

. التحول الدلالي .. وسيميائية التاريخ والسياسة
رمزية الثور المجنح في قصيدة نينوى – اسماعيل عبدالوهاب اسماعيل
توطئة
للشاعر الموصلي الدكتور وليد الصراف حضور كبير في الساحة الادبية والشعرية الموصلية والعراقية والعربية ، ولعل لهذا الانتشار الكبير لشعره وقصائده اسبابا عديدة ، فهو مثلا يستخدم اسلوب القصيدة الواضحة والبسيطة ويفضل الابتعاد عن التكلف اللغوي والمفرداتي ، ليكون انطلاقه وارتكازه الشعري على الرموز التاريخية والدينية والتي هي في الغالب ارث ثقافي للعراقيين والعرب ، فنرى قصائد تتحدث عن شجار هابيل وقابيل ، وقميص يوسف وزليخة ، وزرقاء اليمامة .. وبهذه الرموز واثناء توظيفها ينجح الشاعر في خلق نقطة تواصل مع القارئ بتهيئة ارضية تواصلية مشتركة للخطاب والسرد الشعري، كون اغلب القراء يعلمون ما دار من وقائع بين يوسف وزليخة او هابيل وقابيل ، ومن بعدها تنطلق الحكاية الشعرية في قصائد وليد الصراف من مكان لا يتيه فيه المستمع ، فيأخذ الشاعر بعدها القرّاء الى عالم التخييل والمناجاة والرثاء والمديح .
يغلب على اسلوب وليد الصراف الوضوح والدلالة المحبوكة بأسس هندسية ممتازة ، فيوظف الرموز ويتلاعب بتفسيراتها ويقدم تأويلات وايحاءات اجتماعية ذات ابعاد تاريخية وسياسية .
وقصيدة الثور المجنح موضوع هذه الدراسة تنطلق من نفس المفاهيم التي اشرنا اليها ، فهي قصيدة مناجاة ذاتية تحاكي تمثالاً رمزياً في نينوى القديمة الذي كان رمزا يوضع أمام بوابات نينوى لحماية المدن من الاعداء والاشرار وهو رمز مركب من القوة والحكمة والسمو والشجاعة ( ).
بنية العنوان ووصف المكان
للعنوان خصوصية في الشعر ، بل هو مفتاح دلالي يعبر عن مكامن القصيدة ومحتواها،( ) فعنوان قصيدة نينوى هو دلالة واشارة بان المكان والزمان وكل الحوارات ستختص بهذا المحتوى وهو مدينة الشاعر ومحافظته (نينوى) . لكن الشاعر لم يفضل حصر قصيدته بعنوان واحد حيث ان القارئ سيلحظ ان وليد الصراف قد بدأ بوضع ثلاثة عناوين للقصيدة :- وهي تاسع اهل الكهف + الثور المجنح معرفا إياه كـ (كائن اسطوري في التراث القديم لنينوى) + العنوان الثالث والاخير وهو قصيدة نينوى( ) . أي انها حكاية نينوى المدينة نفسها عاصمة الاشوريين.
ومن اجل وصف مكان وفضاء القصيدة ، كعادته وبصوته الحكائي الجميل ، يستهل وليد الصراف قصائده بأسلوب سردي متأثر بعبارة (كان يا مكان) .. ففي هذه القصيدة يستهلها بالبيتين ( لما نوى سفرا عنها أكان درى / عن نينوى أم اليها قد نوى السفرا؟) .
تستفتح القصيدة بسؤال استفهامي عن احتمالية سفر الثور المجنح والتأكيد بانه باق في قلبها ومعلق اسمه باسمها ، اينما رحل واينما وضع وفي أي متحف كان فهو التمثال والرمز الذي اشتبك اسمه مع نينوى مدينته الاصلية وكيانه ( لما تزل طيف شاطيها يلوح له / ما اترع الكاس اوماداعب الوترا) ، بل ان نينوى شغلها الشاغل وفي عمق وجدانها هذا الرمز ، هو وجهها وايقونتها ، فما كتب ادبٌ إلاّ وإسم الثور المجنح فيه وما غنَّتْ أغنيةٌ ألاّ وكان هو العاشق فيها.
(أيدّعي ان هذا القلب من حجر/ والله هذي بلاد تنطق الحجرا )
نعم نينوى ساكتة وقد دُوِّن تاريخها على الحجر ، لكن امجادها تشهد لها حتى الحجارة ، يبدأ الشاعر بعد هذه المقدمة بإيضاح العلاقة بين رمزي المدينة والثور المجنح بوصف المكان والزمان والشرح العاطفي لنينوى ، فهي وطن يتصالح فيه النهر والصحراء والبدو والحضر : (تصالح النهر والصحراء خيمتُها / سماحةً وتؤاخي البدو والحضرا) ويضيف في وصف المكان وشرح معالمه الجغرافية الواسعة و الفسيحة (حدودها دونما البلدان اجمعها/ تمتد كي تتخطى الشمس والقمرا) ويضيف جغرافيا كذلك بان نينوى منوعةٌ بتضاريس الجبال والوديان (جبالك الشم ماضاقت بمن درجوا / وظل واديك لم يطرد من انحدرا) .
اسلوبية القصيدة
تمتاز قصيدة نينوى بسرديتها البسيطة ، فلغتها الجميلة المفهومة ، ذات الموسيقى العالية وايقاعها الجميل تبتعد عن التكليف والتزيّن والتعقيد اللغوي ، فقد ابتعد وليد الصراف في هذه القصيدة عن استخدام كلمات عربية قديمة ، بل خاطب القراء والمستمعين بلغة بسيطة وبعفوية مع موسيقيتها وقوافيها واساليبها الجميلة ، فهو هنا يريد القصد والتأثير في نفس القارئ اكثر مما يريد من رتابة القصيدة نفسها وشكلها وتراكيبها.
(زيارتان له في العام بعدهما / ظلّ الربيع وراء السور منتظرا) ففي هذا البيت وبأسلوب بسيط يشير الى العلاقة بين الربيع ونينوى وهي المدينة التي ارتبط اسمها بالربيع وسميت بأم الربيعين لاعتدال مناخها في فصلي الربيع والخريف.
ولنتأمل اسلوبية القصيدة وبساطة عروضها ، فقد اتبع الشاعر هنا البحر البسيط (مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فاعلن) واجاده ، بل وظف ايقاعه السردي لوصف مكان المدينة وزمانها وهدوء ربيعها ، فالأوزان والقوافي هي الموسيقى التصويرية التي يوظفها الشاعر لصورته الشعرية .
لقد استعان وليد الصراف بقافية الألف ، وهذا شكل اخر من اشكال السلاسة والبساطة ، فهذا الحرف يتولد من ( الفتحة ، النصب ، والالف ، الالف المقصورة) ( ) : ( اذا أزاح خمار الليل فجرك كي/ يرى الذي كان عنه منك مستترا) ويضيف كذلك (كل المساجد في سحر تلبّسها / تكبِّر الله مما قد رات وترى) .
السرد المسرحي
تقدم قصيدة نينوى شخصيات عديدة في حوارها ، وهي بهذا تقدم نفسها كقصيدة مسرحية ، بشخصيات مثل (دجلة ، الثور المجنح ، نينوى، والقوم) .. بالإضافة الى الحوارات الذاتية (المنولوجات) والمناجاة والمحاكاة التي ظهرت بالحوار مع الثور المجنح : الرمز الذي اعتبره الاشوريون القدماء المخلص من الشر والظلم ( ). فهنا الحديث لنينوى وهي تشتكي من اللامبالاة من اهلها وكم انذرتهم بقدوم الشرور لكنهم لم يأخذوا بالنصح ، حيث شُبِّهتْ نينوى بزرقاء اليمامة تلك الشخصية التراثية التي تتنبأ بالخطر وتراه من بعيد قبل وقوعه ( ) :
(وكنت أنذرتهم ألفا وانذرهم /غيري ولكنهم لم يسمعوا النذرا) ، (لا أدّعي عين زرقاء اليمامة بل/ أنا امرؤ افقدتني ادمعي البصرا) ، (اني أرى شجرا يمشي صرخت بهم/ فقهقه القوم هاهاها يرى شجرا) ..
وفي حديث اخر لنينوى ، تقدم للقارئ شخصية (دجلة) وتصفه :-
(اني كدجلة لم يكذب على أحد / ولم يسمّ الحصى في جرفه دررا) ، (ولم يعد مركبا لم يحتسب خطرا / والريح ساكنة ان يامن الخطرا) ، (ولم يقل راكب عن موجه : غدرا / ولم يجرب عليه شارب كدرا) فهي نينوى كدجلة المعطاء التي لا تعرف الغدر دجلة التي لم تدع الريح والموج يؤذيان راكبي القوارب فيها ، بل ان دجلة كانت وما تزال النهر الخالد الذي يعطي الخير والامان للجميع.
وفي احداث المسرحية هذه ، تقدم نينوى رمز المسرحية وشخصيتها الرئيسة وهو الثور المجنح بالقول : (وأنت ياقابعا في الظل مقتنعاً / بأنه بعد عين قد غدا أثرا ) ، (مجنّحا لم يطر يوما وظل كما / هو المقيم على أوهامه عصرا) ، (سماك ياايها الثور المجنح بالـ / ثور المجنح من لم يمعنوا النظرا) . وتؤكد نينوى بان تاسع اهل الكهف هو الثور المجنح بالقول : (تراك تاسع اهل الكهف انت صحوا / بينا تغط وحيدا في طويل كرى؟) ، (حلس المتاحف من سوح الوقائع قد / هُجّرت كي تسكن التمثال والصورا) .
تتمة الموضوع على موقع (الزمان) الالكتروني
فهو الثور المجنح الذي برمزيته القديمة منقذ نينوى واهلها ، تناجيه نينوى الآن بأن يستيقظ من سباته وينقذ اهلها من الشرور والارهاب الذي بدأ يعصف بهم ويؤذيهم ( قم ان قومك قد مادت مدائنهم / بهم وضاقت على راعي الشياه قرى) ويستخدم بعدها الشاعر اسلوب المحاكاة والمناجاة لهذا الرمز المخلص برمزيته التاريخية وبعده الديني «كتاسع اهل الكهف» فيقول في مناجاة نينوى للثور المجنح :
(كم دمعة في المنافي سوف نذرفها/ تضاف من قبل للدمع الذي انهمرا؟ ) ، (كم قطرة من دم اخرى سننزفها / لكي تحس بما يجري لنا وجرى ؟) ، ( لاثرتَ لاطرتَ هل حقا مسخت كما / قال الاحباء أو قال العدى حجرا).
فقد وظف الشاعر سيميائيا هنا الدمعة كرمز للحزن العميق الذي يمر به اهل نينوى ، ويسأل الثور المجنح المخلّص مستفهما عن موعد ثورته وهل أخل بوظيفته وعمله كحارس لنينوى؟،… أ ليس كافيا ما ذاقه اهل مدينتك من ألم ونزوج وتشريد ماذا تنتظر ؟ .. متى تثور ومتى تقول للعدى كفى ؟ ، إن لم تقم بدورك وتحمينا فقد تحولت فعلا لحجر ..
لكن الدراسة تحيل هذا الرمز السيميائي ( ) للثور المجنح بتفكيكه عبر الاشارة لأهل المدينة أنفسهم حيث يطالبهم الشاعر برد الظلم والأذى ويستغرب عدم ثورتهم ضد العنف والارهاب
حين يقول : (قم ان قومك قد مادت مدائنهم / بهم وضاقت على راعي الشياه قرى) ، (ودينهم ذهبت فيهم مذاهبه / بعد الهدى نحو شرع يقتل البشرا) وهنا اشارة مباشرة لفترة الظلم الذي عاشه اهل الموصل وعاشته نينوى في فترة الارهاب.
- الارتكاز التاريخي :-
يوظف الشاعر وليد الصراف التاريخ بوابةً لاستيعاب كلماته ورسائله ، والغرض من هذا التوظيف للتاريخ او الموروث الديني هو بناء ارضية مشتركة مع القارئ ، حيث يتفق من خلال هذا التوظيف كل من (الشاعر+ القارئ) على انشاء مكان او زمان او عنوان ، فيتلقى بعدها القارئ ويستلم الابيات الشعرية كتحليل لواقعة تاريخية او دينية ، لكنها توظف سيميائيا او دلاليا لصالح قضية معاصرة ، أي ان التاريخ هو رمز يوحي ويحفز الجمهور لشيء ما ( ) …
وخير مثال هو الثور المجنح نفسه الذي يراه كل اهل نينوى يوميا في شوارعهم ومتاحفهم ، والكل يعرفه بانه تمثال قديم كان القدماء من الاشوريين يعتبرونه الاههم وحارس مدنهم .
ومن اجل الارتكاز على المورث التاريخي ، يشير وليد الصراف الى القبائل العربية القديمة وتعدد اسمائها التي عرفت بتناحرها (كعبس وأسد ، وتغلب ومضر، وبكر) وهم قبائل عربية كبيرة من امهات قبائل العرب وبطونها ، استخدم اسماءهم مجازات للتعريف بمِلَلِ الشعب التي تتناحر.. وهو صراع اخوة يفرقهم الرأي وتخذلهم العزيمة : (والعرق
ينبض عبس باهلتْ أسدا/ وعامر بالخنا قد عيّرت مضرا) ، (وتغلب تستضيف الروم موقدةً / كي يهتدوا الزيت في الظلماء نار قرى ) الاشارة للروم في البيت السابق مجاز يستخدمه العرب للأجنبي والغازي والمحتل ( )..
كذلك نجد ان فكرة الثأر متأصلة في الفكر التاريخي العربي والاسلامي – كواقعة عاشوراء ومعركة الطف واللتين كانتا حاضرتين في هذه القصيدة – وهي توظيف للدلالة على ضرورة الثورة ضد الظلم والاستبداد (فكل من غاب ممن قبره اندثرا / حيّا بثأراته في يومهم حضرا) ، (قم إنّ خصمك اورى الف معركة / بين الاشقاء فيها وحده انتصرا). فهو يريد ان يستلهم الشعب من الامام الحسين (ع) الثورة ضد الألم ورفض الظلم والاصرار على احقاق العدالة .
ولم يغب الصبر برمز النبي ايوب (عليه السلام) ، الرمز الذي طالما اقترن بالمثل العربي (صبر أيوب) حين يقول : ( قالوا تصبّر ولو بالصبر قد نصحوا / على فراقك ايوبا لما صبرا).. والجميل هنا بانه استخدم العبارات المكررة صوتيا للدلالة على الرتابة والتكرار ، والتي رغم جمالها الموسيقي إلاّ ان تضمينها الدلالي يعني أنه لا جديد في الحياة لأنها تكرار وصمت : (تصبر/ بالصبر/ صبرا) ( ) ..
ومن موروثنا العربي سبق أن قلنا أنه اختار زرقاء اليمامة ، فيقول: (لا أدّعي عين زرقاء اليمامة بل/ أنا امرؤ افقدتني ادمعي البصرا) . فللقارئ أن زرقاء اليمامة رمز تاريخي يشير لضرورة الانتباه والحذر من تقلبات المستقبل بل الحذر من غفلة الزمن والتأهب للقادم ( )… هذه الرموز التاريخية التي يفقهها القارئ ان كان قارئا بسيطا او متواضعا فهي مفاتيح لمحتوى قصيدة الصراف (فأيوب هو الصبر ، اليمامة هي الحذر ، والقبائل للمعارك والشتات والطوائف) .
وهنا سيميائية ابداعية في صور القصيدة التي رسمها الشاعر عن نينوى وكأنها لوحة مكتظة بالرموز التراثية الفلسفية ، تصور مشاهد الدمار والاحتراب والظلم الذي يصيب المدينة وتستدعي ان يفيق تاسع اهل الكهف – هؤلاء الذي ناموا سباتا لزمان طويل- ، فهو تاسعهم (أي الثور المجنح) وآن الان ان يستيقظ وان يخلص اهل نينوى بشجاعته ويحيي في نفوس الناس شرارة الثورة والانصاف بين السكان الفقراء المساكين : (واخرج من المتحف المخفيك من حقب / الى الشوارع وابدا ثورة الفقرا ) .
- الرمز والواقع السياسي :-
استخدم وليد الصراف رموزا واشارات عديدة لوصف الواقع السياسي في العراق وفي محافظة نينوى ، فيبدأ بالحديث عن مدينته وكيف اصبحت فرقا متحاربة يكره بعضهم البعض باستخدام رمز (ابن المدينة) + رمز (ابن القرية) ، فيقول ان مكونات المدينة واهلها ليسوا كما كانوا بل اصبحوا في خصام وعدم وئام وصراع .
ولم يغب واقع المدينة في فترة الارهاب عن وصف الشاعر للمحافظة اثناء تلك الفترة ، فهو ايضا يقول بان المدينة انقسمت بين النازحين وغير النازحين الذين اختصموا فيما بينهم (ابن المدينة وابن القرية اصطرعا / والنازحون ومن لم ينزحوا اشتجرا) .
ينتقد الشاعر وليد الصراف المجتمع ككل وسلوكياته ويقول بانه حين غاب الوئام وصفاء المحبة والتعايش بدأ الاهل يتخاصمون واعضاء الجسد الواحد فيما بينهم ، فرمز «الغصن» وهو جزء من الشجرة يتخاصم مع عضو آخر في الشجرة وهو « الثمر» ويكن له العداء ، وقد غابت الصداقة الجميلة بين النخل والحمام واصبح يشي الصديق بالصديق (والسرو شاتم نخلا والحمام وشى/ بالغصن والغصن ادنى للعدى الثمرا)..
حيث بتوظيفه الرمز اعلاه (الحمام والغصن ، والثمر وابن القرية وابن المدينة) يشير بان ما يحدث كله هو بسبب المسؤولين الفاسدين الذي لم يتحملوا مسؤوليتهم بحفظ الامن المجتمعي ، بل شغلتهم السرقة واللصوصية والسياسة عن اداء واجباتهم : (و السيد اليوم من لصّ القوافل او / من أرهب الناس او من منهمو سخرا) بل يُعَرِّف الماسكين بزمام الامور والذين يتحكمون بأمور الناس بأنهم فئات إما سارق سابق ، او إرهابي ، او تافه دوني في المجتمع.
وهنا يأتي نداء وليد الصراف للثور المجنح ثانية ليستيقظ ويخلص المدينة واهلها من درك الاحتراب وسلطة الفاسدين الذين هم اضعف مما يتصوره الناس : ( قم إنَّ شاة ثغت في البوق أوهمنا / ثغاؤها الفخم ان الليث قد زأرا) فهم مجرد ارهابيين ولصوص يتحكمون بنا وانتم الاسد صوت الحق لا تخيفكم بنادق ارهابهم ابداً ، فانتم اهل المدينة وانتم من يجب ان تتحكموا بها وتعيدوا الوئام والتعايش لأهلها ومكوناتها وطوائفها : (لا ليث غيرك فازأر تنهدم جدر / فمن زجاج اقاموا حولك الجدرا) أنتم اهل الموصل الابطال الحقيقيون والقادة الذي يبسطون العدالة بين الناس، فيتحول رمز الثور المجنح من رمز المنقذ الى رمز الثائر وابن المحافظة المنكوبة من أعدائها ، فيحث وليد الصراف الناس بالقول: (وزلزل الباب وامحق حوله حرساً / فهم دمى واهدم الاسوار فهي فرى) فهؤلاء المجرمون ما هم الا ادوات خارجية ودمى فاقدة الارادة والعقل والضمير.
لقد اجاد الشاعر اجادة تامة وجميلة بصوره الشعرية الرائعة برسم واقع حال مدينته التي كانت تحت الارهاب والتي تعاني من فساد المسؤولين ، فقد استخدم الرمزية والإيحاءات غير المباشرة بصورة جميلة وفنية ، واعطى لشعريته هذه البعد الجميل بامتداد يبدأ من تاريخ مجيد قديم لحاضر مؤلم ينتظر منا تصحيحا للأمور : (واخرج من المتحف المخفيك من حقب/ الى الشوارع وابدا ثورة الفقرا)
- الهيكل الدلالي :-
تعرف الدلالة بوظيفتها في ايصال المعنى ودراسته وتحليله ، كذلك يركز فيها النقاد والباحثون المختصون بالأسلوبية والتداولية على سبب اختيار الكاتب لصيغ لغوية معينة بصورة قصدية لتضمينها مضامين دلالية ومعانيَ غير مباشرة ( ).
فقد وصف الشاعر المدينة بالإشارة لها بصفات : (حسناء / جلدك المسك / حاك ثوبك من خيط الرؤى / وقرطك الفضة البيضاء/ لثغتِ بالراء كالاطفال فالتبست/ فرشتِ سجادة عشبَ الضفاف لنا / و دجلة ريقك الصافي / وصوتك ….) فهو في مقطع القصيدة وفي وسطها يصف المدينة ويشببها بحسناء ، فقد استخدم التشبيه والتجسيد المجازي personification لتعظيم شأن المدينة وجعلها كأمراة جميلة ، فهي الحسناء ، ذات الجسد النقي الصافي الحنون ، حسنة الملبس والحلية ، قرطها من فضة بيضاء ، كلامها جميل وتَلْثغُ بحرف الراء ، ريقها صافٍ وضفافها خضر كمروج من جنة على الارض.
هذا العشق الذي ولده الشاعر بتغزله بالمدينة جعله يستعين بأدوات بلاغية عديدة ، فبالإضافة للتشبيه الذي اشرنا اليه اعلاه ، أستخدم التضادات اللغوية : (وقل لمن ثار ان الشمس مدركة / ثأرا من الليل طال الليل او قصرا) كتضاد بين (الطول + القصر) وفي بيت اخر يوجد تضاد بين (الحب والحرب) كما في: (لثغتِ بالراء كالاطفال فالتبست / بالحب حرب وأعيا قصدك الفكرا) وهنا تكمن حرفيته بجمع الاضداد وتشكيل بناء لغوي دلالي يستقيم على المتضادات .. فـتفيض قصيدته بالعديد من الرموز والدلالات كمثل التضاد في رمزي (المرئي / والمستتر) أو (الليل والفجر) : ( اذا أزاح خمار الليل فجرك كي / يرى الذي كان عنه منك مستترا ) .
(على العواصم كبرى في خرائطها / وفي الضمير تناهى حجمها صغرا ) وهنا يتجسد مثال اخر عن التشبيه بكبائر الامور ويشبهها بأنها كعواصم كبرى في الشكل فقط دون فعل او مضمون أي : وتظن الناس كبارا لكنهم بضمائرهم صغار جدا ..
الجميل كذلك استخدامه المجاز المرسل الذي وظفه بعلاقة (الجزء/ الكل) في وصف الايادي وهي في هذا السياق رمز للأشخاص الخونة والعملاء فيقول: (على التي تطلق الايدي لتسرقنا / هي التي توثق الايدي لمن نحرا ) فرمز اليد وهو الجزء مجازٌ مرسل للكل وهو الشخص او الخائن.
- الخاتمة والقفل:-
يترك الكاتب جميع انطباعاته وضربته الجميلة في نهاية قصيدته ، فالخاتمة هي آخر احتكاك لغوي ووجداني بينه وبين القارئ والمستمع للقصيدة ، ففيها يحصل الأثر ويشتد ( )، بل يؤكد على رسالة ما Perlocutionary Act ( ) ، لذا نجد وليد الصراف قد اهتم بخلق نمط اسلوبي ونحوي متوازن Parallelism ( ) حيث تبدأ جميع ابياته الأخيرة من القصيدة بصيغة الأمر:
(واستجوب البحر عن غرقى وعن سفن/ واسال عن السيل موج البحر والمطرا) ، (وافتح لتفضح من غالوا ومن حفروا/ قبراً لطفل بداج حالك حُفرا) ، (وحاكم الليل ان أخفى جريمتهم/ وشاهدَ الزور نجما كان أو قمرا) ، (وقل لمن ثار ان الشمس مدركة / ثأرا من الليل طال الليل او قصرا)
وبهذا الاسلوب الذي يسمى سيميائيا بالإشارة الثانوية الارشادية indexical signs ( )، يود الشاعر دلاليا ان يوجه الناس ويحرضهم على تغيير الحال وتصحيح الامور وازالة الظلم واحقاق الحق.
- استنتاجات الدراسة :-
- في شعر الدكتور وليد الصراف، تُستخدم الرموز التاريخية والدينية ليس فقط كوسيلة للتعبير الفني، بل أيضاً كجسر يربط القارئ بمراجع ثقافية وتاريخية مشتركة.
- تبرز في قصيدة «نينوى» قوة وليد الصراف في تقديم الأفكار والرموز بأسلوب بسيط ومفهوم ، دون تعقيد لغوي. ويجمع بين أناقة البناء الشعري والقوافي الموسيقية ليشكل صورة للمدينة وتاريخها، وينقل مشاعر الحزن والتأمل والمناجاة بأسلوب فني يتلاعب بالأوزان والقوافي ليصنع إيقاعاً جمالياً يزيد من تأثير القصيدة.
- يستخدم وليد الصراف الرموز والاستعارات لنقد الواقع السياسي والاجتماعي في العراق، وخاصة في محافظة نينوى. ولتصور تجزئة المدينة والصراعات الداخلية التي تعكس التقسيم داخل المجتمع، الذي يتسبب فيه القادة الفاسدون وصراعات السلطة.
- يسعى وليد الصراف من خلال استخدامه للهيكل الدلالي في قصيدته إلى توصيل تأثير قوي لرسالته. يتجلى ذلك في اندماج عناصر اللغة والتشبيهات والتضادات لصياغة صورة معبرة ومعقدة للمدينة وواقعها. لتُشكل هذه العناصر تلاقيا بين الكلمات والرموز لخلق تجربة فكرية وعاطفية تؤثر في القارئ وتحثه على التفكير والتحرك.
- من خلال استخدامه للتشبيهات والرموز والتضادات، يقدم وليد الصراف دعوة قوية للقارئ للتفكير في واقعه وتغييره. فالهيكل الدلالي الذي يتبناه يساعد في تعميق تأثير رسالته ودفع القارئ نحو العمل وتحقيق العدالة وإصلاح الأوضاع، وهو ما يجعل هذه القصيدة أداة فعالة للتحفيز والتوجيه.
في النهاية، تبرز قصيدة وليد الصراف كمثال على الاستخدام الرشيق للهيكل الدلالي والتأثير السيميائي لخلق تجربة شعرية غنية بالمعاني والرموز تمزج العبارات والصور في عمل فني يدفع القارئ نحو التفكير العميق والتحرك نحو التغيير .
المصادر والمراجع :-
- أ. بلعيدة حبيبي و مركز الكتاب الاكاديمي. (2016). شعرية العتبات في ديوان أسفار الملائكة لعز الدين مهيوبي.
- تحسين فاضل المشهدي و رضية عبد الزهرة الإبراهيمي. (2016). شعر عبد المنعم الفرطوسي دراسة في القافية أنواعها وعلاقتها بالأصوات اللغوية ــ الديوان أنموذجاً.
- حيدر فاضل عباس. (2016). الثورُ المجنَّحُ في الحضارةِ لآشوريَّةِ قراءةٌ سيميائيَّةٌ. الباحث العلمي , 8(3334), 277-30
- الخولى و ختام. (2012) . قراءة سيميائية في قصيدة: أرى شبحي قادما من بعيد. حوليات أداب عين شمس 40 ، ینایر- مارس،
- د. راجحة عبد السادة سلمان و د. أكرم عبد الله محمد. (2011). براعة الاستهلال وحسن الخاتمة في شعر زهير بن أبي سلمى.مجلة كلية التربية الأساسية (17(70 .
- رقية زيدان. (2001( . التغير الدلالي في شعر سميح القاسم ( أطروحة دكتوراه).
- سعد و جهاد عطية. فن النحت والنقش الآشوري من 1595الى 612 (ق. م) . أطروحة دكتوراه ، جامعة الجزائر 2 .
- عموري و نعيم. (2022). دراسة دلالية سردية في قصيدة شجرة القمر لنازك الملائكة. بحوث في اللغة العربية 14(26), 63-74 : .
- فاتح محمد سليمان سة نكاوى. (2012) . معجم مصطلحات الفكر الإسلامي المعاصر (دلالاتها وتطورها) .دار الكتب العلمية.
- كريم عجيل الهاشمي. (2017). سيميائية العتبات النصية في شعر/فاضل عزيز فرمان. لارك , 1(24), 114-131.
- محمد سيرانك . (2019). زرقاء اليمامة في الشعر العربي المعاصر-الأسطورة والرمز–. مجلة کلية الآداب. جامعة الإسکندرية 69(98), 1-22.
- وليد الصراف (2023) ، قصيدة نينوى ، ديوان تاسع أهل الكهف.
- Rumaria, C. (2015). An Analysis of speech acts in the Dead Poets Society. English Education Department the Faculty Of Languages And Arts State University Of Yogyakarta.
- J Fox, J. (2014). Explorations in semantic parallelism. Anu Press.
- White, J. J. (1999). On semiotic interplay: Forms of creative interaction between iconicity and indexicality in twentieth-century literature. Form Miming Meaning: Iconicity in Language and Literature. Amsterdam: John Benjamins, 83-108.























