

جاسم خلف الياس
لن تنهض كتابتي هذا اليوم على تتبع قصيدة النثر عند شارل بودلير، وكشف مضمرات أزهار الشر، ولا تأثيره العميق في تجسيد الرمزية، وآرائه في الأدب والفن، وإنما ستنهض على تتبع تشابك علاقاته بالمرأة وفهمه للأنوثة والجسد والعشق والعاطفة، وبودلير كغيره من الشعراء مخلوق مزدوج، تتجاذبه تعالقات النزوع والأحاسيس والمشاعر، أو تعالقات اليوميات والاعترافات، أو تعالقات نتاجه الشعري وآماله وتطلعاته وأحلامه وبؤسه وشقائه وسأمه والحشيش والأفيون وهو يقارب في حياته وشعره الشؤم والسأم والعصيان والفجور.
شكّل فقد أبيه فراغاّ قاتلاّ لأمه وهي في الثلاثين من عمرها، وهي تمتلك جسد امرأة جميلة. ولكن كان كل شيء بالنسبة لشارل بودلير جميلاّ وذا غبطة مع هذه الأم الشابة الجميلة، فكثيراّ ما يطوفان باريس في المركبة، ويعودان كالعاشقين، فيجدان البيت دافئا مضاء، والخادمة الأمينة ماريت ساهرة على كل شيء. ولأنها كانت تمتلك جمالاّ مبهراّ، وأنوثة طاغية، ظلت أسئلة كثيرة تراودها عن جسد لم يعط إلا ثمرة واحدة فقط. ولم يعرف اللذة التي تتطلب امرأة في سنّها، وهل من المعقول أن تبقى وهي بهذا الجمال والشباب أرملة إلى الأبد؟ أوليس طبيعيا أن تفكر في تأمين بيت لها؟ وهذا ما دفعها إلى أن تقول لشارل بعد أن عزمت على الزواج. نعم تزوجت القومندان أوبيك. وفيما كانت تتذوق ليلة عرسها الحقيقة، كان في البيت نفسه ولد جموح يتشنج في عذاب الحب المخدوع، ويبكي على سعادته المنطفئة، لاعناً أمه وهو يشعر بحبّها أكثر من ذي قبل، متهماً إياها في صمت كالجحيم، وبهذا الانعطاف الحاد تشكّل مستقبل شارل بودلير في توجيه شخصيته، إذ أحبّ أمه بجنون من غير أن يقيس حبه، وإذا هو قد انخدع وأصبح لا يريد الإيمان بامرأة، بالتأكيد أن هذا لطبع غريب ومزاج أخرق، ولكن الأمر كان كذلك. وعلى أثر ذلك أعلن حربا لا هوادة فيها على عدوّه الممقوت حدّ الموت (أوبيك)، وهو يتصور أنه ما جاء إلى هذا العالم إلا بمرسوم إلهي، وأنه كان يجب على أمه الشابة أن تفكر براحته وسعادته وحده. وسرعان ما تحوّلت محبة الذات المكبوتة إلى صرخة تطلق اللعنة على كل امرأة تلد شاعراً.
أما إحساساته الجنسية فقد استيقظت فيه وهو بعد في التاسعة عشرة من عمره. وسرعان ما عرفت مقاهي الضفة اليسرى زبوناً جديداً، سرعان ذاع صيته لبحبوحته ورفاهيته، واتجه إلى معاشرة النساء، وكان بإمكانه أن يقع على فتيات متأنقات أو امرأة متزوجة يستهويها شعره، وما في عينيه السوداويين ووجهه الشاحب من مسوّغات الإغواء ، ولكنه آثر أن ينحدر إلى أسفل دركات اللذة، إلى أبشع النساء، وكأنه أراد أن ينتقم لعاطفته الأنثوية التي أحسّها أو تخيّلها إلى جانب الأم التي خانته بحسب ظنه. فلم يدر في خلده التعرف على المرأة إلا من ناحيتها البشعة حسب اعتقاده، ليمحو من مخيلته أية صورة نقية لها، فلم يكن بودلير صاحب مزاج صحيح، وكانت تعتمل في داخله مفارقة عجيبة، إذ يبدو أنه لم يكن واثقاّ من التصرف كما يشاء بحاسته الجنسية، فقد كان إلى جانب تمرده متهيبا خجولا أشد ما يخشاه شيوع فشله وعجزه. ولأن فكرة العشق واللذة الجنسية تفترقان عند الذين يشقون ويتألمون حين يرون حاستهم الجنسية لا تلبي نداء إرادتهم. وكان بودلير – وهو أحدهم – يبدد هذا الخجل في أحضان اللواتي يحترفن الدعارة ولا يبالين بشيء، فما دِمْنَ يتناولنَ الثمن فليس لهنّ إلا أن يستسلمن ويسكتنَّ. وعلى الرغم من نظرته إلى ما يفعله بعين نافذة وسخرية موجعة، استمر في ممارسة الجنس مع المومسات اللواتي أطلق عليهن (أزهار الشر) فيما بعد. بعد إصابته بالسفلس الذي لازمه طوال حياته، لينتهي به هذه المرض إلى شلل يقتله.
حدث انعطاف حاد في حياة بودلير بعد أن ترك بيت أمه وزوجها (أوبيك) واستأجر مسكناّ صغيرا في جزيرة سان لوي، وفي مساء يوم ما، دخل مسرحاّ صغيراّ، وحين صعدت إحداهن لتمثل دور الخادمة، لم تقل سوى ثلاث كلمات وانصرفت، وحين وقع نظر بودلير على هذه الممثلة شعر برعشة لم يعرف سبباً لها، وتصرف معها بكل تهذيب، إذ ابتاع ضمة أزهار، وأرسلها إليها مرفقة ببطاقة يعرب فيها عن أمله أن تستقبله في اليوم التالي. اسم الممثلة (جان دوفال) وهي ممثلة زنجية مشرقة، شاهقة الطول، جميلة القوام، رائعة الطلعة، شعرها أسود كثيف ممتموج، وصدرها مسطح، وشفتاها حمراوين. ورسمها شارل بودلير برسم شهواني: عينان سوداوان كبيرتان، شعر حالك متمرد، أنف مستقيم، شفتان سميكتان، ثديان ناهدان ومتباعدان على صدر هزيل، ردفان سمينان على قامة رقيقة لينة، جسد فاسقة لا تعرف الشبع.
لا جدال في أن بودلير تعلّق بجان دوفال لأن مهارتها تمكنت من التغلب على ضعفه الجنسي، ووفرت له لذة كاملة بعد أن أخذته إلى بيتها، ولم يكتف بودلير بزيارتها في بيتها، بل استأجر لها مسكناّ في الشارع المجاور لمسكنه الصغير في فندق بيمودان الفخم بشارع دانجو بعد أن طلب منها ترك المسرح، والتفرغ لملذاته كلياّ. ولم تبق صامتة بل تحولت إلى ثرثارة لا تمثل دورها كـ(معبودة عجيبة سمراء كالليالي) – حسب قول بودلير في إحدى قصائده – إلا في ساعات الشبق حين تستأنف وهي عارية الانتهاك الجسدي الذي يزيد تمسك عشيقها بها. وبعد أن تملكته تماما استسلم للشرب ولا سيما النبيذ الأبيض الممزوج بالكحول والقهوة، ولم يكتف بالتبغ بل أضاف إليه الأفيون ثم الحشيش، وعلى الرغم من كل ذلك كانت أمه دائمة السؤال عنه، واللقاء به في الحدائق العامة، أو المتاحف، خجلا من ذهابها إلى بيته ولقاء الزنجية هناك، ومع ذلك ظل متمسكاً بها، يكتب لها القصيدة تلو القصيدة، إلى أن أصبحت (زهرة الشر) موضوع شعره الجميل، وما مجموعته (أزهار الشر) إلا اعتراف بعمق الآلام والبؤس الذي قاساهما الشاعر. واستمر بودلير يواصل حياة الشبق، وحياة البطالة في الشوارع والمقاهي وهو يردد: “لقد تركت عائلتي من جديد، ففي بيت أمي لا يشربون إلا نبيذ بوردو، وأنا لا أستطيع الاستغناء عن نبيذ بورغونيا”. وبين خياناته لعشيقته الزنجية مع القزمات والعملاقات من النساء، وخياناتها هي أيضا لبودلير مع حلاق الحي، اتجه بودلير نحو السادية، فالمركيز دي ساد لم يكن سوى مجنون مغرم بتعذيب عشيقاته، والذين اتبعوه كانوا خلعاء مثله، وبديهي أن يسعى مغرم ضليل عاجز أو نصف عاجز مثل بودلير لأن يقع في نظريات هذا المركيز على إمكانيات جديدة في تحقيق اللذة. ومن عشيقاته بعد هروبه من البيت ثانية كانت صاحبة الأحرف (ج، ج، ف) التي أهدى إليها بودلير قصيدته (الفراديس المصطنعة) وهي من أجمل قصائده في مجموعة (أزهار الشر). وامرأة إيطالية تدعى (سيزينا)، كتب لها قصيدة بهذا العنوان في المجموعة ذاتها، أما مرغريت فكتب لها قصيدة بعنوان (الخريف). ويعتقد كثير من دارسي شعر بودلير أن اسماء عشيقته (برت) التي أطلق عليها صديقة العهد الأخير، ودلفين، وهيبوليت كنّ من اختراع مخيّلته، وهو يضفي عليهن عطفاً في صحراء غريزته الجنسية، فديانته أشبه ما تكون بالمانوية، إذ كان يؤمن بوجود إبليس ووجود الرداءة والشر، وكان يعتقد أن الحب العاطفي كلام باطل، وأن الحب جسدي صرف، وليس الحب الجسدي سوى شكل من الأشكال الشيطانية للشر.
في الرابعة والعشرين من عمره أخذت حياة بودلير تتغير، ولكن بقي يعيش سرّه الخفي المتمركز في الخلاف بين الرجل والشاعر، فالرجل مريض بأعصابه، لا يعرف كيف يعيش، فهو متهكم وضليل ومتعجرف ونصف مجنون، والشاعر هو من المتفوقين، يصوغ في أمتن نثر، وأنقى شعر، وأفضل ما يخطر له من خواطر الفن. هذا الشاب هو استاذ في الجمالية، هذا المجنون هو حكيم، هذا المختل حين يكتب نجد عنده الضبط والذوق والاتزان. ولكن كل ذلك لم يغيّر من نظرة بودلير إلى النساء ولا سيما جان دوفال التي كانت تكتفي بالقليل، إذ لم تكن مطامحها تتجاوز الخمور والتبغ واللذات الليلية، وكان باستطاعتها أن تخرج لرصد الفرص شأن الفتيات اللواتي من جنسها، ولكن الخمور كانت قد عملت فيها فأذبلتها وجعلتها غبية بلهاء.
وكانت قد شاخت وغلظت وازدادت بشعاعة وخلاعة وهي تواصل خيانة عشيقها (بودلير) مع من هبّ ودبّ من الرعاع، ولا تكتمه ذلك بل تشتمه؛ لأنه أصبح لا يقدر على إطعامها، وكثيراً ما كانا يتخاصمان ويتضاربان، ولا يضع حداً لصراخهما إلا صراخ الجيران عليهما. ولكن بقي حتى النهاية يسعف بأشيائه القليلة تلك المخلوقة البائسة التي أحبّها. وعاد بودلير إلى طوافة الألم من فندق إلى فندق، هزيلا، رث الثياب، محروم العيش، مقروح النفس، لا يدعمه إلا الرغبة الصوفية في إحياء ذكر أدغار آلان بو الذي ظل ينظر إليه بوصفه أخاً روحياً له، إلى أن ظهرت في حياته امرأة جديدة اسمها (ماري دوبرون) وهي ممثلة شابة تلعب على مسرح (الغيته) وكانت نابغة بفنها، وجميلة وعذبة الخلق ذات استقامة وحشمة، شغف بها بودلير، وصار يجتمع إليها في مقصورتها، وقدم إليها قصيدة (نشيد الخريف) وهي من روائع (أزهار الشر) ولكن القدر لم يشأ أن يستمر طويلا في حبه لهذه المرأة الصادقة المستقيمة المحبة، إذ كان هناك ماري أخرى كان بودلير يهتم بها اثناء اهتمامه بماري دوبرون، ولكنه كشف بأنها تضمر حبّاُ عظيماً لرجل آخر، فخلقت هذه المكاشفة حافزاً قوياً لبودلير في تركها، ولكن فرص بودلير لا تنتهي، إذ التقى بـ(ابولوني ساباتيه) وهي صاحبة صالون أدبي، جميلة ومرحة ورقيقة الخلق، كانت طويلة القامة، متناسبة، جميلة اليدين، وكان شعرها الكستنائي المذهب المتناهي في النعومة يسترسل من تلقائه موجات غنية بالنور، أما لونها فكان مشرقاً، وتقاسيمها منتظمة، وفمها صغيراً ضاحكاً، أما قوامها الظافر فكان يوزع حولها النور والسعادة.
وعلى الرغم من أنه كان يحتقر النساء أو يؤلههنّ، ولا يكلف نفسه فهمهنّ، كان تعساً ويشعر بحاجة إلى الحنان، وكانت السيدة ساباتيه طيبة القلب وجميلة، فتحوّل إليها، ولكنه بدأ بتشويه كل شيء كعادته دائما، فبدأ بتأليف قصة معقدة وخيالية، جمعت بين السيدة ساباتيه والزنجية البائسة عشتروت سوداء. وسرعان ما صارت الشقراء والسمراء موضوع مقابلة، فجان هي الجسد والشيطان والحوت ووحش الظلمات، وساباتيه هي الروح والملاك والصديقة المثلى وملاك الأضواء المخلّصة. ولم يعد بودلير يتمالك نفسه عن إظهار شعوره تجاه ساباتيه، وهو الخائف من الضحك عليه إن صارحها مباشرة، فماذا يفعل؟ لقد عزم على أن يبعث إليها بقصائد ورسائل لا تختلف عن الرسائل التي كان يبعثها لماري، ولكن هذه المرة بدون اسم يذيّل الرسالة، وظل على مواصلة هذه اللعبة الصبيانية مدة خمس سنوات تقريباً، وهو يمنّي نفسه بالحصول على حماية عروس أو ملاك ينجيه من الشرير الذي بداخله، ويخلصه من ميوله الذاتية، ومع ذلك ظل محتفظا بقناعه الصقيعي الساخر في اجتماعات يوم الأحد بشارع فروشو.
وكما ألّه جان دوفال وماري من قبل فقد ألّه ساباتيه أيضا، فجعلها (بياتريس)، وهي مصدر كل خير، والحقيقة أن بودلير كان يناقض نفسه، وكان يصوّر لنفسه وللآخرين أنه، بعد ذلك الفشل الطويل، والبؤس المؤلم، قد فهمَ الحب، ليس الأفلاطوني فحسب، وإنما الحب الجسدي الوفي الممزوج بالاحترام والغيرة، الحب الذي يدعم العمل، ويحجب القنوط، ويمنع الانعزال الروحي الرهيب في صحراء البشر. ولكن مهما أظهر بودلير من كياسة واحترام في رسائله، سرعان ما يعود إلى وحشيته في القصائد، وينخلع عنه القناع، ليبدو تحته وجه ذلك الداعر المريض الذي أجادت تثقيفه عشتروت السوداء. وبقي يمزج أحلام حبّه الأمثل بالأنّات والشتائم كرجل تعوّد أن يمقت المرأة ويحتقرها فيما هو يطلبها ويشتهيها. وظلت السيدة ساباتيه تزهى بتلك القصائد والرسائل التي ترفعها إلى مصاف الملائكة، وعبر تفحّصها لضيوف صالونها واحداً واحداً توصّلت بذكائها الأنثوي إلى الاعتقاد بأن الشاعر المجهول الاسم هذا هو المتصنّع، المهذب الساخر بودلير، ولكنها تجاهلت الأمر لتدع للمغامرة حدّتها وظرفها. وفعلاً بعد أن صدرت مجموعته (أزهار الشر) أثارت الشكوك، فقررت النيابة ملاحقة الشاعر والناشر بجريمة الإساءة إلى الدين والآداب، عندئذ نزع بودلير القناع، وبعث برسالة تحمل توقيعه إلى السيدة باساتيه، فماذا فعلت السيدة ساباتيه حين كشف لها بودلير لها عن حقيقة أمره في الساعة التي ذاعت فيها شهرته؟ والجواب: أنها سكرت بمجد يحرزه شاعر انقطع لها زمناً طويلا بصبر وتكتم واحترام إلى حدّ الدهشة، إنها تعيش قصة على جانب من الغرابة، بطلاها رجل تعب ومنهوك، سئم الحياة الشهوانية، يضطرب في أزمة روحية شديدة، وامرأة جعلها هذا الرجل مثلا أعلى، وهي ليست بالمعبودة التي يتوهمها، ولكنها طيبة القلب جميلة، وتشعر للمرة الأولى بأنها مشربة الروح بعذوبة حب خيالي يختلف كل الاختلاف عن تلك اللذة الجسدية التافهة، ومع كل تلك الروحانيات التي خلقها كل من الرجل (بودلير) والمرأة (ساباتيه) إلا أن الاتصال الجسدي حدث بينهما، إذ أن عروق بودلير خانته، ولم يستطع امتلاك نفسه، وحدث أن تهيّجت شهواته التخيلية فأفضت إلى عجز مطلق عن امتلاك العشيقة الوحيدة الجديرة بالحب. ولكن بودلير لم يقاوم نظرته إلى المرأة، وأخذ يكشف لساباتيه ما في أعماقه، فأحبته بجنون، حتى أنها حين كان بودلير ينتظر الموت مشلولاً في أحد مستشفيات باريس بشارع دوم كانت ساباتيه تتردد عليه بدون انقطاع، إلى أن توفي في 31 من آب 1867. وفي العام 1871 ماتت أمه كارولين في هونفلور، أما جان دوفال فيؤكد (نادار) أنه رآها في العام 1870 تتثاقل متوكئة على عكازين بعد أن أصيبت بشلل جزئي، ثم كان انهيار الامبراطورية والحصار والكومون، فلم يهتم أحد لمعرفة كيف انتهت عشتروت السوداء وأين؟ أفي المشفى أم تحت الرصاص أم في قطيعة السوقة المطرود؟ وما يقال عن جان دوفال يقال عن السيدة باتيه، فالمرأتان اللتان اشتهرتا في الحياة التعسة التي عاشها بودلير توارتا غير تاركتين أي أثر!.























