النشيد‭ ‬الحُسيني-حسن النواب

لا‭ ‬أدَّعي‭ ‬أنَّ‭ ‬إلمامي‭ ‬بالطقوس‭ ‬الحسينية‭ ‬يفوق‭ ‬الآخرين‭ ‬ممَّنْ‭ ‬أفنوا‭ ‬عمرهم‭ ‬بخدمة‭ ‬سيد‭ ‬الشهداء،‭ ‬لكني‭ ‬عشتُ‭ ‬فصول‭ ‬طفولتي‭ ‬ومراهقتي‭ ‬وشطراً‭ ‬من‭ ‬شبابي‭ ‬متابعاً‭ ‬للنشيد‭ ‬الحسيني،‭ ‬يا‭ ‬ما‭ ‬جلستُ‭ ‬تحت‭ ‬المنبر‭ ‬الحُسيني‭ ‬مُصغياً‭ ‬وناحباً‭ ‬ولاطماً‭ ‬على‭ ‬ترانيم‭ ‬الرادود‭ “‬حمزة‭ ‬الصغير‭” ‬وصوته‭ ‬المجبول‭ ‬بشجن‭ ‬عاشورائي‭ ‬يمطر‭ ‬دمعاً،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬شعراء‭ ‬المنبر‭ ‬الحُسيني‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬مثل‭ ‬كاظم‭ ‬منذور‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة؛‭ ‬أو‭ ‬الشيخ‭ ‬مهدي‭ ‬الأموي‭ ‬وغيرهم‭ ‬يواجهون‭ ‬معضلة‭ ‬حقيقية‭ ‬بتوصيل‭ ‬أفكارهم‭ ‬وهواجسهم‭ ‬الحسينية‭ ‬بحريةٍ‭ ‬مطلقةٍ،‭ ‬إذْ‭ ‬كانت‭ ‬رقابة‭ ‬حكومة‭ ‬الطاغوت‭ ‬حين‭ ‬ذاك‭ ‬قاسية‭ ‬وتحمل‭ ‬تهديداً‭ ‬ووعيداً‭ ‬بالخفاء‭ ‬والعلن‭ ‬لهم؛‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تجرأوا‭ ‬وتمادوا‭ ‬في‭ ‬قصائدهم‭ ‬وذهبوا‭ ‬بالخطاب‭ ‬الشعري‭ ‬الحسيني‭ ‬إلى‭ ‬التحريض‭ ‬وتثوير‭ ‬النفوس؛‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬نقمة‭ ‬الطاغوت‭ ‬عليهم‭ ‬جميعاً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أذكرُ‭ ‬أنَّ‭ ‬شاعراً‭ ‬تقدميَّاً‭ ‬لموكب‭ ‬عزاء‭ ‬العباسية‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬يُدعى‭ ‬عبد‭ ‬الزهرة‭ ‬السعدي‭ ‬وكان‭ ‬معروفاً‭ ‬بخطابه‭ ‬اليساري‭ ‬الجسور‭ ‬قدْ‭ ‬زُجَّ‭ ‬بالسجن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرَّة‭ ‬حتى‭ ‬نال‭ ‬الشهادة‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬الإعدام‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭. ‬وبرغم‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭ ‬المرعبة‭ ‬كان‭ ‬عشَّاق‭ ‬الحسين‭ ‬يجتهدون‭ ‬بشتى‭ ‬السبل‭ ‬لإدامة‭ ‬ذكرى‭ ‬واقعة‭ ‬الطف‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الناس‭ ‬وبشتَّى‭ ‬طوائفهم،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬أنشودة‭ “‬يا‭ ‬حسين‭ ‬بضمايرنا‭” ‬للمنشد‭ ‬ياسين‭ ‬الرُميثي‭ ‬رسختْ‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬كل‭ ‬محب‭ ‬للحسين؛‭ ‬بذات‭ ‬الوقت‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬ذائقة‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬تعوَّدت‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬شعرية‭ ‬ولحنية‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬متشابهة‭ ‬بخطابها‭ ‬الحسيني؛‭ ‬وكاد‭ ‬الحماس‭ ‬يفتر‭ ‬لدى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الحُسيني‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحاكي‭ ‬عقولهم‭ ‬النيِّرة‭ ‬ويثير‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭ ‬لوعة‭ ‬المأساة‭ ‬بخطابٍ‭ ‬عصريٍ‭ ‬عن‭ ‬فاجعة‭ ‬الطف،‭ ‬حتى‭ ‬بزغ‭ ‬المنشد‭ ‬الحُسيني‭ ‬باسم‭ ‬الكربلائي‭ ‬وقلبَ‭ ‬تلك‭ ‬المعادلة‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب؛‭ ‬مستثمراً‭ ‬نأي‭ ‬رقابة‭ ‬الطاغوت‭ ‬عنهُ‭ ‬بسبب‭ ‬تواجده‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬لينشد‭ ‬قصائد‭ ‬حُسينية‭ ‬جريئة‭ ‬هزَّتْ‭ ‬أركان‭ ‬النظام‭ ‬القمعي‭ ‬وتفاعل‭ ‬معها‭ ‬جميع‭ ‬الناس‭ ‬المضطهدين‭ ‬بالخفاء؛‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬نبرة‭ ‬الصوت‭ ‬الشجيَّة‭ ‬والنادرة‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬وموهبته‭ ‬الفطرية‭ ‬بالتلحين‭ ‬وفق‭ ‬ذائقة‭ ‬عصرية‭ ‬أثارت‭ ‬لدى‭ ‬عشَّاق‭ ‬المنبر‭ ‬الحسيني‭ ‬الإعجاب،‭ ‬وهي‭ ‬موهبة‭ ‬تفصح‭ ‬عن‭ ‬حساسية‭ ‬عالية‭ ‬وبراعة‭ ‬لافتة‭ ‬باختيار‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬الحُسيني‭ ‬الذي‭ ‬ينشدهُ‭ ‬طيلة‭ ‬السنوات‭ ‬المنصرمة‭ ‬وحتى‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬باسم‭ ‬الكربلائي‭ ‬لمْ‭ ‬يستكنْ‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬المثيرة‭ ‬مثل‭ ‬ثورة‭ ‬النت‭ ‬والعولمة،‭ ‬إذْ‭ ‬أقدمَ‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬مسارٍ‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬والمغامرة‭ ‬وذلك‭ ‬بمغازلة‭ ‬ما‭ ‬ترغبهُ‭ ‬النفوس‭ ‬الحسينية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ولجأ‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬الكليبات‭ ‬وفق‭ ‬خطاب‭ ‬صوري‭ ‬حديث‭ ‬يقف‭ ‬خلفة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬المهرة،‭ ‬وانتشلَ‭ ‬النشيد‭ ‬الحُسيني‭ ‬من‭ ‬رتابته‭ ‬وسلفيته‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬مفتوح‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬ينافس‭ ‬أجمل‭ ‬القصائد‭ ‬المغناة‭ ‬بحناجر‭ ‬مطربين‭ ‬لهم‭ ‬خبرتهم‭ ‬الطويلة‭ ‬بهذا‭ ‬الدرب‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬الخطاب‭ ‬بينهما،‭ ‬وهناك‭ ‬ما‭ ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭ ‬هذه،‭ ‬وفقَ‭ ‬ما‭ ‬قدمهُ‭ ‬خلال‭ ‬أعوام‭ ‬مضت؛‭ ‬منها‭ ‬أُنشودة‭ ‬حسينية‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الإدهاش‭ ‬والإثارة‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ “‬غريبا‭ ‬أرى‭” ‬وهي‭ ‬قصيدة‭ ‬مركبة‭ ‬وصعبة‭ ‬للشاعر‭ ‬الراحل‭ ‬حيدر‭ ‬الحلي،‭ ‬وأقول‭ ‬صعبة‭ ‬لأنَّ‭ ‬كلماتها‭ ‬لم‭ ‬تألفها‭ ‬ذائقة‭ ‬المتلقي‭ ‬الحسيني‭ ‬من‭ ‬قبل؛‭ ‬لما‭ ‬تمتاز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬جزالةٍ‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬وبلاغة‭ ‬خطابها‭ ‬ولغزارة‭ ‬صورها‭ ‬الشعرية،‭ ‬وأنَّ‭ ‬إنشادها‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬مغامرة‭ ‬لصعوبة‭ ‬هضم‭ ‬واستيعاب‭ ‬سطورها‭ ‬من‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى؛‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬قصيدة‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬النخبة‭ ‬فحسب‭ ‬وليس‭ ‬لعامة‭ ‬الناس‭. ‬لكنَّ‭ ‬الأداء‭ ‬المتقن‭ ‬وشجن‭ ‬اللحن‭ ‬الشجي‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬كاميرا‭ ‬حساسة‭ ‬قدمت‭ ‬لنا‭ ‬لغة‭ ‬درامية‭ ‬ذكية،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬ساهمت‭ ‬بصناعة‭ ‬أنشودة‭ ‬حسينية‭ ‬متألقة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬بشكل‭ ‬سلس‭ ‬وأثارت‭ ‬إعجابنا‭ ‬حقاً،‭ ‬ونجح‭ ‬باسم‭ ‬الكربلائي‭ ‬من‭ ‬الارتقاء‭ ‬بذائقة‭ ‬المتلقي‭ ‬الحُسيني‭ ‬إلى‭ ‬مرتبةٍ‭ ‬أعلى‭ ‬وحرَّرهُ‭ ‬من‭ ‬خطابٍ‭ ‬حُسيني‭ ‬كان‭ ‬معظمهُ‭ ‬ساذجاً‭ ‬واعتاد‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬لسنوات‭ ‬طوال،‭ ‬وبذلك‭ ‬حقَّقَ‭ ‬ثقافة‭ ‬حسينية‭ ‬جديدة‭ ‬لمْ‭ ‬يألفها‭ ‬عُشاق‭ ‬عاشوراء‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬أنَّ‭ ‬باسم‭ ‬الكربلائي‭ ‬الذي‭ ‬ذاعت‭ ‬شهرته‭ ‬في‭ ‬أصقاع‭ ‬العالم؛‭ ‬كان‭ ‬متأثراً‭ ‬بطفولته‭ ‬بالمنشد‭ ‬الحسيني‭ “‬حمزة‭ ‬الصغير‭” ‬لكنَّ‭ ‬مثابرته‭ ‬ومحاولاته‭ ‬التجديدية‭ ‬تصاعدت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدائه‭ ‬إلى‭ ‬قصيدة‭ ‬الشيخ‭ ‬كاظم‭ ‬الأزري‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭: “‬أي‭ ‬المحاجر‭ ‬لا‭ ‬تبكي‭ ‬عليك‭ ‬دماً‭ ‬أبكيتَ‭ ‬والله‭ ‬حتى‭ ‬محجر‭ ‬الحجر‭”‬‭  ‬ويا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬شعرية‭ ‬عميقة‭ ‬ومؤثرة‭ ‬لمْ‭ ‬يكنْ‭ ‬العاشق‭ ‬الحسيني‭ ‬يعرفها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬ستفاجئنا‭ ‬بأداء‭ ‬حسيني‭ ‬أكثر‭ ‬دهشة‭ ‬وابتكاراً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المنشد‭ ‬المبدع‭ ‬باسم‭ ‬الكربلائي‭ ‬لأنَّ‭ ‬حياته‭ ‬بأسرها‭ ‬قد‭  ‬كرَّسها‭ ‬إلى‭ ‬النشيد‭ ‬الحسيني‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬سواهُ‭. ‬

حسن‭ ‬النواب