يحاول التنظيم وبث القناعة).

تبلور الأحداث

حاول بطل الرواية ينال أن يلبي كل رغبات جسده، مارس الجنس مع نساء كثيرات. انتهك مبادئ تعلمها من قبل فشجع زوجة على خيانة زوجها مرة واحدة ثم تركها في أتون الخيانة. مارس الجنس مع امرأة شارع وجدها صدفة ليذيب جسده في جسد عاهرة. فعل كل ذلك دون أن يرضي الجسد. لم يقنع. ظل يحترق على نار الحزن والقلق. كل ذلك يدل على تبلور الأحداث إلى الحد الذي تنقض عنده الفكرة التي صاغتها الرواية على لسان ينال بقوله بعد معاناة الحبس والتعذيب (عندها لا بد أن ينكفئ الإنسان على نفسه مجترا أحزانه وخيبته أو ينتفض مستفيدا من أساليب من ظلمه ليحقق ذاته عبر الانتقام والبحث عن الفرص دون اعتبار لمشروعية العمل أو الفعل). انطلق ينال على وفق هذه الرؤية ليدوس الحزن بأرجله الثقيلة على قلبه الحزين. ويؤدي التضاد إلى تقهقر المادية في الصراع مع الحياة. وعودة المبادئ مثل خيوط الشمس تتسلل من سماء الحقيقة.

الرواية تطرح تساؤلات كثيرة في ظل الموقف الأول الذي حمله ينال على ظهره وانطلق. أعطت له الحياة زوجة لا تعترض عليه. مكنته من الحصول على المال الوفير. أصبحت في يده سلطة استطاع أن ينتزع بها كل حقوقه المسلوبة. حقق الهدف الذي ألزم نفسه به. والنهاية أن حياته لم تدخل جنة في الأرض وإنما تلقت   الحزن والقلق لتبحث عن الخلاص ما وراء الموت. ومن هنا لا بد أن نعترف أن القلق والحزن ليس من العوامل الخارجية التي تؤثر في الحياة وإنما هي جزء منها تتفاعل داخل الجسد في عملية خلق جديد. القلق والحزن هما دوافع للغوص في الجسد البشري بحثا عن الروح وليس بالضرورة أن نجد الحياة خارج الجسد كي يكون الموت حلا نهائيا.

 لم تطرح الرواية الموت بوصفه شيئا مخيفا، تعبر عن ذلك ليلى زوجة ينال بقولها للراوي (هل تصدق بأنني لا أعرف شيئا بل أستطيع القول إن أيامه الأخيرة كانت مليئة بالبهجة ومحاولة اسعادنا بأية طريقة، كان كمن يعد نفسه لاحتفال، هل تعرف أي عذاب عانيته وأنا اسمع بأنه أنهى حياته بطلقة مسدس). لكن الموت – كما يفهم من الرواية – هو تجربة. والشخص عندما يموت لا يعيش تجربته بل الغير هو من يعيش تجربة الموت. وبذلك كانت الرواية تتحدث عما خلف الموت من حزن في قلب ليلى، وفي قلب الراوي. هذا الراوي الذي يختلف عمرا وتجربة عن ينال ولكن ناله من الحزن شيء فاق ذلك الحلم الجميل الذي كان يتربع في قلبه وهو يرى حفيدته تلعب مع كلب ينال وفاق فخره الماتع بابنه فيصل حين أصبح طبيبا. الموت غزى عالمه الذي جعله يتنفس في ظل جبل يتكون من صخرة واحدة عملاقة. جبل كبير أسود تتخلله ثقوب متنوعة. وبذلك توجد في الحياة حقوق يجب ألا يؤدي الموت إلى انتهاكها وهي الحق في مناقضة الذات والحق في الرحيل بمعناها المطلق والحق في الصمت. بمعنى أن نرفض تجربة موتنا بالانتحار لأن الموت من هذا النوع ينتهك الحقوق. من الممكن أن نعيش تجربة الموت حين يموت غيرنا ما دمنا أحياء. ففي مواجهة الموت لا نموت. ولكن من المستحيل أن نمنع الموت لأنه جزء من الواقع.

ينال تجربة لكاتب يستخدم أدوات اللغة في صناعة حبكة درامية تعبر عن معاني عميقة. وينال رواية تستحق أن تقرأ بعمق وأن يقول الموقع على نهايتها شكرا لك أمجد توفيق أيها المتألق في هذه الرواية التي تبحث في المعنى.