عربة‭ ‬الخيل‭..‬والسعادة-د.نزار محمود

لكي‭ ‬نفهم‭ ‬الحياة‭ ‬ونعيشها‭ ‬في‭ ‬سعادة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬حكمة‭ ‬عربتها‭.‬

عربة‭ ‬الخيل‭ ‬التي‭ ‬نستطيع‭ ‬تصورها‭ ‬أمامنا‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬قمرة‭ ‬جلوس‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬عجلات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ومقعد‭ ‬يجلس‭ ‬فيه‭ ‬حوذي‭ ‬يحمل‭ ‬سوطاً‭ ‬ويمسك‭ ‬بحبال‭ ‬قيادة‭ ‬الخيل‭ ‬التي‭ ‬تجر‭ ‬عربته‭.‬

عربة‭ ‬الخيل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مالكها‭ ‬ذلك‭ ‬السيد‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬قمرة‭ ‬العربة‭ ‬ويأمر‭ ‬بتحديد‭ ‬وجهتها‭ ‬وسيرها‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬حوذيها‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬لا‭ ‬هذا‭ ‬ولا‭ ‬ذاك‭.‬

عجلات‭ ‬العربة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬يرفع‭ ‬القمرة‭ ‬على‭ ‬ظهرها‭ ‬وتنقلها‭ ‬في‭ ‬دورانها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تمثل‭ ‬جيادها‭ ‬قوة‭ ‬الجر‭ ‬ويحدد‭ ‬مشيها‭ ‬الحوذي‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬مالكها‭ ‬أو‭ ‬سيدها‭.‬

وحين‭ ‬نأتي‭ ‬نتفحص‭ ‬العربة‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬اختراع‭ ‬نجح‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬للتخفيف‭ ‬عن‭ ‬كاهله‭ ‬في‭ ‬التنقل‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬حمل‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬متاعه‭. ‬وهي‭ ‬الوسيلة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬لتكمل‭ ‬زينة‭ ‬وبهجة‭ ‬الأسياد‭ ‬والملاك‭ ‬في‭ ‬تنقلاتهم‭ ‬ونزهاتهم‭ ‬ورحلاتهم‭. ‬فالعجلة‭ ‬كانت‭ ‬اختراعاً‭ ‬لافتاً‭ ‬للإنسان‭ ‬منذ‭ ‬قديم‭ ‬الزمان‭ ‬استعان‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬وتخفيف‭ ‬ثقل‭ ‬انجازها‭. ‬وكان‭ ‬للقمرة‭ ‬في‭ ‬جلستها‭ ‬المريحة‭ ‬وغطائها‭ ‬ما‭ ‬خفف‭ ‬على‭ ‬راكبها‭ ‬عناء‭ ‬التنقل‭ ‬وحماه‭ ‬من‭ ‬شمس‭ ‬ومطر‭ ‬الطبيعة‭ ‬وريحها‭ ‬العاتية‭.‬

أما‭ ‬صاحبنا‭ ‬الحوذي‭ ‬فهو‭ ‬قصة‭ ‬بحاله‭.‬

فقد‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬الأجير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعصي‭ ‬لمالك‭ ‬أو‭ ‬سيد‭ ‬العربة‭ ‬أمراً،‭ ‬يهش‭ ‬بسوطه‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬خيل‭ ‬العربة،‭ ‬ويوقفها‭ ‬حين‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬القمرة‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬منع‭ ‬انفه‭ ‬من‭ ‬شم‭ ‬ما‭ ‬تقذف‭ ‬به‭ ‬مؤخرات‭ ‬الخيل‭!‬

والخيل‭ ‬في‭ ‬العربة‭ ‬هي‭ ‬طاقة‭ ‬تحريك‭ ‬العربة‭ ‬وسحبها‭ ‬ونقلها‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭. ‬هي‭ ‬المطيعة‭ ‬لقاء‭ ‬علفها‭ ‬الذي‭ ‬تلتهمه‭ ‬ومائها‭ ‬الذي‭ ‬تشربه‭ ‬لكي‭ ‬تستمر‭  ‬تعيش‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬جر‭ ‬العربة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬اخرى‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬دافع‭ ‬السايس‭ ‬الأساسي‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتلك‭ ‬الجياد‭!!‬

ومع‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬للحياة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انطلاق‭ ‬روح‭ ‬التمرد‭ ‬والثورة‭ ‬تمكن‭ ‬أغلب‭ ‬الحوذيين‭ ‬من‭ ‬إمتلاك‭ ‬عرباتهم‭ ‬وتسلم‭ ‬قرار‭ ‬حركتها‭ ‬واتجاه‭ ‬سيرها،‭ ‬حتى‭ ‬انهم‭ ‬راحوا‭ ‬يستعينون‭ ‬بنقابات‭ ‬تحميهم‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬من‭ ‬يهوى‭ ‬الهيمنة‭ ‬والتعالي‭ ‬عليهم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬اختراع‭ ‬وسائط‭ ‬نقل‭ ‬جديدة‭ ‬قلل‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬عربات‭ ‬الخيل‭ ‬وأسيادها‭ ‬الجدد‭!‬

برلين،‭ ‬10‭.‬08‭.‬2023