
قوى جديدة في الشرق الأوسط – غيداء العلي
بدأت الهند تظهر باعتبارها قوة رئيسية في الشرق الأوسط، والتوقعات بأن نيودلهي في طريقها للسيطرة في المنطقة ينبغي ان يكون على محمل الجد.”كانت الهند وبلدان الشرق الأوسط متشابكة بالفعل بطرق مختلفة، فلا يمكن مثلاً لأي شخص من السفر الى منطقة الخليج العربي دون أن يلاحظ أن العمال الهنود قد دفعوا بعجلة العمل في العديد من دول الخليج، وان الهند بدورها قد استوردت الكثير من النفط من الشرق الأوسط، ومع ذلك ومما يثير الدهشة أن الهنود في السابق كانوا لا يريدون لعب دوراً أكبر في الشرق الأوسط ولكن على ما يبدو أن الأمور قد تغيرت الآن وأن الهند بدأت تبرز كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط.الهند لا تزال ثابتة في دعمها للفلسطينيين ولديها علاقات ودية مع إيران التي اشترت منها نيودلهي كميات كبيرة من النفط، واهم نقطة هي ن النخب الهندية تميل إلى رؤية إسرائيل من خلال منظور التجربة الاستعمارية لبلدهم، كما أن الإمارات والسعودية تبحثان بقوة عن طرق لتوسيع العلاقات مع الهند، وهو تحول كبير لأن كلا البلدين قد اصطفا منذ فترة طويلة مع باكستان.ينبع التوجه نحو الهند جزئياً من الاهتمام المشترك باحتواء التطرف الإسلامي، ولكن الجانب الأهم هو الجذب الاقتصادي حيث يرى الإماراتيون والسعوديون فرصاً في بلد يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة على بعد أقل من أربع ساعات، في الأشهر الأحد عشر الأولى من اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والهند والتي دخلت حيز التنفيذ في ايار 2022? وصلت التجارة غير النفطية بين البلدين إلى 45 مليار دولار أمريكي وهي زيادة بنسبة 7? تقريبا عن العام السابق.ان دولة الامارات تسعى إلى الاستفادة من الخبرة التكنولوجية الهندية ورأس المال الخاص لمعالجة الطاقة البديلة والزراعة والتجارة وتطوير البنية التحتية.كما ان المملكة السعودية وهي ثاني أكبر مورد للنفط والغاز الى الهند، تريد زيادة علاقة الطاقة عن طريق إضافة مصادر الطاقة المتجددة إلى هذا المزيج، إذ أن الرياض ونيودلهي تناقشان خطة لربط شبكة الطاقة الهندية بالمملكة (والإمارات المتحدة) عبر القابلوات تحت سطح البحر، صحيح ان من غير الواضح ما إذا كان مثل هذا المشروع الطموح سيؤتي ثماره ولكن هذه المحادثات تشير إلى أن الحكومتين الهندية والسعودية تبحثان عن طرق لإضافة مليارات من الدولار الامريكي في التجارة بين البلدين.اما مصر، فإن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى مصر ماهي إلا درجة في سلم العلاقات المصرية-الهندية المستمرة الذي جاء بعد ستة أشهر من زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كضيف شرف في الاحتفال بيوم الجمهورية الرابع والسبعين للهند (زيارته الثالثة إلى نيودلهي). على عكس دولة الإمارات والمملكة السعودية ودولاً أخرى من ضمنها حتى إسرائيل، فإن التجارة بين الهند ومصر متواضعة نسبياً ولا تتعدى قيمتها 6 مليارات دولار أمريكي، وان السلطات المصرية التي أدى سوء إدارتها الاقتصادية إلى أزمة ديون وتضخم بنسبة 30% تسعى للحصول على المساعدة من الهند، وهناك حديثاً عن التجارة في الروبية لأن مصر تفتقر للدولار، لكن هذه الصعوبات الاقتصادية في مصر لن تقوض العلاقة المزدهرة بينهما، لأن الهند تعتبر مصر بوابة لإرسال بضائعها إلى أفريقيا وأوروبا، لذلك بدأت تظهر في الاعلام نظرة صانعي السياسات والمحللين الأمريكيين إلى دور الهند المتنامي في المنطقة من خلال منظور منافسة القوى العظمى مع الصين، وعلى ما يبدو ان المراهنة “ببطاقة الهند” خطوة حكيمة في اللعبة الجديدة.علاوة على العداوة الطويلة والنزاعات الحدودية وحتى المسلحة بين الهند والصين، فإن ثقل الهند اقتصادياً في الشرق الأوسط سيكون موازياً للصين، ومع ذلك، فإن من غير المرجح أن ترغب نيودلهي أن تكون الشريك الاستراتيجي الذي تتخيله واشنطن، مع الأخذ في الاعتبار قرب الهند من روسيا سابقاً وحتى موقفها الأخير من حرب روسيا في أوكرانيا حيث أدانت نيودلهي الغزو الروسي ولكنها لم تصوت لإدانة موسكو في الأمم المتحدة وهي مشتري رائع للأسلحة والنفط الروسي.تطور مكانة الهند في الشرق الأوسط تعكس واقع النظام الدولي المتغير واستعداد بلدان المنطقة على الاستفادة من (التعددية القطبية الجديدة) لذلك يمكن القول بأن شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط اذا أرادوا البحث عن بديل لواشنطن فمن الأفضل أن تكون نيودلهي من بين خياراتهم، وقد لا تكون الولايات المتحدة هي المارد الكبير بلا منازع في المنطقة، ولكن طالما وسعت الهند وجودها في الشرق الأوسط، فلن تتمكن روسيا ولا الصين ان تلعب هذا الدور.





















