هل خوفنا من (الميم) مسوّغ ؟ – منقذ داغر

حرب الثقافات:إلى أين نمضي؟(2)

هل خوفنا من (الميم) مسوّغ ؟ – منقذ داغر

من أكبر الورطات التي يصادفها أي باحث علمي هي خوضه غمار بحثٍ لديه آراء مسبقة عنه،بخاصة أذا كان لديه موقف سياسي أو أجتماعي(كما هم حاصل هنا) تجاه ما يعرف بمجتمع”الميم”. أعترف هنا أني بحكم ثقافتي ونشأتي أجد من الصعب عليّ أن أقف محايداً في بحثي هذا،على الأقل تجاه بعض المكونات “الميمية”،لكني أعد القارىء أن أعرض كل وجهات النظر بحيادية تامة وكما وجدتها مسطورة في مختلف المصادر. أن رفض ظاهرة ما لا يعني عدم تفهمها،بل أن رفضها يستوجب فهمها أبتداءً كي يبتعد الشخص عن الدوغمائية(الجمود الفكري). ولذلك أطلب من القارىء الكريم عدم التسرع في أطلاق الأحكام والصبر على ما سأعرضه بتسلسل أظنه منطقي لكي يتم فهم كل أبعاد الظاهرة.  ولنبدأ بالسؤال الأول: هل أن المثلية باتت ظاهرة؟وما هو حجمها؟

بحسب التعريف العلمي لمصطلح ظاهرة phenomenon فأنها الشيء الذي له وجود ويمكن ملاحظته حسياً. بهذا المعنى فأن الشذوذ الجنسي أو المثلية موجود منذ أقدم الأزمنة وتمت ملاحظته في كل المجتمعات الأنسانية. فالشواذ والمتحولين جنسياً معروفين في كل المجتمعات لكنهم كانوا عبر التاريخ يعيشون بالخفاء ضمن المجتمع وفي جزر معزولة أجتماعياً. الجديد الذي برز على السطح هو محاولة خلق مجموعة بشرية يطلق عليها مصطلح(مجتمع) له خصائصه الشخصية ومعاييره الأجتماعية وجعلها جزء مكمل للمجتمعات الأنسانية. ولتحقيق هذا الغرض فقد تم دمج عدد من الفئات ذات الميول الجنسية المتباينة ضمن مجموعة واحدة سميت بمجتمع LGBTQ والذي يعني بالعربية (مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيًا) ولذلك أطلق عليهم أختصاراً مجتمع (الميم) باعتبار أن كلهم يبدأون بحرف الميم. فيما أطلق عليهم البعض مصطلح المتحررين أو المغايرين جنسياً Queer. وبدون الخوض في نقاش طويل للمصطلحات هذه ومقارنتها بما أعتادت أجيالنا السابقة من أستخدامه من مصطلحات (الشذوذ أو اللواط ..الخ) فيمكن ملاحظة انه في الوقت الذي كانت فيه جميع المصطلحات القديمة ذات مدلولات سلبية فأن كل المصطلحات الجديدة باتت ذات مدلولات محايدة أحياناً وأيجابية في أغلب الأحيان. فالمصطلحات القديمة كانت تبدو منفّرة فيما تبدو الجديدة مبشّرة وتتناغم مع مفاهيم التحرر والمساواة والعدالة وهذا على ما يبدو مقصود تماماً. ففي الوقت الذي تستند فيه المصطلحات القديمة على مفهوم  عزل هؤلاء الأشخاص عن المجتمع كمرضى أو آفات أجتماعية، فأن المصطلحات الجديدة تستند الى مفهوم الأندماج والتكامل مع المجتمع كونهم جزء منه يجب أن يعاملوا بأنسانية وعلى قدم المساواة مع الآخرين. وأستناداً لهذا المفهوم الجديد فقد تم أخراج هذه المجموعات البشرية من عزلها الأجباري، والذي جعل معظم الناس سابقاً لا يلاحظونهم في حياتهم اليومية،الى النور بحيث باتوا ملاحظين أجتماعياً من الجميع. لا بل تم تسليط مزيد من الأضواء الأعلامية عليهـــــــم، وهذا ما قد يفسر جزئياً شعور الكثيرين بتزايد أنتشار الظاهرة. لقد نجحت هذه الفئات الأجتماعية بالخروج من الكواليس الى خشبة مسرح الحياة مستعينةً بكثير من الأساليب والأدوات التي سيتم شرحها في هذه السلسلة.

كان تأسيس منظمة لحقوق المثليين في ألمانيا عام 1897 بمثابة أول أعلان للوجود العلني لهذه المجموعة من الناس. كما كان قرار جمعية أطباء النفس الأمريكية برفع “الشذوذ” الجنسي من قائمة الأمراض او الأضطرابات العقلية خطوة كبيرة في طريق التحول في النظر لهذا الموضوع في أمريكا والعالم. فبعد هذا القرار لم يعد المثليين والمتحولين شاذين أو مرضى يجب علاجهم بل باتوا أشخاصاً طبيعيين ذوي خصائص جنسية مغايرة فقط. وفي عام 1989 أصبحت الدانمارك أول دولة في العالم تقر أقامة علاقة قانونية مدنية (شبيهة بالزواج) أعقبتها هولندا(2001) ثم بلجيكا(2003).

وفي عام 2004 أقرت أول ولاية أمريكية قانون زواج المثليين. أما اليوم فهناك 35 دولة في كل قارات  العالم (عدا أفريقيا) تقر زواج المثليين. وبحسب أحصاءات مؤسسة بيو الأمريكية فأن 7.2 بالمئة من الأميركيين أقروا في عام 2022 أنهم مثليين وترتفع النسبة بين الشباب ممن هم أقل من 40 سنة لتصل الى 25 بالمئة  !

كما أرتفعت نسبة الأميركان الذين يقبلون بوجود الشذوذ أو المثلية من 46 بالمئة عام 1994 الى 72 بالمئة في يومنا هذا. وهذه النسبة تعتبر منخفضة أذا قارنها بنسب القبول في الدول الاسكندنافية مثلاً والتي تتجاوز التسعين بالمائة!

هذه الأرقام لا تثبت فقط وجود الظاهرة وحجمها،بل أنها قد تؤكد ظهور ما يمكن تسميته بأمة المثليين أو المغايرين أو الشاذين جنسياً.