تشاكل معاني الأنوثة والفداء في شعر الخنساء

تشاكل معاني الأنوثة والفداء في شعر الخنساء

احمد الشيخاوي

في اعتقادي،الكتابة حتف مهيب، بمعنى من المعاني، لمّا تحدث خارج فصول الحنيفية، وبمعزل عن دوائر النواميس والفطرة السوية،أو خارج حدود الاحتماء بشجرة الإنسانية، على نحو تمنح معه الذات ، فوق ما تأخذ،بحيث تتقمّص الذات المبدعة إجمالا، مركزيتها في الآخر، لتجني سعادتها وتوازنها واعتدالها و وسطيتها،بقدر ما تهب من سعادة وحياة وأمن لطرف الغيرية،بعدّه امتدادا وظلالا وتكاملية للأنا المبدعة، في المطلق،وعلى تفاوت منسوب ودرجات التجارب والحساسيات والأجيال.يأس “ لوركا” قاده لأن يختار ميتته، وحتّى يطبع بدم الشاعر الغجري الشهيد، آخر صفحة من سيرة ما انفكّت تقلق الإيديولوجية الجافة المنتصرة للمادية وأنانية ذويها وسدنتها،على حساب روح الكائن، ما ثوّر في هذه الأخيرة اغترابا مقيتا ومحرّضا على الانتحار.بطريقة ما اختار “لوركا” خلاصه من ثقل الإيديولوجية الجانية وجبروتها، بأسلوبه الرّيفي المتماهي مع أغاني الروح البعيدة، انتحر(رمزيا)،مسجّلا ولادة رمزية جديدة ،تدين أيديولوجيات الغطرسة و الهيمنة والسادية والجلْد.قس على ذلك الكثير من النماذج،سواء داخل حقل الأدب، أو خارجه، مما تفتي به الذاكرة الإنسانية والموروث في عالمية لغته وألسنه.

حركة الادب

تجمع العديد من المصادر التاريخية الراصدة لحركة الأدب العربي ،أقله في شق تخضرم رواده وفرسانه، تماما ،مثلما نحن بصدد تخصيص هذه الورقة، لسياحة تأويلية داخل دواليبه، وتقرّ بأن تماضر بنت عمرو السلمية،الملقّبة بالخنساء، عاشت شاعرة أكثر منها ناظمة،وطبقت شهرتها الآفاق،كونها سيدة المراثي بامتياز.الخنساء شاعرة التجلّد والخطاب الحِكَمي، في بداية تعاطيها القريض،تكتفي بــ” النتفة” منه،أي ما لا يتجاوز أبيات معدودة لاتصل سقف القصيدة المعروفة حسابيا بأبياتها السبعة فما فوق.بيد أن قتل أخيها معاوية ،كان كفيلا بولوج الخنساء عالم المراثي : ندبة وتأبينا وعزاء، مصعّدة من القول الشعري المصطبغة متونه بمعجم الفجيعة والخريفية والجنائزية ، مع أن الصحابية والشاعرة الخنساء،لم تدوّن أخاها القتيل معاوية، شعريا، أكثر من شقيقهما الفقيد لا حقا، صخر، وكأنها ظل يلجمها الخوف عليه من لعنة الحمية والاستعجال بالثأر لأخيه.لذلك رثت معاوية بشكل مقّل،معزيا لذات الخنساء،ومانحا بعض دفء النتفة الشعرية التي أخالها قادرة على ترع بعض من فراغ ، خلّفه اغتيال معاوية ،الأبعد أسريا عن مناسبات الاصطفاف إلى مواقف شقيقته، خلافا لصخر الذي عاضدها طوال حياته وانحاز لخياراتها ولم يكرهها على شيء رفضته وردّته، كما حصل مع “دريد” الذي جاءها خاطبا فخيبت مرامه بجوابها الذي صدمه وهو يسترق السمع إليها محاورة والدها بذلك الخصوص، إذ أجابت:  “ يا أبت: أتراني تاركة بني عمي مثل عود الرماح، وناكحة شيخ بني جشم؟ “. وغير ذلك من مواقف دعمها من لدن صخر ،متعدد ووفير.

فلنتأمل المقتبسات التالية من شعرها، بعدها نعود لاستكمال الورقة:

ألا لا أرى في النّاس مثلَ معاويه  إذا طرقت إحدى الليالي بــداهيه

بـداهية يصغى الكلاب حسيسها وتخرج من سرّ النّجي علائيه

ألا لا أرى كالفارس الورد فارسا إذا مــا علته جرأةٌ وعلانيه

وكــأن لزاز الحرب عند شبوبها إذا شمّرت عن ساقها وهي ذاكيه

وقوّاد خيل نحو أخرى كأنــها سعال وعقبان عليها زبانيــه

أَبِنتُ صَخرٍ تِلكُما الباكِيَة لا باكِيَ اللَيلَةَ إِلّا هِيَه

أَودى أَبو حَسّانَ واحَسرَتا وَكانَ صَخرٌ مَلـِكُ العالِيَه

وَيلايَ ما أُرحَمُ وَيلاً لِيَـه إِذ رَفَعَ الصَوتَ النَدى الناعِيَه

كَذَّبتُ بِالحَقِّ وَقَد رابَنـي حَتّى عَلَت أَبياتُنا الواعِيَه

بِالسَيِّدِ الحُلوِ الأَمينِ الَّذي  يَعصِمُنا فــي السَنَةِ العادِيَه

أَبكي عَـلى أَخَوَيَّ وَالقَبرِ الَّذي واراهُمــا

لا مِثلَ كَهلِيَ في الكُهولِ وَلا فَتىً كَفَتاهُما

رُمحَينِ خَطِّيَّينِ فـي كَبِدِ السَماءِ سَناهُــما

ما خَلَّفا إِذ وَدَّعا فـي سُؤدُدٍ شَرواهُما

سادا بِغَيرِ تَكَلُّفٍ عَفواً بِــفَيضِ نَداهُما

تلكم شاعرة صبورة، لا يعادل الرزء في فلسفتها وحسب قواميس ديدنها الحياتي،المفعم بأخلاقيات ومروءة الجاهلية، باعتبارها عصرا لازدهار ديوان العرب، وبصرف النظر عن وثنيته ومنظومة المثالب العقدية والمجتمعية والثقافية التي سادته، وأثّرت في بنيته وبيئته على اختلاف مضامينها وتلاوينها التعبدية والإنسانية والسياسية، على خلوها من الملمح المدني، وغلبة العقلية الصحراوية وروح البداوة عليها.

قلت لا يعادل الرزء لديها سوى القصيدة المرثاة،والتي توهّجت على نحو لافت، مذ مقتل صخر،لتغدو جحيما عاشته الخنساء بشتى طقوسياته ،واستعباده للذات الشاعرة الحائرة والتائهة على امتداد خارطة الشك والاضطراب والقلق،ووقوع الروح الثكلى في خيوط سم اللايقين.

كما نلفيها تفضح المكنون،مصرّحة بجملة من الهواجس المقنعة ببكائية وانهزامية موغلة في الواجهة الواشية بضعف وعوز النوع البشري عموما،في جلي حاجته وافتقاره إلى اعتناق عقيدة سماوية ودين ورسالة عالمية تسعده وتحميه وتفتح بصيرته على مسطرة الحقائق الوجودية ،وفق ما يستجلب مصالحة نهائية وحاسمة مع العالم والذات والآخر،ويجنّب وعثاء الضلال ومكابدات جغرافية التيه الذي قد يخلقه ويجرّ إلى كواليسه الداجية ،سؤال الموت.

تندب تقول:

يا عَينِ جودي بِالدُموعِ المُستَهِلّاتِ السَواجِم

فَيضاً كَما اِنخَرَقَ الجُمانُ وَجــالَ في سِلكِ النَواظِم

وَاِبكي مُــعاوِيَةَ الفَتى وَاِبنَ الخَضارِمَةِ القُمـاقِم

وَالـحازِمَ الباني العُلى في الشاهِقاتِ مِــنَ الدَعائِم

تَلقى الـجَزيلَ عَطاؤُهُ عِندَ الحَقائِقِ غَيرَ نـادِم

أَسقى الإِلَهُ ضَريحَـهُ مِــن صَوبِ دائِمَةِ الرَهائِم

……………………….

مَن لامَني في حُبِّ كوزٍ وَذِكرِهِ فَلاقى الَّذي لاقَيتُ إِذ حَفَزَ الرَحَم

فَيا حَبَّذا كوزٌ إِذا الخَيلُ أَدبَرَت وَثارَ غُبارٌ في الدَهاسِ وَفي الأَكَم

فَنِعمَ الفَتى تَعشو إِلى ضَوءِ نارِهِ كُوَيزُ بنُ صَخرٍ لَيلَةَ الريحِ وَالظُلَم

إِذا البازِلُ الكَوماءُ لاذَت بِرَفلِها وَلاذَت لِواذاً بِالمُدَرّينَ بِـالسِلَم

وَقَد حالَ خَيرٌ مِن أُناسٍ وَرِفدُهُم بِكَفّي غُلامٍ لا ضَنينٍ وَلا بَرَم

ههنا ،وحسب المستشف من ألوان كهذه أبيات محتفية ضمن قوالب فلكلورية، مبطّنة بالمناحة ، كالمعتاد ، ومغدقة بصور الحاجة إلى الآخر،والنوع المقابل، كبعل، مؤهل لمشاطرة تكاليف وأعباء الحياة،نجد الخنساء تحاول أن تبرّر رغبتها في حياة الافتقاد إلى صخر، بالخصوص، ترشق بمغريات النكاح، وتسدل الستار أخيرا على تفاصيل الأمومة، باعتبارها ضرب من إبداع، سوف نتبين فيما بعد ، إلى أي حدّ ،شحذه في شعر الخنساء، إسلامها،كي يبدّل قناعاتها بالكامل، ويقلب فهمها ورؤيتها للشعر والموت والحياة، وهذا هو المرام والمقصد الأبرز من هذه المقاربة.

أَقسَمتُ لا أَنفَكُّ أُهدي قَصيدَةً لِصَخرٍ أَخي المِفضالِ في كُلِّ مَجمَعِ

فَدَتكَ سُلَيمٌ كَهلُها وَغُلامُها وَجُدَّعَ مِنهــا كُلُّ أَنفٍ وَمِسمَعِ

………………………..

لعمري وما عمري عليَّ بهيّنٍ لَــنِعْمَ الفَتى أرْدَيْتُمُ آلَ خَثْعَما

أُصِيبَ بهِ فَرْعا سُلْيمٍ كِلاهُما فَــعَزّ عَلَيْنا أنْ يُصابَ ونُرْغَمَا

وكانَ إذا ما أقْدَمَ الخَيْلَ بِيشَة ً إلــى هضبِ اشراكٍ اناخَ فالجما

فارسلها تهوي رعالاً كانَّها جَرَادٌ زَفَتْـهُ ريحُ نَجْدٍ فأتْهَمَا

فأمْسَى الحَوامي قَدْ تَعَفّيْنَ بَعدَهُ وكانَ الحَصَى يَكْسو دَوابِرَها دما

وإذن… لقد شكّل إسلام الخنساء ،شطبا أو مسحا كاملا لمجموع الزوائد وجمّه ،والذي ما فتأ يعشش في روح وخيال أنثى لا يقوّيها و يهب صبغة الفولاذية لشخصيتها الأنثوية المباهية بالحسن والنسب، عدا شعر المراثي على تنوع معانيه الجنائزية، أنتجته،بدرجة أولى ،حمية الجاهلية وأعياد الاحتفال بالشعر وثقافة تمجيده بل وتأليهه، لحين أثمر الإسلام خنساء مؤمنة مطمئنة راضية ومختلفة جملة وتفصيلا.

حلفت بــالبيت وزوّاره  إذ يعملون العيس نحو الجمار

لا أجزع الدهر على هالك  بعدك ما جنت هوادي العشار

حتّى أنها فقدت أربعة أبناء ذكور في حرب القادسية، على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتقبّلت المصاب بصدر منشرح رحب موقن بقضاء الله وقدره، بل واعتبرت ذلك عيدا لوّنته شهادة بنيها،ذودا عن الإسلام والتزاما بتعاليمه.

ومن ثم، نهتدي إلى زخم التجليات المزدانة بروح اليقين،إزاء مرايا الشعر الذي تنسج معانيه،البصيرة،ما بعد ولادة ثانية يجود بها طقس اعتناق الإسلام ،والفكاك من براثين العمر الوثني ،وحيرة الذات الملدوغة بعمى التشكيك واللايقين.

حدّا سهّل سؤال الموت ،بل وفسره وفكّ شفرته ولغزه ، ليقترحه على هيأته النورانية والبديهية والطبيعية جدا، وعرّفه على أنه مجرد معادل موضوعي لمفهوم الشهادة، كما هو الحال في سيرة وشعر الخنساء.

شاعر وناقد مغربي